السنة 16 العدد 143
2021/04/01

 

صوم رمضان والنفس الإنسانية .. مافرض الله أمرا إلا به كنوز من الفوائد والأسرار للإنسان

 

 


 

 

الدكتور خليفة بن أحمد القصابي

كلية العلوم والآداب

 

    لقد نتج عن جهود الإنسان التي بذلها لتحقيق الصحة النفسية المتمثلة في التكيف والتوافق بين الجوانب المختلفة للذات، عدد من النظريات المفسرة للسلوك الإنساني، التي حاولت تفسير الاضطرابات التي يمر بها الإنسان من حين لآخر أو الحاجات التي يسعى إلى تحقيقها، ووضعت لذلك استراتيجيات متعددة لمساعدة هذا الإنسان على تحقيق ذلك التكيف والتوافق، واللافت للنظر كثرة تلك النظريات والاستراتيجيات وتصادمها أحيانا، وعلى الرغم من جودة كثير منها وما حققته من نتائج عظيمة تضاف إلى الرصيد الإنساني الذي هو كائن علمي بطبعه، ومنذ نشأته الأولى والخطاب الإلهي الأول الذي وجه إليه، إلا أن النظرة الشاملة إلى جوانب النفس الإنسانية لا يمكن لهذا الإنسان أن يحققها دون اعتماده على دليل من مصدر يعلم السر وأخفى، من هنا يمكن القول إن الكتب التي أنزلت، وآخرها القرآن الكريم الذي هو موجه في خطابه إلى الإنسان: "يا أيها الإنسان" بغض النظر عمن هو، إن اجتهد وابتكر وتجاوز أقطار السموات والأرض لكن تذكر حاجتك إلى الدليل، إنما القصد هنا القرآن الكريم والقصد الأخص ما جاء به من توجيهات وتدريبات وإرشادات لهذا الإنسان، ومن ذلك صوم شهر رمضان.

 

    لعله من نعم الله على الصائمين أن يستمتعوا بالصوم رغم مما يتطلبه من صبر وتحمل، إذ قرر الله سبحانه وتعالى في كتابه أنه فُرض لأجل نقاء السلوك وصلاحه، ذلك السلوك الذي هو أساس من أسس البحث في علم النفس حين قال عز وجل "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" تلك التقوى التي هي خلاصة السلوك الحسن وقمته كما ورد في كثير من آيات القرآن الكريم، ففي سورة البقرة الآية 177 حين بدأت بـ "ليس البر أن تولوا وجوهكم قِبل المشرق والمغرب" لتطوف بنا في أصناف من السلوك الفكري والنفسي والأدائي لتختتم "أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون".

 

سيدور هذا المقال حول أثر الصيام على تنقية النفس ليدفعها نحو السلوك الحسن؛ فالله يحب المحسنين، لن يتم التطرق هنا إلى أحكام شرعية أو فوائد صحية طبية؛ فذلك ميدان له مجاله لتغطيه آلاف الصفحات والمقالات والكتب، وفي السطور الآتية سنتحدث في بعض جوانب الصوم المؤثرة على السلوك، الذي بدوره يورث راحة في القلب وهدوءا في الأعصاب واتزانا في التفكير.

 

     يمكن الحديث هنا في مجالات مهمة يؤثر فيها الصوم ويحققها لدى الفرد، منها: الأحداث الكبرى التي تغير نمط الحياة لتحدث توجيها جديدا في العقل والشعور والسلوك، وقطع منابع التوتر والقلق، والتدريب على ممارسات تربط المخلوق بدعامات الروح بعيدا عن دوافع الحزن والخوف، وتدعم صلابته النفسية، وتختم بكون الصوم مشروع برنامج للعلاج النفسي.

 

تحدث المشكلات النفسية نتيجة لخلل واضطراب بين الداخل والخارج؛ بين العقل بما يحويه من فكر ومشاعر ورغبات وجوانب مختلفة للشخصية وتكيف ذلك وتساوقه مع المجتمع من حوله، والصدام المحتمل بين طرفي الخارج والداخل، الذي قد يؤدي بالفرد إلى عدم القدرة على التكيف، فتبدأ مؤشرات التعب النفسي والصعوبات النفسية المختلفة الناتجة عن الضغوط وعدم الصلابة والقدرة على المواجهة، والظاهر الواضح أن لصوم رمضان دورا واضحا جليا إن أحسن أداؤه كما وجه الله ورسوله إليه؛ فإنه مساعد لتقوية صلابة النفس وقدرتها على التكيف والتوفيق بين الداخل والخارج بأداء حق النفس وحق الآخرين وتوخي العدل والإنصاف والمراقبة الدائمة للنفس وجوانبها المختلفة.

 

    إن حب الإنسان للمنافسة الممزوجة بحب النفس دونما رابط بأسس أخلاقية يجعله مقدما لها على كثير من الأولويات، ويجعل قيمتها في نفسه عظيمة؛ إذ إن فواتها يعني فوات أمر كان يربط به قيمة من قيم نفسه؛ ذلك قد يؤدي به إلى الحسرة التي تورث ندما ثم قلقا ثم توترا وضغطا؛ ليأتي الصوم هنا ويهز هذا الإنسان موقضا له من غفلته؛ ليذكره بأهمية الحفاظ على شخصية تعرف قيمة الأشياء وحقيقتها ووظيفتها في تسيير حياته لا قيادتها، فالصوم يفرض عليه البعد عن الحسد كما يفرض عليه البعد عن المشاكسة والجدال والخصام، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم، الأمر الذي من شأنه أن يخفض مستوى التوتر إلى حد كبير، وما إدارة النفس إلا توجيه لرغباتها ودوافعها؛ وذلك الذي يدعو إليه الصوم ليذكر محمد صلى الله عليه وسلم من لم ينتبه إلى إدارة نفسه بقوله: كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش. 

 

    من المؤكد أن للصوم آثارا روحية لما يمثله من امتثال لأمر الله ورسوله، ودفع نحو حب الخير وحب الآخرين والتواصل معهم وتذكر الآخرة؛ وذلك يمثل جانبا مهما مما ينادي به علم النفس الحديث في مجال العلاج النفسي الروحي، وما يناقشه في مجال الذكاء الروحي الذي تتسارع البحوث والدراسات لبيان أثره ودوره في علاج كثير من المشكلات النفسية التي يمر بها الفرد، كما تستعمل عددا من استراتيجيات العلاج النفسي مفاهيم متحققة في صوم رمضان، مثل: التوبة والصبر والتفاؤل والتأمل بهدف الوصول بالأفراد إلى حالة من التوافق والصحة النفسية.

 

     يجتمع في صوم رمضان عدد من الاستراتيجيات المستعملة في العلاج النفسي من منظور ديني، وهي الصبر والعبادة والإيمان والعمل الصالح والدعاء والتوبة والصلاة وقراءة القرآن، فأمور مثل: الرياء، والغيرة، والغضب، والحقد، والحسد، والجشع؛ تؤثر تأثيرا مباشرا على النفس الإنسانية من حيث الرغبة الملحة على إنفاذها، واعتبار كثير من علماء المسلمين لهذه الأمور كأنها أمور تشتعل في النفس؛ لذا هي توغر الصدر وتؤثر على التفكير وتؤدي إلى اضطراب السلوك وارتفاع الرغبة الملحة لتحقيق متطلبات هذه المشكلات التي اعتبرت مشكلات نفسية هذه الرغبة الشديدة تؤدي إلى ارتفاع الضغوط النفسية والقلق والحزن؛ لذا فإن التخلص من فوران هذه الحالات النفسية تحتاج إلى ما يطفئ حرارتها وخير ما يطفئ ذلك الفوران كما نص القرآن "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" فتذكر الله والاقتراب من مقومات الإيمان المتمثلة في ممارسة السلوكيات الإيمانية في الصوم وزيادة جرعات الصلاة والتواصل أكثر مع القرآن الكريم والحياة مع آياته بين صور الجنان وأنهارها ومواقف العذاب، والسعي إلى النجاة منها والشعور بوجود الملائكة وتصورهم إدارة الاحتفال الكبير بنزول القرآن؛ ذلك الاحتفال المتمثل في ليلة القدر كل هذه الممارسات والحركات من شأنها أن تؤثر على تلك الأمور المشتعلة وتطهر النفس منها ثم التخلص من آثار الحزن والقلق والخوف والغيض.  

 

     يكتسب العقل عادات في التفكير وإدارة النفس عادات يعمقها طول الممارسة والتمتع ببعض المنافع والملذات الناجمة عنها؛ لذا تستمر النفس راغبة في الاستمتاع وتنطلق الأوامر إلى الجوارح لتنفيذ ما يحقق تلك الرغبات والوصول إلى الملذات والاستمتاع بها، وعند استحكام العادات فإن تغيير ذلك ليس بالأمر السهل، هنا تحتاج النفس إلى قلب لنظامها؛ قلب كلي يشمل المجتمع من حولها ويمسها في أكثر الأمور التي اعتادتها، وعند تصور شهر رمضان يتضح الدور الذي يحققه في ذلك التغيير، فنظام الأكل الذي اعتاده الفرد وسائر أنظمة المفطرات الأخرى، وكذلك ما اعتاده في نظام كلامه ونومه ويقظته وتواصله وعبادته؛ كل ذلك ينبئ بتغيير في نظام الحياة والاستمرار في ممارسة ذلك التغيير مدة شهر من شأنه أن يحدث تغييرا في عادات العقل؛ ومنه تغييرا في السلوك وعند تغير نمط التفكير وحركة السلوك تتغير دوافع النفس كما تتغير النظرة إلى ما يمكن أن يكدرها ويؤثر على الصلابة النفسية في مواجهة الأحداث؛ بما تمتلكه النفس من نظرات جديدة نبه إليها الحدث الجديد، وكأن صوم رمضان يمارس عملية توجيه الصائم إلى استبصار نفسه من الداخل؛ ليتفحص ما تمتلكه من قوة ومن خير عظيم يجب تطويره واستغلاله، وما بها من نقاط تحتاج إلى علاج كانت غافلة عنها فتحولت النظرة من تلهف نحو الخارج بما يحيط من رغبات قد تكون حسنة وقد تكون غير حسنه لتتجه نحو الداخل مستبصرة قوتها وداءها ودواءها.

 

   ختاما فإن صوم رمضان تجسيد واضح للامتثال المطلق لإرادة الخالق عز وجل، وطاعة لأمره وإيمانا به وبقضائه وقدره، والتفاتا إلى النعم التي يمتلكها الفرد التي قد يتغافل عنها في غمرة المتع والرغبات، وحياة جمعية ملؤها التكافل والتحاب والابتسامة والمحبة، فهنيئا للصائمين الذين يمتثلون لأمر الله؛ وليعلموا أن كبار منظري العالم النفسيين اليوم يستعملون الصوم في علاج مرضاهم، فكيف بك أيها المسلم وأنت تستفيد من الصوم وما يرافقه من التزامات ونفحات.

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة