خطوات على الطريق (5)
أبنائي... أصدقائي في رحلة العلم
إعداد: سعود بن ناصر الصقري
في المقال الماضي تحدثنا عن الوقت كونه أثمن ما نملك في الجامعة، وكيف أن إدارته تصنع الفرق بين النجاح والتعثر. لكن الطالب، وهو يكتشف لغة البحث ويصنع صداقاته، يجد نفسه أمام شخصية محورية في حياته الجامعية: الأستاذ.
ذلك الوجه الذي يطلّ من أمام القاعة، لا ليملأ السبورة بالكلمات فحسب، بل ليكون رفيقًا في رحلة العلم.
من صورة المعلم إلى شخصية الأستاذ
في المدرسة، كان المعلم حاضرًا دائمًا بسلطته: يوجّه، يراقب، يصحّح. أما في الجامعة، فالأستاذ شخصية مختلفة. هو ليس من يفرض المعلومة، بل من يفتح الطريق إليها.
وهنا يحدث التحول النفسي للطالب: لم يعد الأستاذ خصمًا يقيم أداءه فقط، بل صار شريكًا معرفيًا يمكن أن يحاوره، يناقشه، ويختلف معه أحيانًا.
الأستاذ مرشد لا ممتحن
في جامعة نزوى، نجد هذا التحول حاضرًا بوضوح. الأستاذ لا يكتفي بتقديم المحاضرة، بل يفتح مكتبه للطلبة، ويشجعهم على زيارته في ساعات الإرشاد الأكاديمي. هنا يكتشف الطالب أن الأستاذ ليس مجرد "مصحح أوراق"، بل مرشد يمكن أن يكون صديقًا، يشاركك همّك العلمي وحتى قلقك الشخصي.
كم من طالب دخل مكتب أستاذه مرتبكًا، وخرج منه مطمئنًا بكلمة، أو بخطة مراجعة، أو حتى بابتسامة أعادت له الثقة.
كيف نصنع علاقة صحية مع أستاذنا؟
-
الاحترام أساس: يبدأ الأمر باحترام الوقت، والالتزام بالحضور، وإظهار الجدية.
-
السؤال علامة وعي: الأستاذ يقدّر الطالب الذي يسأل، لأنه يرى فيه شغفًا بالمعرفة.
-
التواصل الإنساني: لا مانع أن تشكر أستاذك بعد محاضرة، أو أن تراسله برسالة تقدير. هذه اللمسات الصغيرة تصنع علاقة إنسانية صادقة.
-
التوازن: اجعل العلاقة ودية، لكن دون أن تفقد خطها الأكاديمي. الأستاذ ليس رفيق مقهى، لكنه صديق بمعنى أوسع: صديق في الفكر والتجربة.
حكايات من القاعات
في ممرات جامعة نزوى، تسمع قصصًا كثيرة عن أساتذة تركوا أثرًا عميقًا في طلبتهم. أستاذ ساعد طالبة على اكتشاف موهبتها البحثية، أستاذ آخر فتح باب التدريب العملي لطلبته، وثالث كان أنموذجًا في الصبر والعطاء.
هذه الحكايات تؤكد أن الأستاذ في الجامعة ليس عابرًا في حياة الطالب، بل قد يكون أحد أعمدة تشكيل وعيه وشخصيته.
الأستاذ والطالب.. شراكة في صناعة المستقبل
العلاقة بين الطالب وأستاذه علاقة متبادلة. الطالب يحتاج إلى خبرة الأستاذ، والأستاذ يحتاج إلى شغف الطالب ليبقى حيًا متجددًا. وكلما أدرك الطالب أن هذه العلاقة ليست أحادية الاتجاه، ازداد ثراءً في تجربته.
جامعة نزوى تدرك هذه الحقيقة؛ لذلك تشجع دائمًا على بيئة تعليمية مفتوحة، قوامها النقاش والحوار، لا التلقين والجمود.
خاتمة: حين يصبح العلم جسرًا إنسانيًا
في النهاية، لا نتذكر من أساتذتنا عدد الصفحات التي طلبوا منا حفظها، بل نتذكر ابتسامة، نصيحة، أو موقفًا غير حياتنا.
وحين نقول: "أستاذي صديقي في رحلة العلم"، فإننا لا نقصد أن نساوي بينهما، بل نعني أن الأستاذ صديق من نوع آخر، صديق في الفكر والوعي، صديق في الحلم الذي نحمله جميعًا لمستقبل أجمل.