السنة 21 العدد 202
2026/11/01

المستحيل والتثبيط

 

بقلم: أحمد بن راشد الحضرمي

يقول الشيخ العلامة أبو مسلم البهلاني في نونيته

يا للرجال اندبوا لله غيرتكم ... فالوقت قد ضاق والتثبيط خسران

 

ما علاقة التثبيط بكلمة "مستحيل"؟

قصة الضفدع الأصم

 

كانت هناك مجموعة من الضفادع الصغيرة قررت خوض مسابقة في الجري، وكان التحدي أن يصل المتسابقون إلى أعلى قمة برج شاهق.

تجمعت حشود من الضفادع لمشاهدة السباق وتشجيع المتسابقين. وما إن بدأ السباق حتى لم يصدق الحضور أن أحدًا من هذه الضفادع الصغيرة يستطيع تحقيق التحدي والوصول إلى قمة البرج.

وكان كل ما تسمعه الضفادع المتسابقة من الحشود:

"مستحيل... مستحيل!"

و"لا يمكن لأي ضفدع أن يصل إلى القمة؛ فالبرج مرتفع جدًا!".

وبدأت الضفادع تتساقط من شدة الإعياء، واحدًا يتبع الآخر، بينما استمر بعضها في الصعود، وكان أكثرها حماسًا ونشاطًا يواصل التقدم.

واستمرت الحشود في الصراخ:

"الأمر صعب جدًا... لن يستطيع أحد الوصول!".

فسقط المزيد من الضفادع الصغيرة، ولم يبقَ في السباق إلا ضفدع واحد، ظل يواصل صعوده إلى القمة، أعلى فأعلى، دون أن يتخلى عن إصراره.

وفي النهاية، سقطت جميع الضفادع، ما عدا ذلك الضفدع الصغير الذي نجح في الوصول إلى القمة.

وأرادت الضفادع جميعها أن تعرف كيف استطاع أن يصل، وسألته:

"من أين أتى هذا الضفدع الصغير بكل هذه القوة والإصرار؟"

وعندها اكتشف الجميع المفاجأة:

كان الضفدع الفائز أصم!

لم يكن يسمع كلمات التثبيط التي كانت تصرخ بها الحشود؛ ولذلك لم تصل إليه أصوات اليأس التي كادت أن توقف الآخرين.

 

الحكمة من القصة

لدينا جميعًا أحلام وطموحات قد نراها صعبة المنال، وقد تحتاج منا إلى بذل كثير من الجهد وتسخير طاقاتنا لتحقيقها. لكن كثيرًا ما يكون العائق الأكبر أمام تحقيق أحلامنا ليس صعوبة الطريق، وإنما الأصوات التي تحيط بنا وتخبرنا بأننا لن نستطيع.

فهناك من يقفون حجر عثرة في طريق تحقيق أحلام الآخرين، ويجعلون من كلمة "مستحيل" حاجزًا نفسيًا يحول بينهم وبين الوصول إلى أهدافهم.

والحل ليس في أن نستمع إلى كل ما يقال لنا، وإنما في أن نعرف متى نصغي ومتى نتجاهل. فبعض الكلمات قد تمنح الإنسان قوة تدفعه إلى الأمام، وبعضها قد تسلبه عزيمته وتطفئ في داخله الأمل.

لذلك، علينا أن نعير المثبطين آذانًا صماء، وألا نصغي إلى ترهاتهم، ما داموا لا يقدمون لنا دليلًا حقيقيًا على استحالة ما نسعى إليه.

فالكلمات لها قوة وتأثير كبيران في الإنسان، ورب كلمة غيّرت مجرى حياة، ورب فكرة صغيرة صنعت إنجازًا عظيمًا.

 

من أين جاءت كلمة "مستحيل"؟

تُستعمل كلمة "مستحيل" أو "محال" في العربية للدلالة على الشيء الذي لا يمكن حدوثه أو وقوعه. وقد يثير ذلك تساؤلًا: كيف ارتبطت كلمة "مستحيل" بهذا المعنى؟ وما أصل هذا الاستعمال؟

"المحال" و"المستحيل" يدوران في أصل الاستعمال حول معنى التحول والانتقال، ومن هنا جاء معنى الشيء الذي يتعذر وقوعه أو لا يمكن تحققه.

فالفعل "حال" يدل على التحول والانتقال، ويقال: "حال الشيء" إذا تغيّر وانتقل من حال إلى حال، كما يقال: "حال بين الشيئين" أي فصل وحجز بينهما.

وقد جاء في القاموس المحيط:

"وحاوَلَهُ حِوالًا ومُحاوَلَةً: رامَهُ، والاسمُ: الحَويلُ، وكلُّ ما حَجَزَ بين شَيْئَيْنِ، فقد حالَ بينهما…".

ومن هنا يتضح أن مادة "حول" واسعة الدلالة، تدور حول معاني التحول والانتقال والحيلولة، ومنها تطورت استعمالات متعددة في العربية.

ولذلك، فإن وصف الأمر بأنه "مستحيل" لا يعني مجرد كونه صعبًا أو بعيدًا، وإنما يفيد ـ في الاستعمال ـ أنه أمر لا يمكن وقوعه أو تحققه.

ومع ذلك، من المهم التفريق بين الباطل والمستحيل؛ فالباطل قد يكون شيئًا موجودًا أو واقعًا لكنه غير صحيح أو غير سليم، أما المستحيل فهو ما لا يمكن وقوعه أصلًا.

 

"المستحيل" شعار المتذمرين

يقول أحد التربويين: "المستحيل طريق مختصر إلى نهاية الأمل واليأس".

ولعل من أكثر ما يؤثر في الإنسان أن يحيط نفسه بأشخاص لا يرون في الحياة إلا الصعوبات، ولا يتحدثون إلا عن العجز والفشل. فالإنسان يتأثر كثيرًا بالبيئة المحيطة به؛ ومن يحيط نفسه بالسلبيين قد يجد السلبية تتسلل إلى تفكيره وحياته، بينما من يحيط نفسه بالإيجابيين والطموحين يجد فيهم دافعًا للاستمرار والمحاولة.

وأذكر أنني عندما كنت في بداية مشواري في حفظ القرآن الكريم، كنت أسمع كثيرًا أن الوصول إلى ذلك أمر مستحيل، وأن الحفظ ليس متاحًا إلا لفئة معينة من الناس.

لكنني مع ملازمة الحفظ، والاستمرار فيه، والأخذ بأسبابه، وجدت الأمر على خلاف ما سمعت.

شيئًا فشيئًا، اعتدت الحفظ حتى تمكنت منه.

وهنا أدركت أن المشكلة لم تكن في كلمة "مستحيل" ذاتها، وإنما في أن أجعلها تحكم قراري قبل أن أجرب.

فلو قلت لنفسي منذ البداية: "مستحيل، فلن أجرب"؛ لما عرفت قدرتي، ولما قطعت خطوة واحدة في الطريق.

ولذلك، ليس كل ما يقال لنا عن "المستحيل" حقيقة، وليس كل طريق صعب طريقًا مسدودًا.

جرّب، وابذل السبب، واستعن بالله، ثم احكم على قدرتك بعد المحاولة، لا قبلها.

فربما كان ما تراه اليوم مستحيلًا، مجرد خطوة لم تحاولها بعد.

إرسال تعليق عن هذه المقالة