السنة 15 العدد 137
2020/10/01

 

هاجر الغفيلية

طالبة ماجستير في النقد الأدبي

 

 قراءةٌ في كتابِ عالم الصمت

 

 كتبَ الفيلسوفُ السويسري-الألماني ماكس بيكارد عالمَ الصمتِ بروحانيةٍ مفعمة بالإيمانِ، فهو من الفلاسفةِ المؤمنين.

حين تبدأ في قراءة كتاب عالم الصمت تشعر منذ الوهلة الأولى أنك على عتبة غابة عظيمة، تبدأ بالتسرب بها، تتنفس وتتأمل، وتشعر باسترخاء.

تلك الغابة المتشجرة هي عالمك الداخلي، قد تتوه فيها، لكن لكل ضياع نور يسطع؛ فيقود إلى الغايات، والمآلات المرجوة.

هذا الكتاب للتفكر والتأمل في مكنونات الأشياء، كل عبارة فيه قد استوقفتني، وبالفعل صحيح: "أحب عندما تجعلني الكتب أفكر وأشعر وأتعلم. لقد تعلمت بعض الحقائق في أثناء قراءة هذا الكتاب، ووجدت أنني غالبا ما أرغب في وضع الكتاب جانبا، والتفكير فيما قرأته".

يقيناً، داخل كل إنسان منا عالم من الصمت، ومن الصفاء الروحي المذهل عليه اكتشافه، والبحث عن خيوطه الأولى، ثم تتبع تلك الخيوط إلى الداخل. سيكتشف حينها أن به بساتين وجنان متفجرة بالحياة، وحينها فقط سيعلم كم هو عظيم ذاك الكنز الذي يتملكه ويكمن فيه! سيعلم قيمة ذاته، مهما جارَ الزمان ودارَ. تلك الجنان تحديدا هي ما تسمى بــ"الثبات الداخلي"؛ الذي يقوم بترسيخ أقدام المرء رغم كوارث العالم الخارجي!

سيتحول الإنسانُ إلى جبلٍ ضخم صامت، أو إلى بحرٍ عميق هادئ، ومليء بالحكمة، و"في الصمت فإن خطوط الفم تشبه أجنحة مطبقة لفراشةٍ. عندما تبدأ الكلمةُ بالحركةِ، تتفتحُ الأجنحةُ وتطيرُ الفراشةُ"[1].

عالمُ الصمتِ جعلني في صَمْتٍ ودَهشَةٍ مما قرأتُ! كأنه يعيد الدهشة الأولى للأشياء، إذ يُذَكِّرُ الإنسانَ باستعمال عيونه الطفولية، مثل رؤية الأطفال الأولى لِمَا يحيط بهم!

 

 

أُعِدُّ الكتابَ مغامرةً مفعمةً باللذةِ! أن يغامر المرء بنفسه في الخوض فيه ويجاهد؛ فيتعرف -من الكتاب- على دواخل نفسه، وعلى سراديب وأوعية قلبه، فإذا به يزيلُ أغشيةَ نفسه شيئا فشيئا، فيجدُ المرءُ نفسه مرة في حالة قلق، ومرة يبتسم مندهشا، ومرة كأن الكاتب يقترب بحنو ويصف ما في سريرةِ القارئ، ومرة يخفق القلب بقوة من شدة ارتفاع هرمون الأدرينالين، ومرارا يصل المرء إلى حالة ألفا (موجات دماغية، تُفْرَزُ بسبب وصول الشخص لمرحلة عالية من الصفاء الذهني، والاسترخاء، والتركيز التام).

حينما قرأت فصل: الحب والصمت، دخلتُ مغامرةً، من أجمل مغامرات الكتاب، وكم كان المؤلف سخيا في التأويل والربط، وإنعاش الصمت بنهرِ الحُبِّ المتجدد نحو محيطات لا متناهية! يقول بيكارد في ذلك: "يكون العشاق معزولين عن الناس الآخرين؛ لأنهم يعيشون عالم الظواهر الأولية، في عالم حيث يكون الساكن أكثر أهمية من الديناميكي، والرمز أكثر أهمية من التوضيح، والصمت أكثر أهمية من الكلام"[2].

كتاب مدهش، ومغامرة عظيمة تستحق الصبر، إذ يمكنك اختيار أي صفحة، أو أي مقطع منه، ثم تشرع في قراءته. كتاب يمكن البدء به من أي عبارة، فليس له نهاية، بحر عميق لا نهاية له.

ستكتشف بعدها -من أسلوب وصف المؤلف- أنه قد كُتِبَ بصمت رهيب وعظيم، كُتِبَ في الطبيعة وفي غابة قصية، في المزراع وبين الناس. وكُتِبَ –كذلك- بشاعرية عالية، مرهفة الحس، وبصدقٍ عالٍ جدا، صدقٌ يَجْرحُ في بعض الأحيان، ويُبْكِي قليلا جدا، وغالبا يجعلُ المرءَ يخلو بنفسه في صمتٍ مَهِيبٍ.

 

 

كتابٌ وُلِدَ بالمشاهدةِ، مشاهدة الصمت في الأشياء، والطرقات، وبين الناس، صمت النوافذ والأبواب، صمت الأسقف والمداخن، وطواحين الهواء، صمت الكائنات، صمت الحيوانات والطيور، وصمت الآلات والحروب وضجيج المدن.

يقول بيكارد معزِّيا اختفاء ورحيل الصمت عن عصرنا الحالي: "ربما لا يزال يوجد هناك صمت قليل؛ يكون قليل (من الصمت) مع ذلك مسموحاً به. تماما مثلما سُمِحَ للهنود -الذين أُبِيدُوا بصورةٍ كاملة تقريباُ- مع ذلك بحيِّز عيشٍ صغيرٍ في محمياتهم البائسة، كذلك سُمِحَ للصمتِ أحياناً بشقٍّ من المكان في المصحَّاتِ بين الثانية والثالثة بعد الظهر: "ساعة من الصمت"، وفي "الثانيتين من الصمت" التي ينبغي على الجماهير أن تكون صامتة "في ذكرى..."، لكن لا يوجد هناك أبداً صمتٌ خاصٌ في ذكرى الصمتِ الذي لم يعدْ موجوداً"[3].

هذا الكتاب يُقْرأُ على مهلٍ، يُقْرَأ ليلا في ظلامٍ دامسٍ تضيئه شمعة، وفي وُحْدَةٍ تامة؛ لتعرية النفس الداخلية للإنسان، ولفهمٍ أفضل للذات.

ختام قولي:

وَفِي الصَّمتِ عِزٌ للكريمِ عَنِ البِلى      وفيهِ علوٌّ عَن دَنيءٍ مُخَاتِلٍ

إرسال تعليق عن هذه المقالة