السنة 26 العدد 196
2026/01/01

مستويات الجاهزية التكنولوجية (TRL) في البيئة الأكاديمية: جامعة نزوى أنموذجًا

 

محمد بن عبدالله الحراصي

مدير مركز الاستشارات وتوطين الابتكار



تُعد مستويات الجاهزية التكنولوجية (Technology Readiness Levels – TRLs) إطارًا منهجيًا معتمدًا عالميًا لتقييم نضج التقنيات، بدءًا من مرحلة البحث المفاهيمي الأولي (TRL 1) وصولًا إلى التطبيق الكامل والتجاري (TRL 9). ويهدف هذا الإطار إلى دعم اتخاذ القرار فيما يتعلق بانتقال الابتكارات من المختبرات البحثية إلى الأسواق؛ بما يسهم في تعظيم الأثر الاقتصادي والمجتمعي للبحث العلمي.

 

في البيئة الأكاديمية، تكتسب مستويات الجاهزية التكنولوجية أهمية متزايدة، إذ تساعد على ردم الفجوة بين البحث العلمي الأساسي والتطبيق العملي، وتمكّن الجامعات من الاضطلاع بدور محوري في منظومات الابتكار الوطنية. ولم تعد الجامعات الحديثة تكتفي بإنتاج المعرفة ونشرها، بل أصبحت مطالبة بتفعيل آليات نقل التكنولوجيا، وتوليد الملكية الفكرية، والإسهام المباشر في التنمية المستدامة.

 

مستويات الجاهزية التكنولوجية ودور الجامعات

تقليديًا، تتركز الأنشطة البحثية في الجامعات عند المستويات الأولى من الجاهزية التكنولوجية (TRL 1–3)، التي تشمل البحث الأساسي، وصياغة المفاهيم العلمية، وإثبات الفكرة، والتحقق المعملي. وتمثل هذه المراحل الأساس الذي تُبنى عليه الابتكارات المستقبلية، إلا أن الاكتفاء بها قد يؤدي إلى محدودية الأثر التطبيقي لمخرجات البحث.

 

في المقابل، تتجه الجامعات الموجهة نحو الابتكار إلى توسيع نطاق دورها ليشمل المستويات المتوسطة (TRL 4–6)، عبر تطوير النماذج الأولية، وإجراء الاختبارات التطبيقية، والتحقق من الأداء في بيئات شبه واقعية، غالبًا بالشراكة مع القطاعين الصناعي والحكومي. أما المستويات العليا (TRL 7–9)، التي تتضمن الاختبارات التشغيلية، والتطبيق الفعلي، والتجارية، فتتطلب منظومة متكاملة تشمل بنية تحتية متخصصة، وآليات تمويل مرنة، وشراكات صناعية قوية، وأنظمة فعالة لحماية الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا.

 

تبني إطار TRL في جامعة نزوى

يمثل تبني جامعة نزوى لإطار مستويات الجاهزية التكنولوجية خيارًا استراتيجيًا يدعم أهدافها في نقل المعرفة، وتوطين الابتكار، وتعزيز القيمة المضافة للبحث العلمي. وبتوجيه المشاريع البحثية على وفق مستويات الجاهزية، يمكن للجامعة مواءمة مخرجاتها مع احتياجات التنمية الوطنية، وزيادة فرص تحويل الأبحاث إلى حلول قابلة للتطبيق في القطاعات المختلفة.

 

ويتَّسق هذا التوجه مع رؤية عُمان 2040، التي تؤكد أهمية البحث التطبيقي والابتكار في بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وتعزيز الشراكة بين المؤسسات الأكاديمية والقطاعات الإنتاجية، وتنويع مصادر الدخل الوطني.

 

تحليل SWOT لمستويات الجاهزية التكنولوجية في جامعة نزوى

(منظور استراتيجي قائم على تعظيم الفرص)

 

أولًا: عناصر التمكين

تتمتع جامعة نزوى بمنظومة بحثية متنامية تشكل أساسًا قويًا لتبني إطار مستويات الجاهزية التكنولوجية، إذ تضم قاعدة أكاديمية وبحثية متميزة في مجالات العلوم، والهندسة، والعلوم الصحية، والتقنيات التطبيقية، وهي مجالات ترتبط ارتباطًا مباشرًا بأولويات التنمية الوطنية.

 

ويمثل مركز الاستشارات وتوطين الابتكار ركيزة مؤسسية محورية في تعزيز الربط بين الجامعة والقطاعات الصناعية والحكومية والمجتمعية؛ بما يسهم في توجيه البحث العلمي نحو حلول عملية قابلة للتطبيق وتوطين التقنيات ذات الأثر الوطني. وتوفر البنية التحتية البحثية، بما في ذلك المختبرات المتخصصة مثل مختبر الابتكار، بيئة مناسبة لتطوير النماذج الأولية في المراحل المبكرة والمتوسطة من الجاهزية التكنولوجية.

 

ويعزز من هذه المقومات توفر كوادر أكاديمية وبحثية مؤهلة تمتلك خبرات علمية وتطبيقية، إلى جانب التوافق الاستراتيجي مع رؤية عُمان 2040، التي تمنح البحث التطبيقي والابتكار أولوية وطنية واضحة، وتفتح آفاقًا واسعة للدعم المؤسسي والتمويلي.

 

ثانيًا: مجالات التطوير الاستراتيجي

تُظهر التجربة البحثية في الجامعة تركّزًا طبيعيًا على المستويات الأولى من الجاهزية التكنولوجية (TRL 1–3)؛ مما يوفر قاعدة معرفية راسخة يمكن البناء عليها للانتقال المنهجي نحو المستويات المتوسطة. ويمثل ذلك فرصة لتطوير برامج داخلية وسياسات داعمة تستهدف تعزيز تطوير النماذج الأولية والتحقق التطبيقي في المراحل اللاحقة.

 

إلى جانب أن توسيع أدوات التمويل المخصصة للمستويات المتوسطة والعليا من الجاهزية التكنولوجية يُعد مجالًا واعدًا للتطوير، سواء عبر مبادرات مؤسسية أم من طريق شراكات وطنية وإقليمية. وتبرز كذلك فرصة تعميق مواءمة بعض الأبحاث مع احتياجات القطاعات الصناعية؛ بما يعزز فرص التعاون ويزيد من قابلية تبني مخرجات البحث.

 

وتُعد تنمية القدرات في مجالات إدارة الابتكار، وتحليل الأسواق، والمسارات التنظيمية، وتطوير الأعمال عنصرًا داعمًا لبناء منظومة ابتكار متكاملة. وتطوير أنظمة مؤسسية أكثر شمولًا لتتبع الملكية الفكرية والمشاريع البحثية على وفق مستويات الجاهزية التكنولوجية من شأنه أن يعزز كفاءة التخطيط الاستراتيجي واتخاذ القرار.

 

ثالثًا: الفرص الاستراتيجية

تتوافر أمام جامعة نزوى فرص وطنية وإقليمية متنامية في مجال البحث التطبيقي والابتكار، لا سيما في القطاعات ذات الأولوية مثل الصحة، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والزراعة، والتصنيع المتقدم. ويواكب هذا التوجه تزايد اهتمام الجهات الحكومية والصناعية بالحلول القائمة على المعرفة؛ ليعزز الطلب على الأبحاث ذات الجاهزية التطبيقية.

 

وتمثل الشراكات مع المؤسسات الحكومية، والقطاع الصناعي، والشركات الصغيرة والمتوسطة منصة فعالة لتطوير التقنيات في المستويات المتوسطة والعليا من الجاهزية التكنولوجية. وتدعم هذه الشراكات برامج تمويل وطنية وإقليمية قائمة على التحديات والابتكار، يمكن توظيفها لِتسريع انتقال التقنيات من المختبر إلى التطبيق.

 

ويضاف إلى ذلك تنامي ثقافة الابتكار، التي توفر مسارًا عمليًا لتحويل النماذج الأولية إلى شركات ناشئة قائمة على المعرفة، وتعزز دور الجامعة كمحرك للتنمية الاقتصادية. كما تتيح هذه العوامل إمكانية ترسيخ مكانة جامعة نزوى كمركز إقليمي لتطوير النماذج الأولية، والاختبارات، والتحقق التقني.

 

رابعًا: اعتبارات الاستدامة وإدارة المخاطر

في ظل التنافس المتزايد بين الجامعات إقليميًا ودوليًا، يمثل تبني إطار مستويات الجاهزية التكنولوجية أداة استراتيجية لتمييز جامعة نزوى وتعزيز تنافسيتها، شريطة الاستثمار المستمر في تطوير آليات نقل التكنولوجيا وتوطين الابتكار وبناء الشراكات الفاعلة.

 

وتتطلب الاستدامة في هذا المجال العمل على تعزيز قدرة القطاعات الصناعية المحلية على استيعاب البحث والتطوير، من طريق نماذج تعاون مرنة ومراحل انتقال تدريجية للتقنيات. وتبرز أهمية تطوير الأطر التنظيمية والإجرائية الداعمة لتجربة التقنيات الجديدة ونشرها، بما يضمن تقليل المخاطر وتسريع التبني.

 

ومن منظور استراتيجي، يسهم بناء بيئة جامعية محفزة للابتكار والتجارية في استقطاب الكفاءات البحثية والحفاظ عليها، وتحويل الاعتبارات المحتملة إلى فرص للنمو المؤسسي وتعزيز الأثر المجتمعي.

 

الخلاصة

إن تطبيق إطار منهجي لمستويات الجاهزية التكنولوجية داخل جامعة نزوى يمثل ركيزة أساسية لتعزيز تحويل البحث العلمي إلى أثر اقتصادي ومجتمعي ملموس. وبتقوية القدرات في المستويات المتوسطة، ومواءمة الأجندة البحثية مع احتياجات الصناعة، والاستثمار في دعم الابتكار ونقل التكنولوجيا، ويمكن للجامعة الانتقال من التركيز على المخرجات الأكاديمية التقليدية إلى تحقيق ابتكار مستدام.

 

وبذلك، تترسخ مكانة جامعة نزوى كونها مؤسسة أكاديمية رائدة تسهم بفاعلية في بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وتدعم مسارات التنويع الاقتصادي والتنمية المجتمعية في سلطنة عُمان.

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة