السنة 15 العدد 139
2020/12/01

20 يوما في جزر القُمر

 


 

د. سليمان بن سالم الحسيني

مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية والإنسانية

salhusseini@unizwa.edu.om

 

كانت مياه المحيط الهندي تبدو من نافذة طائرة الخطوط التنزانية المحلقة فوق قناة موزمبيق، صفحة زرقاء شاسعة الاتساع لا نهاية لها ولا بداية، إلا أن المشهد بعد ساعة ونصف تقريبا من الطيران فوق ذلك الجزء من الساحل الشرقي للقارة الإفريقية، تغيّر وتبدل بشكل مذهل؛ غيرته جزر القمر: نجازيجا،  وأنجوان، ومهيلي، ومايوت، المتلألئة زمردات خضراء على بساط أزرق، رماها البحر من قعره فسكنت على سطحه بهدوء ووقار تغازل السماء، وتغازلها السماء بنجومها الزاهرة، وقمرها المنير، ونوارسها المحلقة، وسحبها الماطرة، وأشعة شمسها التي تكسوها بثوب من نور وبهاء كل صباح مشرق.

 

 

جزر القمر، ليست ككل جزر الدنيا، الحق يقال، ومن رأى ليس كمن سمع، وسماؤها ليست ككل سماء، ونجومها ليست ككل النجوم، وقمرها الذي سميت به، أكثر جمالا وضياء وبهاء، وهواؤها عليل، وأهلها طيبون، ومياه بحرها صافية، وجداولها رقراقة، وعبير زهرة لانجلانج فواح، والفانيلا القمرية طيبة منعشة، وقرنفلها يحاكي قرنفل الجزيرة الخضراء وقرنفل زنجبار، وبيوتها تحاكي بعض بيوت عمان، ورجالها يلبسون العمامة السعيدية، والبشت والكمة والدشداشة، ونساؤها يضعن على وجوههن (المْسِندَان)، مثلما كانت نساء عمان تضعن على وجوههن (الدهان: المحلب والصندل)، ومساجدها عامرة بالذكر يرفع فيها الأذان ويقرأ فيها القرآن، وجبالها تكسوها الخضرة وأشجار المانجو وجوز الهند والموز، وأنواع أخرى كثيرة من النباتات والزهور والأشجار والشجيرات.

 

 

 

كنت في شهر يونيو 2013م ضمن الوفد الأهلي العماني الذي أقام (الفعاليات العمانية الثقافية) بجزر القمر، استمرت عشرين يوما تقريبا، أتاحت لي فرصة التعرف عن كثب على جزر القمر وأهلها وتاريخها ومجتمعها وثقافتها وجغرافيتها، وأنقل إليها تحيات عطرة من عُمان التي ترتبط معها بعلاقات تاريخية وثقافية مميزة؛ منذ أن عرف العمانيون الإبحار بسفنهم الشراعية عبر المحيط الهندي إلى شرق إفريقيا بسواحلها الممتدة من رأس مقديشيو في الصومال إلى آخر نقطة تصل إليها الرياح الموسمية في مضيق موزمبيق الذي يبعد (بحر الظلمات)، مثلما قال الملّاح العماني أحمد بن ماجد. وقد قدمت في تلك الفعالية بحثا بعنوان: (جزر القمر على طريق التبادل الحضاري: المكتسبات التاريخية في خدمة الحاضر والمستقبل)، نُشر في كتاب الفعالية (أيامنا في القمر) الذي أصدرته جامعة نزوى بالتعاون مع مكتبة الندوة العامة ببهلاء. ورغم مرور سبع سنوات منذ تلك الزيارة إلى جزر القمر، إلا أن الذاكرة لا تزال حبلى بذكريات لا تنسى عن المكان وأهله، وأشجان تأبى إلا أن يسطرها القلم بكلمات وفاء لجزر القمر الجميلة وأهلها الكرام.

 

 

جزر القمر عبارة عن أرخبيل من الجزر البركانية، يقدر عمرها بين 10-20 مليون سنة، تتكون من أربع جزر رئيسة ومجموعة من الجزر الصغيرة، لا تزال بينها جزيرة القمر الكبرى (نجازيجا) نشطة بركانيا، ببركانين: الأول شمال الجزيرة يسمى (جِرِل)، والآخر بركان جبل قرطالة في جنوب الجزيرة، هو الأهم والأشهر، إذ ثار أكثر من عشرين مرة منذ القرن التاسع عشر الميلادي، وأدت ثورته عام 2005م إلى إخلاء السكان من الجزيرة، وثار بعدها مرة أخرى بشكل أقل في عام 2006م. ويمكن مشاهدة فوهة هذا البركان الدائرية الكبيرة التي يبلغ قطرها بين 3-4 كم من الطائرة بوضوح. ويمكن كذلك رؤية الصخور البركانية السوداء الداكنة في الجزيرة؛ لذلك فإن جزر القمر، جيولوجيا، تعد واحة خصبة لعلماء الجيولوجيا ببراكينها الحية، وطبقاتها الصخرية، ورماد البراكين الأسود المنتشر هنا وهناك.

وقد وهب المناخ الاستوائي المعتدل والتربة البركانية الخصبة جزر القمر غطاء نباتيا جعلها تبدو كأنها جبال من أشجار شديدة الخضرة نابتة من البحر. وينقسم المناخ إلى موسمين رئيسين: الأول ماطر دافئ يمتد من ديسمبر إلى إبريل، تصل فيه الحرارة إلى 30 درجة سلي زيوس تقريبا، والآخر أقل مطرا يمتد من مايو إلى نوفمبر تنخفض فيه الحرارة إلى 19 درجة، والتنوع النسبي في جغرافية الجزر، لا سيما في ارتفاعها عن سطح البحر الذي يصل إلى أكثر من 2000 متر، أتاح تنوعا بيئيا سمح بازدهار الحياة البرية والبحرية؛ لذلك فإن الجزر بيئة مناسبة لعدد كبير من النباتات والأشجار والطيور والكائنات الحية الأخرى. ومياه البحر المحيطة بالجزر المليئة بالشعب المرجانية تزخر بحياة بحرية متنوعة؛ مما أدى إلى وفرة الأسماك، وقيام نشاط في الصيد البحري امتهنه كثير من السكان. وتتربع زهرة (لانجلانج) العطرية، التي تستعملها أشهر الماركات التجارية العالمية في إنتاج العطور، مكانة عالية مرموقة في منتجات جزر القمر، يأتي معها الفانيلا وأنواع شتى من التوابل الشهيرة والفواكه الاستوائية.

 

 

جمهورية جزر القمر الإسلامية الاتحادية، نالت استقلالها عن فرنسا عام 1975م، ما عدا جزيرة مايوت التي ما تزال تحت الحكم الفرنسي، وبعد الاستقلال أصبحت جزر القمر عضوا في جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الإفريقي، والمنظمة الدولية للفرنكوفونية، ولجنة المحيط الهندي، والعديد من المنظمات الدولية الأخرى. وعاصمة جزر القمر هي مدينة (موروني) الواقعة في جزيرة نجازيجا أكبر الجزر الثلاث وأكثرها سكانا. ويتحدث القمريون اللغة (القمرية)، وتمتاز بامتزاجها الشديد باللغتين السواحيلية والعربية. واللغة العربية لغة رسمية في جزر القمر إلى جانب اللغة الفرنسية. والإسلام هو الدين الرسمي في البلد. والمجتمع القمري، مجتمع محافظ، مسالم، مترابط، تسوده القيم النبيلة والعلاقات الاجتماعية المتينة التي تجعل منه مجتمعا متماسكا، وللأسرة دور كبير في تكوينه، وللعادات الاجتماعية مكانة في حياة الناس.

ترتبط جزر القمر بعلاقات حضارية وتاريخية وثيقة بعمان تعود إلى القرون الهجرية الأولى عندما وصل العمانيون بسفنهم الشراعية إلى ذلك الجزء من شرق إفريقيا واستقروا به وأقاموا علاقات تجارية واجتماعية وأسرية مع سكانه. وقد أولى الباحث الأكاديمي والدبلوماسي القمري، سعادة الدكتور حامد كرهلا جل الاهتمام لدراسة العلاقة التاريخية والثقافية والاجتماعية العمانية القمرية، وأخرج عنها عددا من الدراسات والكتب المنشورة بعدد من اللغات العالمية، منها كتابه الشهير: (صراع الحب والسلطة: جومبيه فاطمة 1841-1878م).

وقد قال الدكتور حامد كرهلا عن العلاقات العمانية القمرية، في لقاء نشرته جريدة عمان يوم الخميس 8 يونيو 2019م: "التأثير العُماني علينا كبير جدا، وهو ملحوظ وملموس، في كل شيء، العادات الاجتماعية، واللغة، والأزياء، والفكر، والثقافة، بل إننا نجد أسماء قمرية تحمل مسميات عمانية، مثل: (مصُور)، وتعني أن هذا الرجل قدم من مدينة صور العُمانية، وعندنا أكثر من شخص يسمون مسقط، وعندنا قبيلة وأسرة تسمى (وادي سما)، نسبة إلى وادي سمائل في محافظة الداخلية بسلطنة عُمان، وكثير من القبائل العُمانية تحمل أسماءها القديمة، وهذا يدل على الترابط القديم بين الإنسان العُماني وأخيه الإنسان القمري. إضافة إلى ذلك يوجد تأثير سياسي، فقبل الاستعمار الفرنسي كان لدينا نظام السلطنة، إذ إن كل جزيرة من جزر القمر لديها سلطان يحكمها. وقد أثبت التاريخ أن جزيرة مايوت، إحدى جزر القمر، حكمها النباهنة العُمانيون مدة تزيد على قرن من الزمان، ثم جاء بعدهم المناذرة. وتوجد لدينا مصادر تفيد عن وجود اتصالات بين السلاطين القمريين ودولة اليعاربة العُمانية. كما وقفت على رسائل فرنسية، هي بمثابة تقارير إدارية واستخباراتية، تتهم الوجود العُماني بمحاولة أسلمة الجزر، ونشر الإسلام فيها. وأنا أرى أن هذه شهادة فرنسية تفيد أن الدولة العُمانية لم يكن لديها أطماع توسعية، بقدر ما كانت لها رسالة إسلامية سامية".

إرسال تعليق عن هذه المقالة