السنة 21 العدد 202
2026/10/26

المكتبة في عصر الذكاء الاصطناعي ... بين سرعة الوصول إلى المعرفة والثقة في مصادرها

استطلاع طلابي يرصد مكانة المكتبة الجامعية في ظل التحول الرقمي، ويكشف تطلعات الطلبة نحو مكتبة تجمع بين موثوقية المعرفة وحداثة التقنية

 

 

 

المكتبة أم المصادر الرقمية؟ الطلبة بين سرعة المعلومة وموثوقية المعرفة

في عصر الذكاء الاصطناعي ... كيف يتحقق الطلبة من صحة المعلومات؟

لو أُغلقت مكتبة الجامعة ... ماذا سيفتقد الطلبة beyond الكتب والمراجع؟

مكتبة المستقبل بعيون الطلبة ... خدمات ذكية وفضاءات أرحب وتجربة جامعية أكثر ثراءً

 

سارة الشعيلية

 

 

في وقت أصبحت فيه المعلومة على بُعد نقرة واحدة، وأتاحت أدوات الذكاء الاصطناعي إمكانات متزايدة للبحث والتلخيص والإجابة عن الأسئلة، لم تعد المكتبة الجامعية الخيار الوحيد أمام الطلبة للوصول إلى المعرفة، لكنها لا تزال حاضرة في تصورات كثيرين بوصفها مساحة للتعلم المتعمق، ومرجعًا للمصادر الأكاديمية الموثوقة، وبيئة تساعد على التركيز بعيدًا عن مشتتات العالم الرقمي.

وللوقوف على واقع هذه العلاقة ومستقبلها، استطلعنا آراء عدد من الطلبة في أهمية المكتبة في حياتهم الجامعية، ومصادر المعرفة التي يفضلونها، والطرق التي يتبعونها للتحقق من صحة المعلومات، فضلًا عن أبرز ما قد يفتقدونه في حال غياب المكتبة، وما يتطلعون إلى أن تقدمه لهم مستقبلًا.

وتكشف الإجابات عن مشهد تتجاور فيه اتجاهات مختلفة؛ فبينما ينجذب بعض الطلبة إلى المصادر الرقمية لما توفره من سرعة وسهولة، يتمسك آخرون بالمكتبة لما تمنحه من موثوقية وهدوء وعمق معرفي. وفي المقابل، يبرز توجه نحو الاستفادة من مزايا الطرفين، بما يجعل المكتبة الجامعية أمام فرصة لتجديد دورها ومواكبة التحولات التقنية.

 

 

 

 

 

المكتبة ما تزال حاضرة... لكن موقعها يتغير

تباينت آراء الطلبة بشأن استمرار المكتبة وجهة أساسية للوصول إلى المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي. فقد عبّر عدد منهم عن تمسكهم بها، مستندين إلى ما توفره من مصادر موثوقة وكتب ومراجع علمية يصعب أحيانًا الاستعاضة عنها بالبحث الرقمي وحده.

وأشار أحد الطلبة إلى أن المكتبة ليست مجرد مكان للكتب، بل بيئة هادئة ومحفزة تساعد على التركيز العميق والابتعاد عن تشتت الشاشات والإشعارات، فضلًا عن إتاحة مؤلفات ومراجع أصلية قد لا تتوافر كاملة بصيغ رقمية. ورأى آخرون أن الرجوع إلى الكتب والمراجع يظل ضروريًا للوصول إلى المعرفة العلمية والتحقق من المعلومات التي تقدمها أدوات الذكاء الاصطناعي.

وفي السياق ذاته، أكد أحد الطلبة أن المكتبة تظل مقصدًا مهمًا لاستقاء المعلومات، حتى مع اتساع دور التقنيات الحديثة، مشيرًا إلى أن المعلومات التي تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي قد تتضمن أخطاء، ما يجعل الرجوع إلى المصادر العلمية ضرورة في بعض الحالات.

في المقابل، رأى طلبة آخرون أن المكتبة لم تعد وجهتهم الأساسية، في ظل سهولة الوصول إلى الكتب والمعلومات عبر الهواتف والمنصات الرقمية، وإمكان الحصول على الإجابات في ثوانٍ، دون الحاجة إلى الوقت والجهد اللذين قد يتطلبهما البحث التقليدي.

ويعكس هذا التباين اختلافًا في أولويات الطلبة واحتياجاتهم؛ فبينما ترتبط قيمة المكتبة لدى بعضهم بموثوقية مصادرها وبيئتها الدراسية، ترتبط لدى آخرين بمدى سهولة الوصول إلى المعرفة وسرعة الحصول عليها.

 

 

 

 

المصادر الرقمية تتقدم... والمكتبة تحافظ على دورها المرجعي

عند سؤال الطلبة عن المصدر الذي يفضلونه لأغراض الدراسة والبحث، برزت المصادر الرقمية بوصفها خيارًا عمليًا لدى كثيرين، خصوصًا في ظل تعدد المهام الأكاديمية وضيق الوقت. فسهولة الوصول إلى المعلومات وسرعة الحصول على الإجابات من أبرز الأسباب التي تدفعهم إلى تفضيلها.

وأوضح أحد الطلبة أنه يلجأ إلى المصادر الرقمية بسبب اشتغاله بالمهام المتعددة ورغبته في إنجازها ضمن وقت مناسب، فيما رأى آخر أن هذه المصادر تتيح الوصول إلى المطلوب بسرعة أكبر مقارنة بالبحث عن الكتب داخل المكتبة.

غير أن هذا التفضيل لا يعني الاستغناء التام عن المصادر المكتبية؛ إذ أظهرت الإجابات أن عددًا من الطلبة يتعاملون مع المصدر على وفق طبيعة المهمة والهدف منها. فقد أشار أحدهم إلى أنه يستخدم المصادر الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي للوصول السريع إلى الأفكار الرئيسة وإعداد الملخصات الأولية، لكنه يعود إلى مراجع المكتبة عند الحاجة إلى توثيق أكاديمي دقيق أو معلومات علمية متخصصة.

وأوضح طالب آخر أن اختياره يتوقف على طبيعة السؤال والوقت المتاح؛ فإذا كان المطلوب إجابة سريعة عن سؤال بسيط، اتجه إلى المصادر الرقمية، أما إذا كان الأمر يتعلق ببحث يتطلب التعمق، فإنه يفضل الاستعانة بالكتب لضمان صحة المعلومات.

وتشير هذه الآراء إلى أن العلاقة بين المكتبة والمصادر الرقمية ليست بالضرورة علاقة تنافس أو استبعاد متبادل؛ إذ يمكن لكل منهما أن يؤدي دورًا مختلفًا ومتكاملًا في رحلة البحث. فالمصادر الرقمية تتيح الوصول السريع إلى المعلومات، فيما تظل المراجع الأكاديمية مهمة للتوسع والتحقق والتوثيق.

 

كيف يتحقق الطلبة من صحة المعلومات؟

مع تزايد الاعتماد على الإنترنت وأدوات الذكاء الاصطناعي، تبرز مسألة التحقق من صحة المعلومات بوصفها أحد التحديات المهمة أمام الطلبة. وقد تنوعت الإجابات حول الأساليب التي يتبعونها للتأكد من موثوقية ما يصل إليهم.

فقد ذكر بعضهم أنهم يقارنون المعلومات بين مصادر متعددة، ويتحققون من هوية الكاتب والجهة الناشرة، ويهتمون بوجود التوثيق العلمي. وأكد آخرون أهمية الاعتماد على المصادر المعروفة والموثوقة منذ بداية البحث، بدلًا من الاستناد إلى معلومات منشورة عشوائيًا.

وفي هذا الإطار، رأى أحد الطلبة أن المكتبة تمثل مرجعًا أساسيًا يعود إليه عند الشك في معلومة ما، لما توفره من كتب ومراجع خضعت للمراجعة والتحكيم العلمي. في حين أشار آخرون إلى أهمية الرجوع إلى الكتب للتأكد من صحة المعلومات التي تقدمها أدوات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في الموضوعات التي تتطلب دقة علمية.

في المقابل، كشفت إحدى الإجابات عن صعوبة التحقق من المعلومات التي لم يسبق للطالب الاطلاع عليها في مصدر موثوق؛ إذ يلجأ أحيانًا إلى إعادة صياغة السؤال أو البحث عنه في منصات رقمية متعددة، وعندما يجد اختلافًا بين الإجابات، تزداد شكوكه ويدفعه ذلك إلى الرجوع إلى المكتبة.

وتبرز هذه الآراء أهمية تعزيز مهارات التحقق من المعلومات لدى الطلبة، بحيث لا يقتصر استخدام الأدوات الرقمية على الوصول إلى الإجابة، بل يمتد إلى تقييمها وفحص أدلتها ومصادرها. وتتيح للمكتبة الجامعية أيضًا فرصة أوسع للإسهام في نشر الوعي بالمصادر الأكاديمية، وطرق التوثيق، والاستخدام المسؤول لأدوات الذكاء الاصطناعي.

 

 

لو أُغلقت المكتبة... ماذا سيفتقد الطلبة؟

عندما انتقل الاستطلاع إلى الجانب الأكثر ارتباطًا بالتجربة الشخصية، وُجّه إلى الطلبة سؤال افتراضي عن أول ما سيفتقدونه إذا أُعلن إغلاق مكتبة الجامعة نهائيًا. وهنا ظهرت اختلافات لافتة بين من يرى أن المحتوى الرقمي قادر على تعويض الكتب، ومن يربط المكتبة بقيمة علمية ومكانية وشخصية تتجاوز محتوياتها.

فقد عبّر أحد الطلبة عن رغبته في الاحتفاظ بكتاب تراثي أو مرجع نادر مرتبط بتخصصه، أو بمؤلَّف رافقه في ساعات البحث والتحضير؛ لما يحمله من قيمة علمية وذكريات مرتبطة بالسنوات الجامعية. وأشار طالب آخر إلى أهمية الكتب الدينية الورقية، نظرًا إلى أن النسخ الرقمية المتاحة منها ليست جميعها موثوقة بالقدر نفسه.

كذلك أكد بعض الطلبة أنهم سيفتقدون الكتب والمراجع العلمية المرتبطة بتخصصاتهم، فيما ركز آخرون على أهمية المكتبة بوصفها مكانًا هادئًا للدراسة والتركيز وإنجاز الأبحاث.

في المقابل، لم يرَ بعض المشاركين أن إغلاق المكتبة سيمثل خسارة كبيرة بالنسبة إليهم؛ إذ أشاروا إلى توافر الكتب والمعلومات في نسخ إلكترونية، بينما أجاب آخرون بأنهم لا يملكون شيئًا محددًا قد يرغبون في أخذه معهم.

ويكشف هذا التباين عن اختلاف طبيعة العلاقة التي تربط الطلبة بالمكتبة؛ فبالنسبة إلى بعضهم، تمثل مستودعًا للمعلومات يمكن الوصول إلى كثير منها رقميًا، بينما ترتبط لدى آخرين بتجربة تعلم متكاملة، تجمع بين المرجع العلمي والهدوء والتركيز والذكريات الشخصية.

 

 

 

ماذا يريد الطلبة من مكتبة الجامعة مستقبلًا؟

لم تقتصر آراء الطلبة على تقييم واقع المكتبة، بل امتدت إلى طرح تصورات عملية لما يمكن أن تقدمه مستقبلًا حتى تظل جزءًا أساسًا من تجربتهم الجامعية في عصر الذكاء الاصطناعي.

وكان تطوير الخدمات الرقمية من أبرز المقترحات؛ إذ دعا بعض الطلبة إلى توفير مكتبة إلكترونية حديثة تضم مصادر متنوعة، وتتيح البحث عن الكتب والوصول إليها بسهولة. واقترح أحدهم توفير جهاز لوحي يساعد الطالب على تحديد موقع الكتاب داخل المكتبة؛ بإظهار الرف الذي يوجد فيه، بما يختصر الوقت والجهد.

وذهب أحد المشاركين إلى تصور أكثر تكاملًا، يتمثل في تحويل المكتبة إلى مساحة تفاعلية تجمع بين أصالة الكتب وخدمات التقنية الحديثة، من طريق منصات بحث رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تساعد الباحثين على الوصول إلى المراجع المناسبة، إلى جانب ورش عمل ومساحات للتعاون تجمع بين القراءة التقليدية والأدوات الرقمية.

وعبّر عدد من الطلبة عن رغبتهم في توفير أدوات ذكاء اصطناعي ومصادر رقمية حديثة، مع تنظيم برامج تدريبية تساعدهم على استخدامها بطريقة صحيحة وموثوقة. ويشير ذلك إلى أن تطلعاتهم لا تتعلق بتوفير التقنية فحسب، بل تشمل أيضًا اكتساب المهارات اللازمة للاستفادة منها في الدراسة والبحث.

وفي جانب آخر، ركزت مقترحات الطلبة على البيئة المكانية للمكتبة؛ فطالبوا بتوسيع مساحات الدراسة والقراءة، وتوفير أماكن هادئة ومقاعد ومكاتب تستوعب أعدادًا أكبر، إلى جانب الحد من الإزعاج للمحافظة على بيئة مناسبة للتعلم.

ولم تغب اللمسات الشخصية عن الإجابات؛ إذ اقترح أحد الطلبة أن تهدي المكتبة كل طالب كتابًا في نهاية الفصل الدراسي، لتظل جزءًا جميلًا من ذاكرته الجامعية. وفي اقتراح طريف، تمنى آخر وجود أشخاص يتولون البحث نيابة عنه، في إشارة إلى رغبته في تسهيل الوصول إلى المعلومات وتقليل الجهد المبذول في البحث.

وتوضح هذه المقترحات أن الطلبة لا يتطلعون إلى مكتبة أكثر تطورًا من الناحية التقنية فحسب، بل إلى فضاء جامعي يجمع بين سهولة الوصول إلى المعرفة، وجودة الخدمات، وراحة المكان، والتفاعل الإنساني.

 

مكتبة المستقبل... تكامل لا استبدال

تكشف إجابات الطلبة عن أن الذكاء الاصطناعي والمصادر الرقمية أعادا تشكيل عادات البحث والتعلم، لكنهما لم يلغيا الحاجة إلى المكتبة لدى جميع الطلبة. فهناك من يفضل السرعة والسهولة، ومن يتمسك بالمصادر الأكاديمية الموثوقة، ومن يجمع بين الخيارين بحسب طبيعة المهمة والوقت المتاح.

وتوضح الإجابات أن قيمة المكتبة لا تنحصر في الكتب التي تضمها، بل تمتد إلى دورها في توفير بيئة مناسبة للتعلم، ومساعدة الطلبة على الوصول إلى المراجع المتخصصة، وتنمية قدرتهم على التحقق من المعلومات. وفي الوقت نفسه، تكشف المقترحات عن حاجة إلى خدمات رقمية أكثر تطورًا، ومساحات دراسية أفضل، وبرامج تدريبية تواكب التحولات التقنية.

ومن هنا، قد لا يكون التحدي الذي تواجهه المكتبة الجامعية اليوم هو منافسة الهاتف أو محركات البحث أو أدوات الذكاء الاصطناعي في سرعة تقديم الإجابات، بل إعادة تعريف دورها بما يتناسب مع احتياجات الطلبة المتغيرة؛ بحيث تصبح مساحة تجمع بين سهولة الوصول إلى المعلومات، وموثوقية المعرفة، وعمق البحث، والتعلم المستمر.

ففي عصر تتزايد فيه الإجابات المتاحة، تظل الحاجة قائمة إلى من يساعد الطلبة على التمييز بين المعلومة الصحيحة والخاطئة، وبين الإجابة السريعة والمعرفة المتعمقة. وربما هنا تحديدًا تتجلى فرصة المكتبة الجامعية لتؤكد حضورها المتجدد: ليس بوصفها بديلًا عن العالم الرقمي، بل شريكًا في استخدامه بوعي، وتحويل وفرة المعلومات إلى معرفة راسخة.

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة