السنة 16 العدد 142
2021/03/01

د. خليفة بن أحمد القصابي

 

شغل علماء النفس معرفة ما يدور في ذهن المتعلم من عمليات إدراكية يمكن تقليدها وتوجيهها وتطويرها، وقد اشتغل مجموعة من الدراسات بموضوع التمهين المعرفي cognitive apprenticeship الذي يسعى إلى جعل التفكير مرئيا (Chen, 2005)، وقد اتجه العلماء إلى الاستفادة من مجال التدريب المهني، إضافة إلى ما وصل إليه علم النفس التربوي من تطور من طريق النظريات: النظرية المعرفية والنظرية البنائية ونظرية باندورا ونظرية فايجوتسكي ونظرية أوزوبل، فظهر جراء ذلك اتجاه التعلم المسمى بالتمهين المعرفي بداية عند نيومان في 1989 على أنه نموذج يجمع بين التدريب المهني والتعلم المدرسي (Collins, Brown, & Holum 1991).

 

      يركز التمهين المعرفي على فهم وتعلم أسرار الكيفية التي يتم التوصل من طريقها إلى حل المشكلة، فبدلا من معرفة مجموعة من نماذج حل المسائل الرياضية أو الإنتاج الأدبي، فإنه يتم تعلم جذور وأسرار عملية التوصل إلى الحل؛ أي كيف تم الحل، وكذلك كيف يمكن استعماله في مواقع وحالات أخرى، هذه الاستراتيجية لا تعني الاستغناء عن الاستراتيجيات الأخرى، وإلى ذلك يشير Collins, Brown, & Holum (1991) بقوله لا نريد القول إن التمهين المعرفي هو السبيل الوحيد للتعلم، لكن يأتي التمهين المعرفي دافعا نحو استعمال المعارف التي يمكن تعلمها من طريق الملاحظة للتعبير عنها ثم استعمالها، فيجب أن يعتاد الطلبة على فن الممارسة والتطبيق.

 

أبعاد التمهين المعرفي

      تركز البيئة التعليمية للتمهين المعرفي على أبعاد أربعة هي: المحتوى والطريقة والتسلسل أو التتابع والسياق الاجتماعي.

المحتوى: يتطلب الحصول على الخبرة امتلاك أنواع المعرفة المختلفة، فهي ضرورية للطلبة؛ لأنها تقدم لهم الأدلة الكافية لحل المشكلات وإنجاز المهام، إذ تتمثل تلك المعرفة في (المفاهيم والحقائق والإجراءات المرتبطة بالخبرة) وقدرة المعلم (الخبير) على الاستفادة منها؛ وذلك يشكل الأرضية الصلبة في تطبيق استراتيجيات التدريس، إذ لا يتم تعلم المعرفة بمعزل عن سياق مشكلة واقعية وملاحظة ممارسة الخبراء.

الطريقة: تصمم طرق التدريس بحيث تتيح للطلبة فرصة الملاحظة والمشاركة واكتشاف وابتكار استراتيجيات الخبير، ومثل هذا النهج يمكن الطلبة من معرفة جوانب الربط بين ما يعرفون والممارسة الواقعية، وتتم تلك الاستراتيجيات من طريق النمذجة والتدريب والدعم والتعبير وعكس الخبرة والاستكشاف.

التسلسل والتتابع: إذ يقدم للمتعلم أنشطة متتابعة تتطلب تجزئة المهام التعلمية وتسلسلها بشكل متتابع للوصول إلى الدرجة المطلوبة للتعلم؛ وذلك بالتركيز على: تقديم العام قبل الخاص، والتدرج في الصعوبة: بناء المهارات والمهام بشكل متزايد الصعوبة، التنوع المتزايد بعرض مجموعة متنوعة من المهارات والاستراتيجيات.

السياق الاجتماعي: يمثل البعد الرابع من أبعاد البيئة التعليمية، إذ يؤدي فيها الطالب المهام التعلمية في بيئة تعكس طبيعة تلك المهام؛ بحيث يتواصل المتعلمون ويتشاركون في تعلم تعاوني تفاعلي؛ كي يشجع الطلبة على حل المشكلات في البيئة الواقعية؛ وذلك يساعد على فهم مقاصد واستعمالات المعرفة التي يتعلموها، ولا يجعل الطالب متلقيا سلبيا للمعرفة، ولكن مستعملا نشطا لها، كما تتيح له فرصة تطبيق المعرفة في ظروف ومواقف مختلفة، وهذا يتطلب إنشاء بيئات تعلمية مثيرة لاهتمام الطلبة ورغباتهم، وليس لأسباب خارجية مثل الحصول على درجة جيدة أو مجرد إرضاء المعلم.

 

الاستراتيجيات التدريسية:

      لتحقيق أهداف التمهين المعرفي، فإنه لابد من الاهتمام بالطريقة والأسلوب في تصميم التدريس؛ بحيث يتيح للطلبة فرصة الملاحظة والمشاركة واكتشاف استراتيجيات الخبير (المعلم) في التفكير والأداء؛ بل والابتكار والتطوير، وهذا النهج يمكن الطلبة من معرفة كيفية الربط بين المعرفة المفاهيمية والمعرفة الواقعية والتطبيق والممارسة.

وقد اقترح Collins, Brown, & Holum (1991) أسلوبا قائما على عدد من الاستراتيجيات، تمثلت المجموعة الأولى منها في: النمذجة والتدريب والسقالات؛ وهي تمثل جوهر التمهين المعرفي وتصمم لمساعدة الطلبة على اكتساب مجموعة متكاملة من المهارات من طريق ممارسة عمليات الملاحظة والمشاركة. أما المجموعة الثانية فتضم التعبير والانعكاس، وهي أساليب تصمم لمساعدة الطلبة على تركيز ملاحظاتهم على الحل الذي يقدمه الخبير (المعلم) للمشكلة، وإكسابهم الوعي والسيطرة على استراتيجياتهم في التفكير وحل المشكلات. أما المجموعة الثالثة فهي الاستكشاف، وتهدف إلى تشجيع المتعلم على الاستقلالية في تحديد وصياغة المشكلات التي سوف يحلها بالإضافة إلى تنفيذ العمليات التي كان ينفذها المعلم.

 

وفيما يأتي عرض لهذه الاستراتيجيات (جوانب الطريقة):

النمذجة  Modeling  نمذجة الخبير لأدائه؛ بحيث يمكن للطلبة مشاهدة وبناء النموذج المفاهيمي؛ أي نمذجة سلوك المعلم مُفكرا في التعامل مع المشكلات، وتشجيع الطلبة نحو التفكير كونهم خبراء، فيعمل المعلم والطلبة المجيدين نماذجَ للطلبة الآخرين؛ على أن تقسم المهمة إلى أجزاء صغيرة وتقدم بحيث يلاحظ الطلبة عمليات التفكير وكيفية التعامل مع المهمة المقصودة، فيقوم النموذج بتوفير منظم متقدم للطالب المتدرب، كما يوفر بنية تفسيرية لهم، هنا يفكر المعلم بصوت مسموع؛ أي يخرج عمليات تفكيره ليراها الطلبة.  

التدريبCoaching وهو نشاط قيادة الخبراء لعملية التمهين؛ حيث يتم ملاحظة أداء الطلبة في أثناء تنفيذ المهمة، ويتم تقديم التلميحات والسقالات والتغذية الراجعة للمساعدة على التذكر؛ بهدف الوصول بأداء الطالب إلى مستوى أداء الخبير، ويقوم المعلم بالإشراف على العملية فيراقب ويطرح التساؤلات ويقدم التلميحات والإجابات الموحية ويعالج احتياجات الطلبة كما يقدم ملاحظات حول الأداء.

 

السقالاتScaffoldung 

      يشير مصطلح السقالات إلى الدعم الذي يتلقاه الطالب من معلمه لتنفيذ المهمة، ويتراوح ذلك الدعم بين القيام بالمهمة كاملة كما في النمذجة أو تقديم إرشادات أو تقديم تلميحات وإشارات؛ مما يؤدي إلى سيطرة الطالب على المهمة التي كانت فوق مستوى الطالب، الأمر الذي يذكر بالقول إن التعليم يقود التعلم وكذلك عمل المعلم في منطقة النمو الأقرب كما عند فيجوتسكي.

      تبدأ عملية التسقيل عالية بالنمذجة وتقل خطوة خطوة بشكل تدريجي فينسحب المعلم تدريجيا بشكل يتواكب مع اتقان الطالب للمهمة والعمل بشكل مستقل حتى تتلاشى.

 

التعبير Articulation

      تعبير الطالب عن أفكاره ومعارفه وصياغتها بالتفصيل؛ أي أنه يصف عمليات التفكير بالتفصيل.

 

العكس Reflection

      ويهدف إلى إمكان مقارنة الطالب عمليات حله للمشكلة مع طريقة الخبير (المعلم)؛ أي أن الطالب يقيم ويحلل أداءه.

 

الاستكشاف Exploration

يتم دفع الطلبة إلى الوصول للمشكلة بأنفسهم، وهو تتويج طبيعي لتلاشي السقالات، وبالطبع فإن استراتيجية الاستكشاف تتطلب تحديد الأهداف العامة وتشجيع الطلبة على وضع أهداف فرعية خاصة بهم، ثم يطور الطالب عملية التعلم ليبدع أفكارا جديدة في مواقف سياقية أخرى.

إرسال تعليق عن هذه المقالة