السنة 16 العدد 142
2021/03/01

بقلم: الدكتور سليمان بن سالم الحسيني – مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي

 

الإسراء والمعراج ذكرى تحل على الأمة الإسلامية في السابع والعشرين من شهر رجب من كل عام هجري، حدثٌ له دلالاته الكبيرة، ومرحلة فاصلة في تاريخ دعوة الرسول محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، ومنعطف جوهري في تبليغه رسالة الإسلام إلى البشرية. 

 

رحلة المعارج إلى سماء الوحي وجنة المأوى تدل على أن الإسلام "وَحْيٌ يُوحَى"، ولد في الأفق الأعلى، عند سدرة المنتهى، ولم يولد في حضيض أهواء البشر وآلهة يعيش الإنسان في وحلها ذليلا مهانا. سورة "وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى" تحدثنا أن الرسول محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، رأى في رحلة المعراج "مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ" ما لا يقبل فيها الجدل ولا المراء "أَفَتُمَارُونَهُ على مَا يرى"، وأنه كان واعيا لما يرى مدركا لما يجري "مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى"، وأنه معراج اطمأن به الرسول الكريم أن السماء فتحت له أبوابها مشرعة إذ أغلق أهل الأرض في وجه دعوته قلوبهم وآذانهم. وفي الوقت نفسه تقول للمشككين والمتشككين فيه وفي نبوته ورسالته: "مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى".

 

الإسراء رحلة أخرى خالدة، يقول سبحانه وتعالى: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ".  الإسراء من مسجد إلى مسجد؛ يعني أن الرحلة كانت رحلة سلام وهدى وإيمان في ليل دامس يوشك أن ينقشع على صبح مشرق بنور الله يضيء الأرض من مشرقها إلى مغربها. الإسراء رسالة إلى النبي محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، من ربه سبحانه أن مقاييس نجاحه في تبليغ رسالته يقدرها الله الذي لا يعجزه شيء ولا راد لأمره؛ فالأرض المباركة استجابة لدعوة محمد ورحبت به هاديا ومبشرا ونذيرا، وذلك من آيات الله "إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ".   

 

الإسراء والمعراج يعني أن الزمان والمكان مسخران لرسول الله محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، وأن الله قد جمع له بين السماء والأرض، والمسجد الحرام والمسجد الأقصى، وختم به، صلى الله عليه وسلم، موكب الرسل، وختم برسالته رسالات السماء، لا ليغلق باب الوحي عن الأرض، بل ليبقيه مفتوحا أبد الدهر تعرج إليه أرواح المؤمنين كل يوم خمس مرات مع كل نداء يُرفع فيه: الله أكبر ... حيّ على الصلاة ... حيّ على الفلاح. ذكرى المعراج خالدة متجددة في التسبيح والتكبير والصلاة وتلاوة القرآن والعمل الصالح، تعرج بالإنسان كل لحظة وحين إلى الأفق الأعلى، إلى ربه سبحانه في قدسيته وعلاه. وذكرى الإسراء خالدة متجددة تسري بالإنسان في تجليات التقوى واليقين والنفس المستسلمة لربها الموقنة برحمته ولطفه وهداه "وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلْهُدَىٰٓ".

إرسال تعليق عن هذه المقالة