بحث علمي رائد يوظف الطباعة ثلاثية الأبعاد لعلاج الجروح المزمنة وينال الجائزة الوطنية للبحث العلمي لعام 2025
إنجاز علمي للدكتور سليمان الهاشمي يعكس نضج البحث التطبيقي في سلطنة عُمان ودوره في خدمة مرضى السكري
فكرة توظيف الطباعة ثلاثية الأبعاد جاءت ضمن إطار الطب التجديدي لِتطوير ضماد حيوي نشط يوفر بيئة محفزة لالتئام الجروح
جامعة نزوى ترسّخ أنموذجًا بحثيًا يقوم على الثقة بالباحث واحتضان الطموح العلمي
سنركز على تعميق العمل في مجالات الطب التجديدي والخلايا الجذعية، وتطوير النماذج العلاجية الحالية، وتوسيع الشراكات البحثية محليًا ودوليًا
دائرة الإعلام والتسويق
حصل الدكتور سليمان بن علي الهاشمي، رئيس مختبر الخلايا الجذعية والطب التجديدي بمركز أبحاث العلوم الطبيعية والطبية في جامعة نزوى، على المركز الأول ضمن الجائزة الوطنية للبحث العلمي لِعام 2025م، في نسختها الثانية عشرة؛ وذلك في إطار فعاليات الملتقى السنوي للباحثين: "أبحاث تُنشر… رؤى تتحقّق"، عن بحث بعنوان: evelopment of a Tacrolimus-Loaded Carboxymethyl Chitosan Scaffold as an Effective 3D-Printed Wound Dressing
وهو من البحوث المميزة التي لقيت ترحيبا وإشادة من قبل جميع الحضور والمشاركين.
وبمناسبة فوزه بالجائزة، صرّح الدكتور الهاشمي لـ "إشراقة" فقال: "التتويج بهذه الجائزة يمثل محطة مهمة في مسيرتي البحثية، وجاء تتويجًا لمسار تراكمي بدأ منذ التحاقي طالبًا بجامعة السلطان قابوس، إذ تُشكّل لدي شغف مبكر بالبحث العلمي وإيمان عميق بدوره في إيجاد حلول حقيقية للتحديات الصحية. وقد تعمّق هذا الشغف بشكل أكبر بعد التحاقي بالعمل في كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة السلطان قابوس، وتحديدًا في مختبر التطابق النسيجي المعني بزراعة نخاع العظم (الخلايا الجذعية) وزراعة الأعضاء، إذ كنت ملامسًا لمعاناة المرضى واحتياجاتهم العلاجية".
وأضاف: "في تلك المرحلة، بدأ اهتمامي بالخلايا الجذعية والطب التجديدي، انطلاقًا من قناعة راسخة بإمكاناتهما الواعدة في علاج أمراض لا تتوفر لها حلول فعالة حتى الآن. أما على المستوى الوطني، فإن هذا التتويج يعكس نضج الحراك العلمي في سلطنة عُمان، والدعم المتزايد للبحث العلمي التطبيقي الذي يربط المعرفة بالأثر، ويتناغم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار".
وأشار إلى أن فكرة البحث الفائز بالمركز الأول ضمن الجائزة الوطنية للبحث العلمي لعام 2025 تبلورت نتيجة مسار بحثي طويل في مجالات الخلايا الجذعية وهندسة الأنسجة، إلى جانب المتابعة المستمرة للتحديات السريرية المرتبطة بالجروح المزمنة. وقد جاء التركيز على مضاعفات مرض السكري بشكل خاص نتيجة الارتفاع المتزايد في أعداد المرضى في سلطنة عُمان، وما يترتب عليه من تحديات صحية خطيرة، أبرزها الجروح المزمنة التي قد تؤدي في بعض الحالات إلى مضاعفات جسيمة.
وأوضح الدكتور سليمان الهاشم أن الفجوة التي سعى البحث إلى معالجتها تتمثل في محدودية العلاجات التقليدية التي تركز غالبًا على تغطية الجرح دون تحفيز حقيقي لعملية التجدد. ومن هنا، جاءت فكرة توظيف الطباعة ثلاثية الأبعاد ضمن إطار الطب التجديدي؛ لِتطوير ضماد حيوي نشط يوفر بيئة محفزة لالتئام الجروح بطريقة أكثر فاعلية واستدامة.
وفي إجابته عن سؤال عن القيمة المضافة التي يقدمها البحث، خاصة أنه يعتمد على تطوير ضماد ثلاثي الأبعاد محمّل بدواء "تاكروليمس" من منظور علمي وتطبيقي، قال: "يمثل البحث تحولًا نوعيًا في مفهوم علاج الجروح، إذ ينتقل من الضمادات التقليدية ذات الدور الوقائي إلى ضمادات علاجية نشطة. فالضماد ثلاثي الأبعاد المطوّر من مادة الكربوكسي ميثيل كيتوسان والمحمّل بدواء تاكروليمس لا يقتصر دوره على حماية الجرح، بل يسهم في تنظيم الاستجابة الالتهابية، وتحفيز تجدد الأنسجة. وتكمن القيمة المضافة في الجمع بين التصميم الدقيق الذي توفره الطباعة ثلاثية الأبعاد، والإطلاق المنضبط للدواء؛ بما يسمح بتطوير حلول علاجية أكثر تخصيصًا وفعالية".
وعن مدى النتائج التي يعكسها البحث، قال رئيس مختبر الخلايا الجذعية والطب التجديدي بمركز أبحاث العلوم الطبيعية والطبية: "أظهرت نتائج البحث مؤشرات واعدة في تعزيز التئام الجروح وتقليل الالتهاب، سواء في الدراسات المختبرية أم في نماذج حيوانات التجارب. ومع ذلك، من المهم التأكيد أن هذا العلاج لا يزال في مراحله التجريبية، ولم يصل بعد إلى مرحلة الاستخدام البشري. وننظر إلى هذه النتائج بوصفها خطوة علمية تأسيسية تمهّد لمراحل لاحقة أكثر تقدمًا، تشمل دراسات السلامة والتجارب السريرية. ونأمل، بتوفيق الله عز وجل، أن تسهم هذه الجهود مستقبلًا في تطوير علاجات عملية وفعالة للجروح المزمنة، خاصة لدى مرضى السكري".
وفيما يتعلق بالتحديات التي تواجه تنفيذ المشروع، أوضح الدكتور سليمان الهاشمي أن المشروع واجه تحديات عدة، من أبرزها الجوانب التقنية المرتبطة بتطوير مادة حيوية متوافقة حيويًا وقابلة للطباعة ثلاثية الأبعاد، مع تحقيق توازن دقيق في الإطلاق الدوائي. وشكّلت محدودية التمويل، والبنية التحتية المتقدمة اللازمة لتسريع الانتقال من البحث المخبري إلى التجارب السريرية، تحديًا حقيقيًا في هذا النوع من الأبحاث المتقدمة. إلا أن هذه التحديات أسهمت في صقل التجربة البحثية، وعززت ثقافة الابتكار والعمل الجماعي، ودفعَت الفريق إلى البحث عن حلول بديلة وشراكات بحثية فاعلة؛ بما انعكس إيجابًا على جودة المخرجات البحثية.
وعن فوز جامعة نزوى بثلاثة مراكز أولى في الجائزة الوطنية للبحث العلمي هذا العام، قال: "يعكس هذا التفوق البيئة البحثية الداعمة التي وفرتها جامعة نزوى، التي تقوم على الثقة بالباحث، وتشجيع المبادرات البحثية الطموحة، وتوفير الدعم المؤسسي اللازم لتنفيذ أبحاث ذات بعد تطبيقي واضح. وقد كانت الجامعة بالنسبة لي المكان الأنسب لتجسيد هذا الطموح، إذ أُتيحت لي الفرصة لبناء فريق بحثي متكامل، وإنشاء مختبر الخلايا الجذعية والطب التجديدي والتطابق النسيجي.
إلى جانب أنَّ إحدى الجوائز الأولى في القطاع الصحي كانت من نصيب باحث من مختبر الخلايا الجذعية والطب التجديدي من غير حملة درجة الدكتوراة. وبذلك يكون المختبر قد حصد جائزتين من أصل ثلاث جوائز للمركز الأول.
وأضاف: "المختبرات البحثية المتخصصة تعد حجر الأساس في أي منظومة بحثية قادرة على المنافسة. وفي مختبر الخلايا الجذعية والطب التجديدي، نعمل بروح الفريق الواحد، إذ يقوم العمل على التكامل بين خبرات متعددة في مجالات مختلفة، ويُنظر إلى كل ناتج بحثي بوصفه ثمرة جهد جماعي مشترك".
وأكد قائلا: "لست إلا فردًا من هذا الفريق، نتعلم من بعضنا بعضًا، ونعمل معًا بروح التعاون والشغف ذاته. ونركز أيضًا على تأهيل شباب عُمان من الجنسين ليكونوا رواد المستقبل في هذا المجال، وننظر إلى ذلك بوصفه استثمارًا بشريًا حقيقيًا يضمن استمرارية البحث العلمي. ونأمل في المرحلة المقبلة أن يستقطب المختبر مزيدًا من الكفاءات الشابة للانضمام إلى فريق العمل والإسهام في تطوير هذا المسار البحثي".
وعن ملامح المرحلة المقبلة في مسيرة الدكتور سليمان الهاشمي البحثية، قال: "ستركز المرحلة المقبلة على تعميق العمل في مجالات الطب التجديدي والخلايا الجذعية، وتطوير النماذج العلاجية الحالية، وتوسيع الشراكات البحثية محليًا ودوليًا، مع الاستمرار في بناء فرق بحثية وطنية قادرة على إحداث أثر علمي حقيقي".
أما رسالته للباحثين الشباب، فهي أن البحث العلمي مسار طويل يتطلب شغفًا وصبرًا وإيمانًا بأن المعرفة يجب أن تكون في خدمة الإنسان، فالجوائز والتكريم ليستا غاية بحد ذاتها، بل مسؤولية مضاعفة.
وأوضح في ختام تصريحه أنّ الجائزة تمثل لنا حافزًا قويًا للمضي قدمًا، وفي الوقت نفسه تشكّل تحديًا يعكس حجم الثقة التي منحنا إياها المجتمع والمؤسسات الوطنية. وهذه الثقة تحمّلنا مسؤولية أكبر لبذل مزيد من الجهد، حتى نصل إلى الهدف الأسمى للبحث العلمي، وهو مساعدة المرضى وتحسين جودة حياتهم. فالفوز لم يكن من أجل التتويج، وإنما خطوة في مسار نأمل، بتوفيق الله عز وجل، أن يُفضي إلى تحويل هذه الأبحاث إلى علاجات حقيقية تخدم الإنسان والوطن.