بوصلة إلى أحدث الإصدارات
في خضمِّ سعي مكتبة جامعة نزوى إلى ترسيخ ثقافة القراءة الواعية ومتابعة الحراكين الفكري والمعرفي المعاصر، يأتي هذا الركن من مكتب النشر ليكون نافذة متجددة على ما استجدّ من إصداراتٍ علميةٍ وفكريةٍ رصينة وصلت حديثا إلى مكتبة جامعة نزوى. ومن طريق قراءةٍ شهريةٍ في ثلاثة كتب مختارة، نسعى إلى مدّ جسورٍ بين القارئ والمحتوى، وإلى إحياء روح التفاعل مع الكتاب بوصفه منبعًا للفكر ومجالًا للحوار والتأمل. إنها خطوةٌ نحو جعل القراءة ممارسةً حيةً تُسهم في تنمية الوعي وتغذية العقل وتنوير الدرب الأكاديمي والثقافي معًا.
قراءة في كتاب "الصمت"

قراءة: سارة الشعيلية
يقدّم ناصر العوفي في كتابه «الصمت» قراءةً متعددة الأبعاد للصمت، لا بوصفه غيابًا للكلام، بل بكونه مساحةً للتأمل، وضبطًا للنفس، وفنًّا في الإصغاء واختيار المواقف. ويعكس غلاف الكتاب، بلونه الأخضر ودوائره الحلزونية، ما ينطوي عليه موضوعه من سكينة ظاهرية وحركة فكرية عميقة.
ينطلق الكاتب من القرآن الكريم والسنة النبوية، ليعرض قيمة الصمت في حفظ اللسان، والإعراض عن اللغو، وتجنّب الإساءة، ثم يتتبّع حضوره في الشعر العربي والأمثال والحِكم، قبل أن ينتقل إلى أبعاده الاجتماعية والنفسية، حيث قد يصبح الصمت لغةً تعبّر عن الحزن أو التأمل أو الاحترام أو الرفض، بحسب الموقف وسياقه.
ويستند الكتاب إلى 106 مرجع متنوع، تشمل كتبًا عربية ومصادر أجنبية ورقمية، في محاولة لتقديم صورة شاملة عن الصمت بوصفه سلوكًا إنسانيًا تتداخل فيه الحكمة والأدب والدين وعلم النفس. ومن هنا تتجلّى فكرته المحورية: ليست الفضيلة في الصمت الدائم، ولا في كثرة الكلام، وإنما في معرفة متى نتكلم، ومتى يكون السكوت أبلغ وأحكم.
إن قيمة الكتاب في دعوته إلى التمهّل قبل الكلام، وحسن الإصغاء، ومراجعة الأفكار والانفعالات؛ فالكلمة قد تصلح ما أفسده الخلاف، وقد تزيده اشتعالًا، والصمت قد يحفظ الكرامة، وقد يتحول إلى حاجزٍ يحول دون الفهم. وبين القول والسكوت تتجلى الحكمة في حسن الاختيار.
وهكذا، لا يبدو الصمت فراغًا بين الكلمات، بل مساحةً نسمع فيها أصواتنا الداخلية، ونفهم الآخرين بصورة أعمق. فليس كل صمت حكمة، وليس كل كلام خطأ؛ إنما الحكمة أن نمنح كل موقف ما يستحقه من قول أو سكوت.
قراءة في كتاب: الأسرة العربية في ظل تكنولوجيا الإعلام الرقمي (من مرآة الشاشة إلى صناعة الوعي)

المؤلفان: د.سمير صالحي . أ.د. عبيدة صبطي
الناشر: المركز الأكاديمي للنشر والتوزيع
من الأمور التي لا يتنازع فيها اثنان، التي أصبحت من المسلمات لدى الفئات المثقفة بالمجتمع أن للإعلام الرقمي دورا بارزا في بناء الشخصية الإنسانية وصقل مواهبها وتنمية مهاراتها، كما أن له في المقابل دورا واضحا سلبيا على قيم ومبادئ بعض المجتمعات، وأداة للهيمنة على فكرها وخلخلة بنية الأسرة فيها.
في ضوء هذه المسلمات جاء كتاب "الأسرة العربية في ظل تكنولوجيا الإعلام العربي" ليبرز هذا الأثر وينبه الأسرة العربية إلى أخطار الإعلام الرقمي ويزودها بأدوات تساعدها على الاستفادة منه دون أن يكون له تأثير سلبي في بنيتها وقيمها.
وقد تناول المؤلفان في الفصل الأول منه نشأة الأسرة وتطورها ونظرة الأديان إليها، وقدما نماذج وأمثلة لهذه النظرة عند اليهود والنصارى والمسلمين، ثم عرجا إلى ماهية الأسرة ومفهومها وأشكالها، والخصائص التي يجب أن تتوافر في الأسرة حتى تكون مستحقة ليطلق عليها مفهوم الأسرة، كما بين هذا الفصل أهمية الأسرة ووظائفها، ثم ختم هذا الفصل بوضع الأسرة في ظل العولمة والميديا الجديدة، وأثرها في إعادة رسم الإطار البنيوي للأسرة، ودور الإعلام الجديدة كونها فاعلا اجتماعيا مؤثرا في توجيه الأسر والمجتمعات نحو تحقيق الأهداف التي وضعها من يدير الإعلام الرقمي.
ثم انتقل الكاتبان في الفصل الثاني إلى تتبع ثقافة الشاشة ومفهومها، والمراحل التي مرت بها من الشفوية مروراً بكتابة النسخ والطباعة ثم التحول إلى عصر وسائل الإعلام الالكترونية، وكيف بدأت هذه الثقافة بصفتها أداة للترفيه ثم تطورت لينتهي بها الحال لتكون أداة للهيمنة ومدى تأثيرها في البناء القيمي والاجتماعي.
وتناول الكتاب في الفصل الثالث بعداً آخر من تأثير الإعلام الرقمي في الأسرة العربية في جوانب الحوار الأسري الذي كان سائدا بين أفراد العائلة العربية ودوره في قتل نمط العائلة الحوارية إلى نمط العائلة الصامتة، وتأثير الشاشات في الوظائف السوسيولوجية للأسرة، وكيف أنها سطت على الخصوصية داخل البيت وأدت إلى تفكك الرقابة الأبوية وساعدت على غياب التربية التفاعلية وسيادة الحوار والتحول إلى النمط الصامت في التربية.
وقد خصص المؤلفان الفصل الرابع لبيان تأثير الميديا الجديدة في الطفل، وأنها أصبحت هي المربي الفعلي، والفاعل الاجتماعي في تنشئة الطفل، كما تناول مفهوم التربية الإعلامية من حيث المفهوم والأبعاد، ومدى حضورها في البيت وكيفية الاستفادة من المحتوى البصري بشكل إيجابي.
ثم يأتي الفصل الخامس ليكشف عن أثر الإعلام كونها فاعلا اجتماعيا ومدى تأثيره في البنية الاجتماعية للأسرة وإضعاف الروابط الأسرية ودوره في ظهور مفهوم الاغتراب الأسري والآثار السلبية الناتجة عن هذا الاغتراب.
وقد ختم الكتاب بالوسائل المعينة للأسرة في تجاوز الآثار السلبية للإعلام الرقمي وإعطائها الخطوات العملية الفاعلة التي تساعدها على الاستعانة بالتقنيات بصفتها أدوات مساعدة وليس أدوات تحكم، وتفعيل الرقابة الذكية، وتوظيف المشاركة كونها أسلوبا لتعزيز الثقة والتمكين وآلية اجتماعية لتعزيز الاندماج الأسري وبناء مهارات المواطنة الإعلامية.
قراءة في كتاب: فرح لم يكتمل (مقالات مختارة)

المؤلف: د. ناصر بن محمد العوفي
سنة النشر: 2021م
تخيّل أن تقف على أعتاب لحظة انتصارك العظيم، ليتوقف الزمن فجأة ويتلاشى الفرح قبل أن تكتمل فرحتك به! من هذه النقطة الفاصلة، يغوص بنا الكاتب في أغوار النفس البشرية ومسارات المجتمع، ليتسلل بين أوجاع صامتة وقصص ملهمة لقلوب تُقاوم الفقد والإعاقة والجفاف الاجتماعي؛ ليرسخ حقيقة مؤلمة وهي أن أشد ألم يحمله الإنسان ليس الحزن المكتمل، بل ذلك "الفرح الناقص" الذي ننتظر اكتماله ولا يأتي أبداً.
يناقش الموضوع جوانب إنسانية ومجتمعية عميقة، تبدأ بتأمل مشاعر الفقد ورحيل الأرواح الطيبة مع التأكيد على بقاء أثرها الإيجابي، مروراً بالنضال والتحدي لدى ذوي الهمم والأطفال للظفر بأبسط حقوقهم وسط ظروف الإعاقة، وصولاً إلى تسليط الضوء على ظواهر المجتمع كـ "الجفاف الاجتماعي" وتغير القيم والإرادة التي تكسر كافة القيود.
ينتهي الكتاب بصيحة أملٍ تكسر جمود الأحزان؛ ليؤكد أن العثرات وآلام الفقد ليست إلا سحابة عابرة في سماء العمر. إنها دعوة لتجاوز "الفرح الناقص" واستعادة شغف الحياة، مبرهناً على أن بقوة الإرادة والإحساس الصادق بالآخرين نستطيع كسر أعتى القيود ونثر بذور الفرح من جديد في قلوبنا وقلوب من حولنا.
ينساب الأسلوب ببراعة لتلامس كلماته الروح وتستقر في القلب؛ إذ يمزج الكاتب بين خبرته التربوية وحسه المرهف، ليأخذك في رحلة تفيض بالأمل وتكشف لك زوايا خفية من قضايا المجتمع والذات.