السنة 21 العدد 202
2026/10/22

أسواقنا بين الهوية الوطنية والتحديات الاقتصادية

 

كتب: الدكتور علي السيفي

طالب ماجستير في تخصص إرشاد وتوجيه 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[ الأنفال: 27]
يسأل الشايب خلفان: هل نملك أسواقنا حقاً، أم أننا مجرد مستهلكين في مستعمرات تجارية تديرها عمالة وافدة؟ قد يبدو هذا السؤال صادماً؛ لكنه يعكس الحقيقة المرة فيالتحول الجذري الذي طرأ على سوق حارته بين الأمس واليوم، مستذكراً حقبة قبل أربعة عقود؛ حينما كان السوق ينبض بالهوية العمانية، ويُدار بالكامل بأيدي الأجداد والآباء وأبناء البلد الذين جسدوا في بيعهم قيم الأمانة والسماحة، وكانت البضائع المعروضة نتاجاً خالصاً للأرض والبحار والمشغولات اليدوية التقليدية.

 

أما اليوم، فيقف شاهداً على غزو العمالة الوافدة التي باتت تدير مفاصل الخدمات والبيع والشراء، وسط فيضانات البضائع المستوردة التي فتكت بالمنتج المحلي، ليتحول السوق من ملتقى اجتماعي دافئ لأهل الحارة إلى مركز تجاري غريب مادي بحت، غابت عنه الوجوه المألوفة وحلت ثقافات غريبة بددت ملامح السمت الأصيل للمكان. وذات مساءٍ والشايب خلفان يفكر ويسأل نفسه، إنك يا خلفان غريب في دارك، وحارتك القديمة لم تعد تشبهك؛ لقد ابتلعتها العمالة الوافدة بالكامل، والشوارع التي نشأت فيها تبدلت هويتها، واللغات المستوردة أصبحت الأصل في التخاطب، والعربية غدت استثناء، وسط سيطرة مطلقة على مفاصل التجارة والخدمات اليومية، وكأنك عبرت حدود دولتك دون جواز سفر، لتعيش مغترباً داخل حدود وطنك! وأسئلة كثيرة تدور في ذهنه لم يجد لها على جواب شاف.

 

قرر الشايب خلفان أن يأخذ جولة في أحد المحلات الكبرى، عندها بدأ يتفحص البضائع المعروضة على الأرفف بعين فاحصة … صُدم بواقع مرير يتلخص في أن نحو تسعين بالمئة من السلع المنتشرة في المحل تنتمي لبلد واحد، بلد العامل الوافد نفسه الذي يقف بعيداً خلف الستار، بينما العشرة بالمئة المتبقية ما هي إلاَّ خدعة تجارية كبرى تدور في فلك التغليف المستعار عبر دول وسيطة. هذه المشاهدة الواقعية والدقيقة تفتح الملف المنسي في أسواقنا، وتكشف كيف تحولت التجارة المستترة من مجرد مخالفة قانونية عادية إلى شبكات غازية احتكارية، تنافس المواطن وتسيطر على اللقمة، وتتحكم في مفاصل التجارة. إن ما رصده الشايب خلفان ليس مجرد مصادفة عابرة أو حالة فردية، بل نظام اقتصادي محكم، ترعى فيه العمالة الوافدة خلف الستار عبر ما يُعرف بالشبكات المغلقة تحت غطاء الاستثمار.

 

وتبدأ خيوط الشبكة العنكبوتية من البلد الأصلي بشراء البضائع بأسعار زهيدة جداً عبر سلسلة تجارية، لتُشحن عبر شركات النقل يديرها أبناء الجالية نفسها، حتى تستقر في نهاية المطاف على أرفف المحلات المحلية. وهذا الاحتكار الشامل يمنح هذه العمالة هوامش ربح فاحشة نتيجة إلغاء أي وسيط محلي، والاعتماد على قنواتهم الخاصة، وفي الوقت ذاته يتسبب في إقصاء شرس للمواطنين، ويصبح من شبه المستحيل على التاجر العماني أو المبتدئ اختراق هذه الشبكة أو الحصول على بضائع بنفس أسعار التكلفة المنافسة.

 

أما المفاجأة الأكبر في رصد الشايب خلفان فكانت تلك النسبة الضئيلة من البضائع التي تحمل أسماء دول أخرى تبدو للمستهلك وكأنها بضائع متنوعة، بينما هي في حقيقة الأمر تقع تحت طائلة التعبئة الالتفافية أو ما يعرف بإعادة "التغليف الذكي". وتلجأ هذه العنكبوتيات إلى استيراد المنتجات رديئة الصنع أو المواد الخام من بلدانهم الأصلية، ثم شحنها إلى دول وسيطة لإعادة تعبئتها وتغليفها هناك، لتخرج هذه السلع بحلّة جديدة تماماً، ذات علامات تجارية مستعارة توحي للمستهلك بالهوية العربية ذات الجودة العالية. ويهدف هذا التلوي إلى التهرب الجمركي والالتفاف على القيود المفروضة على السلع. ويشير "علم نفس المستهلك" أنَّ هذا الالتواء يهدف إلى تحقيق التخدير النفسي للمستهلك وكسب ثقته، الذي قد يشعر بالريبة والنفور إذا وجد أن كل ما في المحل يأتي من منشأ واحد يسيطر عليه العامل نفسه.

 

استنكر الشايب خلفان وأسرع لجاره وصديق عمره خميس بن جمعة وأخبره بالسالفة. في حين، يضيف الوالد خميس بن جمعة في سياق ذلك بقوله يا صديق عمري إنَّ القبول بهذا الوضع واستمراره يعني الاستسلام لنزيف اقتصادي صامت يهدد الأمن التجاري والسيادة الاقتصادية للبلاد، إذ يتسبب هذا الوضع في تهريب السيولة عبر تحويلات مليونية تُرحّل جُل أرباحها ومبيعاتها فوراً إلى الخارج، بدلاً من إعادة تدويرها واستثمارها داخل البلد لتنشيط الحركة الاقتصادية والاجتماعية والحيوية، وهذا السلوك يمثل تحدياً اقتصادياً حقيقياً يُعرف في الفكر المالي والتمويلي بـ "الانحياز للمنتج الأجنبي" على حساب الاقتصاد المحلي. وهذا التغلغل يؤدي إلى إعدام الهوية والمنتج الوطني، وهذه المحلات تفضل عرض منتجات بلدها وتهميش السلع المحلية، مما يحرم المصانع والمزارع المحلية من منافذ البيع الحيوية ويحكم عليها بالموت البطيء، فضلاً عن فرض نمط استهلاكي واحد يجبر المستهلك على شراء ما تفرضه رغبات ومصالح العمالة الوافدة وتوجهاتهم التي تدير المشهد بالكامل.

 

وأظهرت إحصاءات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، أن الهند تمثل ثاني أكبر شريك تجاري واستيرادي لسلطنة عُمان، إذ بلغت قيمة الواردات العُمانية منها قرابة (1.077 مليار ريال عُماني) مدفوعةً بالنمو المتسارع وزيادة حجم التبادل التجاري، مدعوماً باتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPA) التي تمنح المنتجات إعفاءات جمركية كاملة بنسبة 100%، وتحظى بالحصة الأكبر في سوق المواد الغذائية بالسلطنة عبر التبادل السلعي الذي يتراوح شهرياً بين 69 و122 مليون ريال عُماني، بل يمتد إلى قطاع الاستثمار المباشر بوجود أكثر من 6000 مشروع استثماري مشترك داخل المناطق الحرة والموانئ العُمانية. ويرافق هذا الاستثمار التملك الأجنبي بنسبة تصل إلى 100%، وتقديم برامج الإقامة الطويلة للمستثمرين. قرر الوالدان خلفان وخميس الذهاب إلى محمد، وهو أحد أبناء الحارة الدراسين في الخارج، الذي أنهى الدراسات العليا في مجال العلوم السياسية والاقتصاد ولم يرزق بوظيفة حتى الآن. ويشير الباحث عن عمل محمد، إلى أن التجربة الهندية تعد أنموذجاً عالمياً استثنائياً في كيفية تحويل الجالية المغتربة، التي تُعد الأكبر عالمياً بأكثر من 32 مليون مغترب إلى قوة تسويقية واستيرادية ضخمة لصالح المنتجات الوطنية والاستثمارات في الخارج واستخدام الإنتاج المحلي؛ ونجحت التشريعات في تحويل الجالية من مجرد مصدر للتحويلات المالية إلى "أصول جيوسياسية واقتصادية عابرة للحدود" وتحقيقاً لهذا الهدف، وظفت مزيجاً من المزايا القانونية المشروطة عبر نظام "مواطن هندي في الخارج" OCI لربط التسهيلات الاستثمارية بالولاء التجاري للوطن الأم، وعقدت تحالفات استراتيجية مع عمالقة التجزئة في الخارج لضمان هيمنة المنتج الوطني على أرفف المتاجر العالمية، وتكاملت هذه الجهود مع تفعيل سياسات تجارية رقمية حديثة، مما أدى في النهاية إلى تأسيس شبكة اقتصادية متكاملة تضمن التدفق في مختلف أسواق العالم بقوة وثبات.

 

ويضيف الوالد خميس بن جمعة إن مواجهة هذا التغلغل لم يعد ترفاً، بل معركة بقاء حقيقية لاسترجاع أسواقنا وحماية مستقبل أحفادنا، وهذه الظاهرة تتطلب تحركاً حاسماً  كغيرها من الظواهر الدخيلة على الوطن، عبر تفعيل الرقابة الصارمة وتكثيف الحملات التفتيشية واستخدام التقنيات الحديثة لتتبع التدفقات المالية للمحلات. ويتطلب الأمر دعم التاجر العماني، وفرض إلزامية للمنتج الوطني تحدد نسباً عالية لعرض السلع المحلية في كافة المحلات، يرافقها توظيف المواطنين في هذه المؤسسات بنسب توازي قيمة الاستثمار والإنتاج، بالتزامن مع صناعة وعي استهلاكي مقاوم يتحول فيه كل مواطن إلى مفتش ذكي، كما فعل الشايب خلفان وصديقه خميس بن جمعة بقرع ناقوس الخطر، وذلك بقراءة بلد المنشأ بدقة، ومقاطعة الاستيراد المحارب للهوية الاقتصادية لوطنه. ويضيف محمد، لتقليل تداعيات هذه المشكلة، علينا دعم وتطوير المنتج المحلي، وتقديم الحوافز المالية للتاجر العماني، يرافقها الإعفاءات الضريبية وخفض أسعار الطاقة والخدمات اللوجستية للمناطق الصناعية لرفع تنافسية المنتج الوطني، وإلزامية المشتريات الحكومية المطلقة للمنتجات والخدمات المحلية في كافة المناقصات والمشاريع العامة. وفي المقابل علينا رفع الرسوم الجمركية، عبر تعرفة جمركية عالية على السلع المستوردة التي تمتلك بديلًا محليًا مناسبا، وتحديد النسب المسموح بدخولها، مع تطبيق معايير جودة صارمة، وفرض غرامات وضرائب تعويضية على الدول التي تبيع منتجاتها بأسعار أقل من تكلفتها الحقيقية. علما أن استرجاع السيطرة على الأسواق العمانية لا يقتصر على القوانين والتشريعات الحكومية فحسب، بل قضية وعي مجتمعي متكامل، فإما أن نكون شركاء في بناء الوطن والذود عنه واقتصاد مستدام، أو نرتضي لأنفسنا أن نكون مجرد ممولين لسلاسل الإمداد، التي تحارب الوطن والمواطن، وتغترب بهويتنا وأموالنا خارج الحدود!

 

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة