مكتبة مركز الإبداع بنزوى ... يصافحُ التاريخُ الغدَ الرقمي
مكتبات زرتها: محمد الإسماعيلي
كلما يمتدّ بي السفر في دروب المعرفة، وتطأ قدمي عتبة مكتبة جديدة، أشعر بأنني أدخل عوالمَ تتجاوز حدود الجغرافيا وتختزل الزمن. لكنّ لزيارتي هذه المرة دفقاً مغايراً وشجناً خاصاً؛ فالمقصد هو "مكتبة مركز الإبداع للثقافة والابتكار" في قلب عاصمتنا التاريخية والثقافية نزوى. هذه الزيارة لا تمرّ في أجندتي كونها جولة استكشافية عابرة، بل تأتي لتوثّق احتفاءً وطنياً مستحقاً، بعد أن توّجت المكتبة مؤخراً بالمركز الثاني في مسابقة الإجادة للمكتبات والمراكز الثقافية الأهلية لعام 2026م، التي حملت عنواناً يختصر المستقبل: "جائزة الابتكار الرقمي للمكتبات والمراكز الثقافية الأهلية".
حين وقفتُ أمام مبنى المركز الشامخ بأدواره الأربعة، انتابني إحساس عميق بأن هذا المكان لم يُبنَ ليكون مخزناً للكتب، بل شُيّد ليكون جسراً تعبر عليه الأجيال نحو الآتي. أدركتُ فوراً أن روح المؤسس ومبادءه، الشيخ الدكتور الراحل إبراهيم بن أحمد الكندي، رحمه الله، لا تزال تظلل هذا الفضاء المعرفي. لطالما كان الشيخ إبراهيم منارةً فكرية، يؤمن بأن العلم لا وطن له ولا جمود فيه، وأن الأصالة والتجديد صنوان لا يفترقان. ومن هذا المنطلق، نزلنا إلى الدور الأرضي حيث تنبض الحكاية، وتحديداً في قاعة المطالعة والإثراء التي تشرّفت بحمل اسمه: "مكتبة الشيخ إبراهيم الكندي".
هنا تتجلى الصدمة الحضارية الجميلة! فما إن تلج الباب حتى تجد نفسك في مكتبة عصرية متقدمة، مدعمة بتقنيات ذكية فائقة تدهش الزائر. تحتوي المكتبة على أكثر من 8000 كتاب رتبت بدقة متناهية حسب تصنيف "ديوي العشري"، وتفردت بزاوية بهيجة للأطفال مدعمة بالكتب والقصص والألعاب التعليمية؛ لتزرع بذور القراءة في نفوس الناشئة. لكنّ السحر الحقيقي يتجلى في كيفية تطويع التكنولوجيا لخدمة "خير جليس".
لقد استوقفني في جولتي نظام متكامل يُدار بذكاء مدهش؛ فالمكتبة تطبق "نظام آفاق المعرفة"، وهو نظام رقمي متخصص في إدارة المكتبات ومراكز مصادر التعلم، رُفعت بياناته لتكون واجهة الموقع الإلكتروني للمركز لسهولة استرجاع المعلومات. ولم يقف الابتكار عند هذا الحد، بل برزت تقنية الهواتف الذكية التفاعلية المربوطة بقطع (Ibeacon) التي تعمل بخاصية البلوتوث والموزعة على الأرفف. عبر خيارين ذكيين؛ الخارطة الافتراضية التفاعلية التي ترشدك لمكان الكتاب بدقة، أو أيقونة "استكشف أرفف المكتبة" التي تتيح لك بمجرد وقوفك بجانب الرف عرض محتوياته كاملة عبر شاشة هاتفك (سواء بنظام iOS أم Android)، في اختزال مذهل للوقت والجهد للباحثين والقراء.
ولعلّ اللقطة الأكثر طرافة وعمقاً في الزيارة، هي لقائي الروبوت (تيمي) أمين المكتبة! هذا المساعد المتنقل والذكي المزود بنظام "أليكسا" والموصول بالإنترنت، ينساب بين الردهات ليقدم للمستفيدين جولات تعريفية بالمكتبة (Library Tour)، ويساعدهم صوتياً أو عبر شاشة اللمس في البحث عن عناوينهم المعرفية. تيمي ليس مجرد آلة، بل هو تجسيد حي لرؤية المركز المستقبلية للتطوير الرقمي المستمر.
إن هذا التناغم التقني بين الفهرس الإلكتروني، والتطبيق الذكي، والروبوت تيمي، جعل من المكتبة قبلةً ومزاراً يومياً لصفوة المجتمع المعرفي في المحافظة؛ وفي مقدمتهم الباحثون في مرحلتي الماجستير والدكتوراة، وطلبة الجامعات والكليات، وتلاميذ المدارس الذين يجدون هنا بيئة مريحة وملهمة للبحث. وما يُثلج الصدر هو جهود التطوع والوعي في تسويق هذه الأنظمة عبر الورش التدريبية والجلسات الفردية، ونشر روابط الفهرس عبر منصات التواصل (واتساب، إنستغرام، إكس) واستخدام رموز الاستجابة السريعة (QR Code) على الطاولات.
ختمتُ زيارتي بالمرور على قسم رقمنة المخطوطات وحفظ الوثائق، وهناك تحديداً شعرت بروح الشيخ الدكتور إبراهيم الكندي تبتسم؛ فهنا تلتقي رقمنة المستقبل بحفظ تاريخ الأجداد لحمايته من عوادي الزمن.
خرجتُ من مكتبة مركز الإبداع بنزوى وأنا موقنٌ تماماً لِمَ استحقت هذه المنارة المركز الثاني في جائزة الابتكار الرقمي 2026م؛ إنهم لا يواكبون العصر فحسب، بل يصنعون للأصالة العمانية أجنحةً رقمية تحلق بها نحو آفاق لا تعرف الحدود.