من الرفوف تبدأ الحكاية...
قصص لا تُقرأ فقط: طلبة وجدوا أنفسهم في مكتبة جامعة نزوى، حيث تَفتَّح النجاح في دروب المعرفة
تنفيذ: ماجدة الخاطرية وبيان الصبحية
إعداد: مكتب النشر
في زحمة الأيام الجامعية، حيث تتشابك المحاضرات بالاختبارات، ويضيق الوقت بين القلق والطموح، تظلّ هناك أماكن صغيرة تصنع الفارق بهدوء. أماكن لا ترفع صوتها، ولا تعد بشيء صريح؛ لكنها تمنح من يلجأ إليها فرصة نادرة للإنصات إلى الذات.
مكتبة جامعة نزوى لم تكن يومًا مجرد رفوف تصطف عليها الكتب، بل كانت ولا تزال فضاءً حيًا، احتضن أحلامًا مترددة، وصقل أفكارًا خجولة، وشهد ولادة قصص تغيير حقيقية بدأت بخطوة بسيطة، وجلوس عابر، وفضول صامت.
في هذا الملف، نقترب من تجارب طلبة وجدوا في المكتبة أكثر مما كانوا يبحثون عنه؛ وجدوا أنفسهم، وكيف غيّرت مساراتهم.
حين قادها الهدوء لاكتشاف ذاتها
دخلت شذى السعدية مكتبة الجامعة مصادفة في أول فصل دراسي لها، هربًا من ضجيج السكن الجامعي لا أكثر. جلست قرب رفوف الكتب بلا هدف واضح، تتصفح كتابًا وتغلقه سريعًا، وهي تظن أن المكتبة مكان للمتفوقين فقط.
لكن الصدفة حين تتكرر تتحول إلى عادة، والعادة قد تصنع التغيير. صار الكرسي ذاته ينتظرها، والهدوء يمنحها طمأنينة غريبة. قرأت بدافع الفضول، فقادها كتاب إلى آخر، وسؤال إلى بحث.
لم تغيّرها المكتبة فجأة؛ إنما منحتها فرصة نادرة لتكتشف نفسها بهدوء، وأن تصنع ذاتها صفحةً بعد صفحة.
%20(1).jpg)
الصوت الذي وُلد من التفكير
كانت ميساء المعمرية تخشى المشاركة في القاعات الدراسية، وتشعر أن أفكارها لا تستحق أن تُقال. دخلت المكتبة يومًا بحثًا عن مرجع، فوجدت نفسها بين كتب لا تنتمي لتخصصها.
هناك، قرأت كما لو أن أحدًا يستمع لها دون أن يقاطعها. لم تكن خجولة، ولم تكن مترددة، كانت فقط قارئة. ومع الوقت، تبلورت أفكارها، وامتلأت دفاترها بالملاحظات والتساؤلات، حتى قالت بثقة: "تعلمت التفكير هنا... بين رفوف المكتبة".
لم تمنحها المكتبة صوتًا؛ لكنها علمتها أولًا كيف تسمعه بداخلها.
النجاح… عادة تُكتسب
في السابق، كانت أنوار الشكيلية تؤمن أن النجاح مسألة حظ، وأن الذكاء يولد مع البعض فقط. لم تكن من روّاد المكتبة؛ لكنها دخلتها ذات مساء قبل اختبار صعب، فاكتشفت مشهدًا مختلفًا:
طلبة يخطئون، يعيدون القراءة، يناقشون، ويكتبون. لا أحد كامل؛ لكن الجميع يحاول.
جلست ساعات أطول، وتعلمت كيف تراجع، وكيف تبحث عن الإجابة بنفسها، وكيف لا تستسلم عند أول صعوبة. فخَلُصَت من هذه التجربة بقولها: "النجاح ليس حظًا... النجاح عادة، وأنا تعلمتها في المكتبة".
لم تصنع المكتبة طالبًا عبقريًا؛ لكنها صنعت طالبًا لا يعرف الاستسلام.
حين يصنع المكان الدافع
دخلت أزهار العامرية المكتبة بحثًا عن الهدوء، فلفت نظرها اجتهاد الطالبات من حولها وسكينة المكان. هناك، شعرت بأن الحافز يولد من البيئة قبل أن يولد من الداخل.
بدأت تنظم وقتها، وتزور المكتبة يوميًا، حتى تضاعف جهدها وأدركت أن الاجتهاد أحيانًا يبدأ من المكان المناسب.
دروس لا تُقرأ... بل تُعاش
وقفت سارة اليحمدية حائرة أمام رفّ لا تعرف كتبه، فبادرتها موظفة المكتبة بابتسامة، وعلّمتها كيف تختار الكتاب المناسب، وكيف تبحث، وكيف تستعير.
خرجت وهي تدرك أن التعلم لا يأتي من الكتب فقط، بل من أشخاص نلتقيهم صدفة بين الرفوف، فيصنعون فرقًا لا يُنسى.
%20(1).jpg)
الشرح مشاركة إنسانية
في إحدى جلسات المراجعة، سألت نوار المعمرية طالبًا بجانبها عن مسألة استعصت عليها شهورًا. شرحها لها بصبر في دقائق.
لم يكن مجرد شرح، بل درس في المثابرة والصبر، وتجربة تعلمت منها أن المعرفة أحيانًا تولد من لحظة عفوية، ومن وجود شخص يؤمن أن المشاركة جزء من التعلم.
من زاوية مهملة إلى خطوة أولى
كانت أمامة المكدمية ترتاد المكتبة هربًا من قلق المستقبل وضجيج الدراسة. في زاوية مهملة، استوقفها كتاب قديم، سحبته بلا تفكير.
بين صفحاته، وجدت أفكارًا تشبهها، وحديثًا عن البدايات الصغيرة. عادت مرارًا، فتحولت القراءة إلى وعي، ثم إلى فكرة، ثم إلى خطوة أولى.
أدركت أن المكتبة لم تكن مكانًا للصمت فقط، بل نقطة انطلاق، وأن حلمًا كبيرًا قد يولد من رفٍّ منسي.
من رفٍّ مهمل إلى حلمٍ عالمي
لم تدخل أحلام الحاتمية مكتبة جامعة نزوى بحثًا عن كتاب بعينه، بل بحثًا عن ملاذ من ضجيج الأسئلة. في رفٍّ قلّما يتوقف عنده أحد، وجدت كتابًا بسيط العنوان، عميق الأثر.
قرأت عن الفشل والمحاولة والنهوض، فعرفت أن النجاح ليس حكرًا على أحد. صارت تلك الزاوية موعدًا ثابتًا بينها وبين ذاتها. دوّنت، خططت، جرّبت، وتعثّرت؛ لكنها في كل مرة كانت تعود إلى ذلك الرف، تستمد منه القوة.
شيئًا فشيئًا، وُلد مشروعها الصغير، ثم كبر الحلم، واتسعت الدائرة، وتحولت التجربة إلى قصة تُروى. واليوم، تؤمن أن أعظم النجاحات تبدأ أحيانًا من أبسط الأماكن... ومن كتابٍ ظنّه الجميع منسيًا.
ختامًا
هذه ليست مجرد قصص عن طلبة دخلوا مكتبة، بل حكايات عن وعيٍ تشكّل، وأحلامٍ وُلدت، وذواتٍ تغيّرت في صمت.
مكتبة جامعة نزوى لم تكن شاهدًا محايدًا، بل شريكًا خفيًا في رحلة التغيير، تؤكد أن الطريق إلى النجاح قد يبدأ من رفّ.