القواعد المخفية في الفيزياء
كتب: الأيهم البوسعيدي
"كان الفيزيائيون واثقين إلى حدٍّ بعيد من براهينهم التي تسند ذلك الأمر؛ فقد أخبرونا، قبل عقود قليلة، بأنهم يعرفون مصدر الاكتشافات القادمة التي نترقّبها. ولهذا، شيّدوا المسرّعات، وأطلقوا الأقمار الصناعية إلى الفضاء، ووضعوا الكواشف تحت الأرض. كان العالم بأسره مستعدًّا لأن يرفع الفيزياء إلى مكانةٍ يُحسد عليها. لكن حين توقّعوا تحقيق إنجازٍ مفاجئ وغير مسبوق، سواء على مستوى الواقع أم التجربة، لم يقدّم أيٌّ منهما شيئًا جديدًا. ولم يكن سبب إخفاق الفيزيائيين هو الرياضيات في حدّ ذاتها، بل نوع الرياضيات التي يستخدمونها. فقد آمنوا بأن الطبيعة أنيقة وبسيطة، وأنها تترك لهم إشاراتٍ تهديهم إلى حلّ ألغازها. وظنّوا أنها تهمس لهم حين يحاورون أنفسهم. لكن الطبيعة تكلّمت الآن بصوتٍ عالٍ وواضح، وقالت: لا شيء".
الفيزيائية النظرية سابين هوسينفلدر Sabine Hossenfelder في مقدمة كتابها "التيه في الرياضيات" "Lost in Math"
هذا مقال يُناقش الفصل الأول من كتاب "التيه في الرياضيات" "Lost in Math" للفزيائية النظرية سابين هوسينفلدر، الذي عنوانه: القواعدُ المخفيَّةُ في الفيزياء.
يبدأ الفصل بتوضيح فضل الرياضيات وبيان أنها لغة صادقة؛ إذ تمنعنا من الكذب على أنفسنا وعلى الآخرين. قد نخطئ في استخدامها، نعم، لكننا لا نستطيع أن نكذب بها عمدًا. ويستخدم الفيزيائيون هذه اللغة لأسباب عديدة، من بينها اقتصادها في الرموز، واستقلالها عن السياق اللغوي والجمل.
وكان من أهم أسباب نجاح الفيزياء في القرون الماضية توظيف الرياضيات في وصف الظواهر الطبيعية، الأمر الذي أضفى عليها هيبةً وجمالًا، وخفّف من شيءٍ من تجريدها وجفافها. غير أن هذا الإجلال للرياضيات، في العقود الأخيرة، جاء على حساب أهمية التجربة والبيانات؛ إذ بات الاتساق الرياضي وجمال النظرية معيارين لتقييم النظريات الفيزيائية المعاصرة، حتى غلبا في بعض الأحيان على نتائج التجارب والأدلة الرصدية.
وتقول المؤلفة في مقدمة الفصل:
"بعد عشرين عامًا قضيتُها في الفيزياء النظرية، لاحظتُ أن كثيرًا من الناس يتخذون من دراسة أشياء لم يروها مهنةً لهم. فقد ابتكروا نظريات جديدة محيّرة للعقول، مثل الفكرة القائلة إن كوننا ليس إلا واحدًا من أكوان كثيرة أخرى، وافترضوا وجود عشرات الجسيمات الجديدة، وذهبوا إلى أننا صورةٌ لفضاء متعدد الأبعاد الفائقة، وأن هذا الفضاء ناتجٌ عن ثقوب دودية تصل الأماكن المتباعدة بعضها ببعض.
هذه أفكار مثيرة للجدل، لكنها واسعة الانتشار؛ افتراضية، ومع ذلك تثير الفضول؛ جميلة، ولكنها عديمة الجدوى. يصعب اختبار صحة كثير منها عمليًّا، بل إن بعضها يستعصي حتى على الاختبار النظري. وما يجمع هذه الأفكار هو تبنّي المنظّرين لها، واقتناعهم بأن رياضياتهم تمثّل جانبًا من حقيقة الطبيعة، وإيمانهم الراسخ بأن نظرياتهم محكمةٌ ومتقنة إلى حدٍّ يجعلها، في نظرهم، أبعد من أن تكون خاطئة".
وتطرح الفيزيائية في هذا الفصل رأيا على الذين يجعلون الرياضيات وما تنتجه في نفس القدر الذي تعطيه لنا التجربة وبياناتها، وعلى الذين يجعلون الجمالَ والاناقة والبساطة أساسًا للحكم على صواب النظريات العلمية.
معضلة العالِمُ البارع.
يخترع العلماء قوانين جديدة، تلك هي وظيفتهم لكسب قوت يومهم، فعالم الفيزياء -كما تقول المؤلفة- مثَله مثل من يتفحص قواعد البنايات، فالذي يتفحصها يرى ما إذا كان هناك تشققات في الأسس ليصلحها؛ كذلك الفيزيائي، فهو يفحص مظانّ قصور النظريات العلمية الجديدة ويحاول تطويرها لتتوافق مع التجربة. فالذي يفحص هذه القواعد هم الفيزيائيون النظريون، أما من يفحص تطابقها مع التجربة فهم الفيزيائيون التجريبيون، وتقول إن القسمة بين النظريين والتجريبيين هي متعارف عليها وكانت منفذة تنفيذًا حكيما.
تنتقد هوسينفلدر (المؤلفة) مَن أخلّ بهذه القسمة، ففي هذا العصر، فإن التجربة قد أُهملت وبات الأمر متعلقاً بالرياضيات وبجمال وأناقة المعادلات التي تنتجها، فتقول إبان تخرجها من الجامعة: "عندما تخرجت حسبتُ أن هذا المجتمع سيكون داري، عائلةٌ بنفس تفكيري الذي يغذّيها حماسُ اكتشاف الطبيعة. ولكني أصبحتُ بعد ذلك منبوذةً من زملائي الذين يؤمنون بأهمية الحكم التجريبي غير المتحيز من جانب، ويشيعون بالمعايير الجمالية الذاتية للدفاع عن نظرياتهم المفضلة من جانب آخر".
وأوردت المؤلفةُ كلامَ الفيزيائي جيان رئيس قسم "تطوير النظريات" في سيرن، يقول جيان عن الجمال وأهميته: "يجب أن يكونَ حسُّ جمالِ الطبيعة مركوزًا في دماغنا وليس مفهوما اجتماعيًّا فحسب؛ لأنه شيء يمس وترنا الداخليّ الحساس، فعندما تقف على نظرية جميلة ستشعر بشعور مماثل عند رؤيتك لعمل فنّيٍّ باهر".
فردت هوسينفلدر عليه: "ليس الأمر إنني لا أعلم عن ماذا يتحدث؛ إنما الأمر أنني لا أعلم لِمَ يهم كل هذا! إنني أشك في مقدرة حسّي للجمال على اكتشاف القوانين الأساسية للطبيعة، قوانين تخبرنا عن تصرف الكيانات التي لا أملك حاسّةً تجعلني أدرك كنهها، فصنع عمل فنيٍّ جميلٍ يعتبر حرفة جليلة إلا أن العلم ليس فنًّا، نحن لا نبحث عن نظريات تثير مشاعرنا؛ إنما نبحث عن تفسيرات لما نراه ونرصده بأجهزتنا. إن العلمَ مؤسسةُ منظَّمَةُ لتتغلب على مظانّ قصور الإدراك البشري، وعلى تجنب مغالطات الحَدس، وهو لا يتعلق أمره بالعواطف، بل بالأرقام والمعادلات والبيانات والحقائق والمنطق"
ختاما: تمسك بعض العلماء ببعض الفرضيات غير المُختبرة، التي لا سبيل لاختبارها أصلا قد يعود لأسباب جمالية ذاتية وليست موضوعية، وهو ما تعيبه المؤلفة على بعض العلماء. والجمال وإن كان فيه طابع مطلق في حقيقته؛ إلا أن جعله معيارًا خفيا يقيم النظريات قد يمنع من التقدم في العلم؛ ذلك لأن الجمال يجعلهم يتعلقون بالرياضيات الجميلة في النظريات ويبنونها بناءً متسقا فيها، لكنهم لا يكترثون بطرق اختبار تلك الفرضيات والمعادلات تجريبيا، فتقول المؤلفة حسرةً: "هذه القواعد المخفيّة -تقصد الجمال والاناقة في المعادلات- لم تضف لنا شيئا مفيدا. بالرغم أننا عرضنا جَمعًا من قوانين الطبيعة إلا أنها لم يؤكد صحتها. وبينما شهدتُ سقوط مهنتي في الهاوية، فقد رأيتُ نفسي أيضا أسقط في هاويتي، لقد انتابني شكٌّ ما؛ فلم أعد أعلم ماذا أفعل هنا في هذه المؤسسة! أَعِلمٌ هو؟ وإن لم يكن كذلك فلِمَ أجعل وقتي يذهب سدًى"