السنة 26 العدد 196
2026/01/01

المكتبات والكتب في الأسواق

سوق نزوى... حين يصافح الحرف نبض المكان

 

زارها: محمد الإسماعيلي

 

هل غدا سوق نزوى وجهةً سياحية وثقافية بفعل تاريخه العريق وعمقه التراثي، أم أن الذاكرة العُمانية هي التي اختارته، منذ زمن بعيد، ليكون أحد رموز الهوية والموروث الشعبي؟

سؤالٌ يصعب القبض على إجابته النهائية، غير أن الثابت أن العلاقة بين سوق نزوى والذاكرتين العُمانية والعالمية علاقة ضاربة في الجذور؛ علاقة تتآلف فيها عناصر المكان والإنسان والفكر والتاريخ في تناغمٍ نادر.

 

لسوق نزوى وجوهٌ متعددة؛ فهو ليس مجرد فضاء للبيع والشراء، بل بوابة رحبة لفهم عراقة الوطن، وثقافة المكان، وروح أهله، وأحلام أجياله. فيه يتجاور عبق الماضي مع نبض الحاضر، وتتقاطع التجارة مع المعرفة، دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.

 

هنا، لا يكتفي الزائر بقراءة التاريخ في بطون الكتب، بل يشمّه في الأزقة، ويلامسه في الوجوه، ويصغي إليه في الحكايات المتداولة. وهنا يجد طالب العلم مادة حيّة لدراسته؛ إذ تتجلّى اللغة والتاريخ والإنسان في انسيابها الطبيعي، خارج الأرشيف، وبعيدًا عن القوالب الأكاديمية الجافة.

 

إنه سوقٌ يتنفّس الثقافة، ويخاطب الذاكرة الجمعية، ويمنح المهتمين بالشأن الثقافي فرصة نادرة للغوص في روح المكان، حيث لا تزال المعرفة جزءًا من الحياة اليومية، لا سلعة عابرة ولا مادة استهلاكية.

 

 

ويفرض السؤال نفسه بإلحاح: هل أصبح سوق نزوى مقصدًا للباحثين وطلبة العلم لأنه يحتضن بين أروقته مكتباتٍ ومصادر نادرة؟ أم أن وجود هذه المكتبات هو امتدادٌ طبيعي لدوره التاريخي بوصفه مركزًا للعلم والتجارة معًا؟

 

الكتاب في قلب السوق... ذاكرة لا تشيخ

لا ريب أن علاقة سوق نزوى بالكتاب ليست طارئة ولا مستجدة، بل هي علاقة نشأت من عمق المكان، حين كان السوق – عبر قرون طويلة – ملتقى للتجار والعلماء والنسّاخ وطلبة العلم، يتبادلون السلع كما يتبادلون المعارف والأفكار.

 

وسط محلات الذهب والعطور والفضة والتمور والمطاعم الشعبية، تنبثق مكتبات صغيرة في مساحتها، كبيرة في أثرها؛ تعرض كتبًا في الفقه والتاريخ واللغة وعلوم الاجتماع والرياضيات والحوسبة، إلى جانب مخطوطات نُسخت بخط اليد، ومؤلفات لعلماء عمانيين وغير عمانيين أسهموا في تشكيل الوعي الثقافي والمعرفي للمنطقة قديمًا وحديثًا.

 

وللباحث الجاد، لا يبدو سوق نزوى مجرد مساحة تجارية، بل بيئة معرفية مفتوحة، تتجاور فيها الذاكرة الشعبية مع المرجع الأكاديمي، وتُروى الحكايات جنبًا إلى جنب مع تقليب صفحات الكتب. وهكذا، لا تكون زيارة السوق تجربة سياحية فحسب، بل رحلة فكرية قد تبدأ من رفّ صغير في مكتبة متواضعة، وتنتهي بسؤال بحثي عميق عن دور المكان في إنتاج المعرفة وحفظها.

 

مكتبة "أبي الفضل بن عباس"… منارة هادئة وسط الزحام

من بين هذه الدور الثقافية، تبرز مكتبة "أبي الفضل ابن عباس" بوصفها واحدة من أقدم مكتبات السوق وأكثرها حضورًا في ذاكرة الباحثين وطلبة العلم، وحتى السياح المهتمين بالفكر الإسلامي وتاريخ عُمان.


لا لافتة صارخة، ولا تصميمًا عصريًا، غير أن رائحة الورق ودفء الاستقبال كفيلان بأن يشدّا المارّ إلى الداخل.

 

في قلب سوق نزوى التاريخي، وعلى مقربة لا تتجاوز مئة متر من قلعة نزوى، تقف هذه المكتبة شاهدًا على استمرار وهج الكتاب في زمن تتسارع فيه الوسائط الرقمية. موقعها يمنحها حضورًا مميزًا بين روّاد السوق، ويجعلها محطة لا تُخطئها العين ولا الذاكرة.

 

 

تنوّع معرفي... واتساع في الأفق

تضم المكتبة رصيدًا غنيًا من الكتب في شتى الحقول: من التفاسير والحديث والفقه، إلى الأدب والفكر والرواية والشعر، مرورًا بالكتب التربوية والعلمية والتاريخية. وهي تحرص على تجديد عناوينها باستمرار، إذ يزيد عددها على مئة وخمسين عنوانًا، مع سعي دائم لإضافة أحدث الإصدارات وأكثرها طلبًا.

 

وتولي المكتبة اهتمامًا خاصًا بالكتب المترجمة، إيمانًا منها بدورها في فتح نوافذ على الثقافات والتجارب الإنسانية المختلفة. وتتعامل مع دور نشر عربية وإقليمية في سوريا ولبنان، وتشرف على طباعة نسخ من المصحف الشريف في الهند لجودتها العالية، مع انتقاء مدروس يراعي احتياجات القرّاء في نزوى وسائر مناطق عُمان.

 

ولا تخفي المكتبة طموحها في اقتناء مخطوطات وكتب نادرة مستقبلًا؛ لما تمثله هذه النوادر من قيمة علمية وتاريخية تُثري المكان وتعمّق أثره الثقافي.

 

فضاء ثقافي لا متجر عابر

"مكتبة أبي الفضل بن عباس" ليست مجرد محل لبيع الكتب، بل فضاء ثقافي حيّ، يقاوم انحسار القراءة، ويؤكد دور الكتاب في بناء الوعي. وهي تحرص على تلبية أذواق القرّاء دون انحياز، فتوفّر مؤلفات لرموز فكرية وأدبية مثل نجيب محفوظ، ومحمد متولي الشعراوي، وإبراهيم الفقي، إلى جانب كتب لكتّاب جدد يعالجون قضايا معاصرة في الفكر والتنمية والأدب والثقافة.

 

وهكذا، تظل هذه المكتبة – ومعها مكتبات سوق نزوى – شاهدًا حيًا على أن المعرفة يمكن أن تزدهر في قلب السوق، وأن الحرف قادر على أن يجد له مكانًا حتى وسط أكثر الفضاءات صخبًا.

إرسال تعليق عن هذه المقالة