السنة 16 العدد 141
2021/02/01


نظرة على سوق الصكوك المالية الإسلامية العمانية

 

 

 

 

 

 

الدكتور عيسى ريس أحمد الجبوري   

كلية الإقتصاد والإدارة ونظم المعلومات        


 

 

 

برزت الصكوك المالية الإسلامية مؤخراً أحد أهم أدوات الاستثمار والتمويل الإسلامي، إذ تعد الصكوك من أدوات الهندسة المالية التي لها تأثير كبير وفعال في مختلف المعاملات الاقتصادية والمصرفية، إذ حصلت الصكوك على موطئ قدم في أسواق المال الدولية. وتزايد الاهتمام بالصكوك المالية الإسلامية خاصة بعد الأزمات التي عصفت بالنظام الرأسمالي التي أدت إلى زعزعت أصوله ومرتكزاته، ويعود هذا الإقبال والتوجه إلى الصكوك المالية الإسلامية نظرا لقدرتها التمويلية القائمة على الأصول أو المدعومة بالأصول من جهة، ونظرا للصيغة التشاركية القائمة على قاعدة أصولية إسلامية مفادها "الغنم بالغرم"، على خلاف النظم الوضعية الهشة المتعاملة بالديون دون مرتكزات أصولية حقيقية.

 

في سلطنة عمان تصدر الجهات الحكومية والشركات السندات المالية الإسلامية (الصكوك) ليتم استعمالها أداة مالية لتمويل المشاريع وتوفير السيولة اللازمة لعملية التنمية الاقتصادية وتطوير البنية التحتية. يتم تخصيص حصيلة الصكوك المالية للاستثمار في المشاريع التي تتوافق مع الأحكام والمبادئ الشرعية الإسلامية، كما أنها تقوم على أساس عقود متوافقة مع الشريعة وفقا لصيغ التمويل الإسلامية مثل صكوك المضاربة وصكوك الإجارة وصكوك المشاركة وصكوك المرابحة وصكوك السلم وصكوك الاستصناع وصكوك الوكالة وغيرها. فيما تختلف التركيبة المالية والقانونية لكل صيغة من هذه الصيغ عن الأخرى. فمثلا صكوك المشاركة يكون حامل الصك مشاركا في رأس مال المشروع الذي أصدرت الصكوك من أجل تنفيذه ويستحق جزءا من أرباح هذا المشروع، والمخاطرة تكون في فشل المشروع من تحقيق الأرباح وانخفاض قيمة الأصول أو تلاشيها.

 

وقد عرفت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية: المعيار الشرعي رقم (17)، صكوك الاستثمار بأنها: "وثائق متساوية القيمة تمثل حصصا شائعة في ملكية أعيان أو منافع أو خدمات أو في موجودات مشروع معين أو نشاط استثماري خاص؛ وذلك بعد تحصيل قيمة الصكوك وقفل باب الاكتتاب وبدء استعمالها فيما أصدرت من أجله".

 

وتعد الصكوك أحد أدوات التمويل المالي ذات الآجال الطويلة التي تطرحها الحكومة والشركات؛ بهدف تمويل المشاريع الاستثمارية والمبادرات التنموية، وهي تمثل فرص استثمارية لتوظيف مدخرات المؤسسات والأفراد وتحريكها بما يسهم في تحسين وتعزيز الحركة الاقتصادية داخل سلطنة عمان، فضلا عن أنها تتيح للمؤسسات والأفراد مجالا وفرصا لاستثمار وتنمية المدخرات المالية الخاصة بهم بأدوات استثمارية تعتبر ذات مخاطر أقل. 

 

وقد بدأت إدارة وتنظيم إصدار الصكوك في سلطنة عمان حيز التنفيذ بتاريخ 11 إبريل 2016 من طريق هيئة سوق رأس المال (الهيئة المخولة) بموجب المرسوم الملكي 59 / 2014. وأصدرت السلطنة خمسة إصدارات من الصكوك السيادية (2019 إلى 2020)؛ الأول بقيمة 100 مليون ريال عماني والثاني بـ200 مليون ريال عماني والثالث بـ200 مليون ريال عماني والرابع بـ208.1 مليون ريال عماني، والخامس بـ25 مليون ريال عماني، وجميعها مدرجة بسوق مسقط للأوراق المالية الأمر الذي يسهّل تداولها أمام المستثمرين. 

 

 

 

أما بالنسبة إلى عدد صكوك الشركات في السلطنة، فقد تم إصدار سبعة صكوك للشركات (2016 إلى 2021) بقيمة إجمالية 210 مليون، وجميعها مدرجة في سوق مسقط للأوراق المالية كما هو موضح في الجدول في أدناه: 

 

ساهمت الصكوك المالية الإسلامية في السلطنة في ارتفاع قيمة التداول بسوق مسقط للأوراق المالية والسبب يعود إلى تنفيذ عدة صفقات على إصدارات الصكوك السيادية وصكوك الشركات. إن إصدار هذا العدد من الصكوك في السلطنة أدى إلى تنشيط الحركة الاستثمارية باستخدام أنواع مختلفة من الصكوك الإسلامية والتي بدورها وفرت الاحتياجـات التمويليـة التي هي بمثابـة أداة مناسـبة للتكامـل بـين نشـاط الصيـرفة الإسـلامية وسوق مسقط للأوراق المالية، والتي ستؤدي إلى الانـدماج مـع السوق العالمية. 

 

 

المنافع المتوقعة من إصدارات الصكوك في عمان:

من المتوقع أن تلبي إصدارات الصكوك احتياجات السلطنة من طريق تمويل المشاريع الخاصة بالبنية التحتية والتنموية بدلا من الاعتماد على الأدوات التقليدية مثل سندات الخزينة والدين العام. كما ستتيح إصدارات الصكوك الفرصة أمام البنك المركزي العماني لاستعمالها ضمن إطار السياسة النقدية بما يسهم في امتصاص معدل السيولة، ثم الإسهام بخفض معدل التضخم. أيضا ستعمل الصكوك على إتاحة الفرصة أمام الشركات والمؤسسات المالية لتحسين إدارة وتنظيم السيولة المالية الفائضة لديها. بالإضافة إلى أنها ستساعد الشركات في السلطنة على زيادة ربحها وتحسين مراكزها المالية؛ لأن عمليات إصدار الصكوك ستكون خارج الميزانية ولا حاجة لوجود تكلفة مالية كبيرة في تمويل وإدارة هياكل الصكوك.

 

وهذا يجعل المؤسسات تتمتع بقدرة عالية لاستيعاب المشاريع العملاقة والإسهام بكل فاعلية في توفير وظائف للكوادر الوطنية، ومنه إضافة قيمة لمنظومة الاقتصاد الوطنية بطريقة مباشرة وغير مباشرة. وأخيرا ستعمل على تحسين القدرة الائتمانية للشركات المصدرة للصكوك؛ لأنها تتطلب تصنيف ائتماني للمحفظة الاستثمارية بصورة مستقلة عن الشركة ذاتها؛ لذلك سيكون تصنيف الشركات الائتماني مرتفعا.

 

الرؤيـة مسـتقبلية لتطـوير الصـكوك في عمان:

لقـد أسـهمت أزمـة جائحة كورونا في تعزيـز الثقـة بجودة نمـوذج الصناعة المالية الإسلامية وقدرته على الاسـتدامة، إذ من المتوقع أن يكـون هنـاك توجه وإقبـال كبـير في سلطنة عمان في المرحلـة الحالية والمرحلة المقبلـة علـى أدوات الصـكوك المالية الإسـلامية، مما يحتم ضرورة تطوير هياكلها وجوانب الابتكار حتى تتوافق مع متطلبات المرحلة، وهذا يكون عبر توفير بعض المرتكزات (التوثيق والإفصاح للمعلومات والرقابة، تـوفير مراكـز معلومـات بالإضافة إلى التميـز فـي خدمـة المجتمـع من طريق الاستفادة من الأفكـار المتعلقـة بالزكـاة والصـدقات والوقـف).

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة