السنة 26 العدد 196
2026/01/01

المال الذي بين يديك أمانة الله لعباده، فهل أديّت حق الله؟؟

 

 

داود بن سليمان الظفري

 

أقامت لجنة الزكاة بولاية العامرات احتفالًا يوم الإثنين الموافق 12/1/2026، وفي أثناء متابعتي لفعالياته، شدّتني كلمة الدكتور سيف بن سالم الهادي، فأنصتُّ إليها بوعيٍ عميق وتأمّلٍ صادق. كانت كلماته نافذةً مشرعة على المعنى الحقيقي للاستخلاف، ومسؤولية الإنسان عن مال الله وعباد الله، إذ قدّم رؤية إيمانية متزنة تُعيد وصل العبادة بالأخلاق، وتربط المال بالأمانة، والسلطة بالرحمة. وجاءت تلك الكلمة بوصفها مدخلًا جوهريًا لفهم الرسالة الحقيقية للجان الزكاة، لا كجهازٍ إداري فحسب، بل كأمانة شرعية وإنسانية عظيمة. إنها كلمة جديرة بأن يُصغي إليها كل طالبٍ وطالبة مقبلين على معترك الحياة بما تحمله من تعاملات ومواقف، بل هي معنى ينبغي أن يستقر في العقل، ويُستحضر في القلب لدى كل مسؤول وصاحب منصب في هذا الوطن.

 

لقد جاءت هذه الكلمة لتؤكد أن الحديث عن الزكاة ليس حديثًا عن أرقام وإجراءات، بل عن قيمٍ تُحيي الضمير، ومسؤوليةٍ تُهذّب السلوك، وأمانةٍ تُصلح علاقة الإنسان بماله وبالناس من حوله، فكانت تذكيرًا صادقًا بمعنى العطاء حين يُبنى على الإيمان والرحمة... إليكم نصّها:

جعلنا الله تعالى خُلفَاء الأرض، وهذه الخلافة لها ثلاث مستويات: المستوى الأول هو المستوى الهُويِّاني مستوى الهويِّة، وهو الخلافة العامة، فنحن كُلُنا خلفاء الله في الأرض {وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّي جَاعِلࣱ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةࣰۖ}، ويعني هذا، بأن هذه الأموال التي نتعامل معها، ليست منًّا، إنما هي من الله، فالله هو الذي خلقنا ورزقنا، فنحن خلقُ الله، نتصرّف بمالِ الله قال سبحانه وتعالى: {وَأَنفِقُوا۟ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَأَنفَقُوا۟ لَهُمۡ أَجۡرࣱ كَبِيرࣱ}، وقال عز وجل: {وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ ءَاتَىٰكُمۡۚ}، فهذا المال الذي نَسعد به في حياتنا، ونُنفقه على عباد الله، إنما هو مالُ الله، نحن مستخلفون فيه؛ لذلك علينا أن نتعامل مع المال بأمانة تامة، نؤدي فيه حق الله، فإن العبادة التي نقدمها لله سجودًا وركوعًا وذكرًا وتسبيحا؛ تقتضي بالضرورة أن يكون هناك اهتمامٌ مُماثل بالمال الذي معنا. يقول ربنا الكريم في وصف المتّقين: {كَانُوا۟ قَلِيلࣰا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ وَفِيۤ أَمۡوَ ٰ⁠لِهِمۡ حَقࣱّ لِّلسَّاۤىِٕلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ}، فإذن عبادتُك لله مرتبطة باهتمامك بمالِ الله؛ لأن صلتك بالله لا تبدأ من خلال السجود والركوع وحده؛ إنّما من خلال شعورك بالمسؤولية عن عباد الله، الذين أوكل الله تعالى إليك مُهمّة الإحسان إليهم والإنفاق عليهم. 

 

إن الله تعالى خلق هذا الكون الفسيح، وحسب الإحصائيات أو الدراسات التي يُقدّمها علم الفلك، في هذا الكون أكثر من اثنين ترليون مجرّة، وفي كل مجرة ما يزيد على 400 مليار نجم، كُلُّها تحت أمر الله سبحانه وتعالى، لكنّه عندما خلق هذه الأرض، وجعلك خليفة عليها، أشركك في هذه الخلافة، وطلب منك أن تكون خليفته في الأرض {إِنِّي جَاعِلࣱ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةࣰۖ..} وهذه الخلافة لا تتحقق إلا بأمرين: الأمر الأول، هو عبادتك المحظة لله، والأمر الثاني، هو رعايتك لعبادِ الله، فأنت خليفة الله أمينٌ في أرضه على عباده، وعلاقتك بهؤلاء العباد، هي التي تُحدِّد قُربك وبُعدك من الله، فهذه العلاقة هي المسطرة التي تَعرِف من خلالها هل أنت قريب من الله أم بعيد منه، فكلّما كنت قريبًا من خلقه وعباده، تُشفِق عليهم؛ تَرحَمُهم؛ تُعطيهم من المال الذي استُخلفت فيه؛ وبذا أنت قريب من الله، لكن عندما يكون الإنسان قاسيًا غليظًا أنانيًا بخيلًا فهو بعيد من الله، وهذا لا يُعرَف إلا من خلال علاقة الإنسان بالإنسان، لذلك قال النبي ﷺ: "إن أقرب الناس من الله أحسنُهم خُلقا"، وقال ﷺ: "أقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا"، وفي حديث آخر، "إن أبعد الناس من الله صاحب القلب القاسي"، وعندما جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو قساوة قلبه قال له النبي ﷺ: "امسح على رأس اليتيم، وأطعم المسكين".

 

 فهذا القلب لا يرقُّ إلا عندما تشعُر أنك مسؤولٌ عن عبادِ الله، تُنفق عليهم من مال الله الذي استُخلفت فيه، وهذا يعني أنّنا أمام مسؤوّلية عظيمة، لا تتحدّد علاقتنا بهذا الإنسان إلا عندما نشتهي له الخير والسلامة، لا نطلُب له العذاب ولا الشقاء بدعوى أنه لا يعمل، بدعوى أنّه عالة على المجتمع، بدعوى أنه إنسانٌ مزعج. المؤمن دائمًا يشتهي السلامة والرحمة للآخرين، فإذا وجد في نفسه هذا، فهو مؤمنٌ حقا، أما إذا وجد نفسه كارهًا لعباد الله، بدعاوى مختلفة، حتى ولو كان انتماءً وجوديًا أو عقائديًا، فإبراهيم عليه السلام يقول: {وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرࣰا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّي}، ماذا تتوقعون أن يقول في من لم يتبعه؟ هل يقول: ومن لم يتبعني فعذّبه؟ إنّما قال: {وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورࣱ رَّحِيمࣱ}، أنت لا تشتهي العذاب للآخرين، حتى ولو كانوا لا يعبدون الله لا تشتهي لهم سوى السلامة وطلب المغفرة، فهذا الذي قاله عيسى عليه السلام: {إن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ}، فإذن علينا أن نُدرك معنى علاقتنا بالنّاس، وهذا هو المستوى الأول.

 

أما المستوى الثاني فهو المستوى الاجتماعي الذي يعد من مستويات الاستخلاف، ويعني أنّ الله تعالى جعلنا في هذه الأرض خُلفاء لِنُدرك أنّنا مُتفاوتون في المال والدرجات العلمية، والقدرات المعرفية، والوظائف الاجتماعية {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَـٰۤىِٕفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضࣲ دَرَجَـٰتࣲ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَاۤ ءَاتَىٰكُمۡ..}، فعندما تُدرك أنّك خليفة الله في هذه الأرض، وإنّ من مُقتضيات هذه الخلافة، أن يَكون فيها غنيٌ وفقير، صاحبُ مَنصب عالٍ وصاحبُ منصب مُنخفض، فعليك أن تعلم أن هذا التقسيم تقسيمٌ إلهي وليس منك أنت، فلا تتعالى بمنصبك أو وظيفتك أو مالك على أي إنسان، فإن وضعه الاجتماعي؛ إنما هو تحديدٌ من الله، والسؤال ماذا عليك أنت؟ عليك أن تُعطيَه من مالِ الله الذي آتاك، وأن تبسط له وجهك، وتبتسم في وجهِه، وتُشفِق عليه وترحَمَه، وأن تُساعده وتكون خليفةً لِلّه في الارتقاء به، وهذا الذي قاله الله تعالى {أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضࣲ دَرَجَـٰتࣲ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضࣰا سُخۡرِيࣰّاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرࣱ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ}، فهذا كُله تدبير الله، وأنت وظيفتك أنك خليفةٌ لِلّه، تُدرك أن هذا التفاوت الطبقي والاجتماعي والمالي، هو حِكمة الله في الأرض، ليس علوًا أو استكبارًا أو تمييزًا طبقيًا أو عرقيًا أو اجتماعيًا؛ إنما هو من أجل أن تكتمل الحياة، كُل هذا من أجل أن تَسعدَ الحياة.

 

أمّا المستوى الثالث فَيخص لجنة الزكاة ومن يدخل في حكمها من المؤسّسات الخيريّة الأخرى، هذا المستوى هو المستوى السياسي (التكليفي)، يقول الله تعالى: {يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَـٰكَ خَلِيفَةࣰ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ...}. فكُلُّ من أعطاه الله مسؤوليّة في أن يكون مسؤولًا عن النّاس، عليه أن يحكُم بالحق والعدل، وعليه أن يُراعي شرع الله تعالى فيما يفعل. فهذا الفقير الذي يأتيك، وهذا خطاب لِلجان الزكاة مع الثقة العميقة فيهم، هذا الفقير الذي يأتي بمنهج الله، الله أخبرك ألَا تعبَس في وجهِه، ولا تنهره، ولا تقسو عليه، وإن كانت الأنظمة لا تسمح بإعطائه، فكن عونًا له، بأن تُلّطف من نفسِه، أن تُهدّئ من روعِه وتلتمس له مساعدةً من مكان آخر، لكن إياكم إذا أتاكم فقير، أن تقولوا له: النظام لا يشملُك، فأنت غني؛ فهذا خطأٌ كبير، الفقير لا يأتي إلا وهو مُحتاج، لكنّ الأنظمةُ الإداريّةُ لا تسمَح بإعطائه، إنّما الذي يسمح بإعطائه وتلطِيف نفسه، هو رُوحُك الإيمانيّة وقربك من الله {فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ وَأَمَّا ٱلسَّاۤىِٕلَ فَلَا تَنۡهَرۡ}.

 

لذلك فلِجان الزكاة والمؤسّسات الخيريّة، يُواجِهون تحدّيًا كبيرًا، عندهم أنظمةٌ إدارية لا يستطِيعون تجاوزها، ويخضعون لنظامِ حوكمة لا يسمح لهم بأن يخرجوا عن هذه القيم، ولكن يُمكِنهم أن يجعلوا من أخلاقهم فرصةً أخرى لتهدئة روعِ الفقير، لأن النبي ﷺ يقول: "إنّكم لن تَسَعوا النّاس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق". الفقير الذي يأتيكم ولا يشملُه النظام هدّوا من روعِه، وشدّوا من عزمِه، وقولوا له سنُحاول بقدر الإمكان أن نُساعِدُك وأن نبذُل جُهدًا في إعانتك، لكنّنا لا نضمن ذلك، ولكننا نشعر بما تشعر به من ألمٍ ومن حاجةٍ وفاقة. وهذا يُخرِجُكم من دائرة المسؤوليّة حتى لا يقع النّاس في شيءٍ من الأخطاء، فقد جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنه يطلب مالاً فقال له: "اعطني من مالِ الله فأعطاه، فقيل له: يا ابن عمر إنّ هذا الرجل يخدعُك، قال من خَدعنا في الله انخدعنا له"، فالذي يُناشِدك بالله يقول لك "اعطني من مال الله"، هذا لا يخدَعُك؛ إنّما يستثير الإيمان الذي فيك، ينظر مقدار عظمةِ الله في قلبك، فإذن من جاء يسألُك، فابسط له وجهك، وساعده بقدر ما تستطيع؛ لعلَّ الله تعالى يجعلُ فيما تقوم به نجاة له ونجاة لك، فقد أدخل الله رجلا الجنّة لأنّه سقى كلبًا، وأدخل امرأة النّار لأنها حبست قطة لا هي أطعمتها أو سقتها.

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة