صناعة القرارات في المؤسسات الناجحة
سالم بن علي الهنائي
عندما نتكلم عن صنع القرار في مؤسساتنا أو في واقعنا اليومي، فإن الحديث يتجه إلى زوايا عديدة قد يتفاوت فهمها من قبل صانعي القرار ومتخذيه ومتلقيه. لكن واقع الحال يقول إن عملية صنع القرار هي عملية ضرورية جدا، وهي إجرائية ممنهجة ومبنية على أسس علمية ومهارية أساسها البيانات الصحيحة والمعلومات الدقيقة التي تفند المشكلة وتشخّصها بطريقة تجعلها مكشوفة وواضحة تقود إلى صنع قرار نافذ يؤدي إلى حل المشكلات وتفاديها والوقاية من حدوثها مستقبلا.
وقد نلاحظ أن بعض القرارات لا يكتب لها النجاح، بل تؤدي إلى انتكاسات مدمرة على مستوى الحكومات والمؤسسات والأفراد؛ وذلك لأن عملية صنع القرار لم تبنَ على أسسها ومنهجياتها الصحيحة، بل استفرد متخذوها بآرائهم وقناعاتهم غير مكتملة البناء، وهذا بدوره يشكل خللا في النمط القيادي والتنظيمي الذي تنتهجه هذه المؤسسات أو الحكومات، فلا يصح أن تعطى صلاحية اتخاذ القرارات إلى مسؤول بعينه، بل يجب أن تسند إلى المنظومة المؤسسية المتكاملة من حيث الهيكلة والتشريع القانوني والتطبيق العملي؛ لذلك لابد من معرفة مراحل صنع القرار وما يدور حولها من معطيات تفاديا لأي إخفاق أو زلل، وهذا ما سنعرضه في هذا المقال.
ما القرار؟
ربما يتم تعريف القرار بطرق عدّة حسب معطياته وأهدافه ودوافعه، ولكن في مجملها هي العزم على اتخاذ طريقة أو آلية معينة للوصول إلى أهداف معينة في وقت معين بعد المفاضلة بين خيارات عدة متاحة في ذلك الحين. وهنا يستوقفني حوار قديم دار بيني وبين الرئيس السابق لماليزيا، الدكتور مهاتير محمد، الذي يعد من القيادات النموذجية في عصرنا الحديث، إذ قال لي إن من أسهل الأمور أن تتخذ أي قرار، ولكن من أصعب الأمور أن تتمكن من تطبيق هذا القرار وتنفيذه بالطريقة التي تحقق لك الأهداف وتضمن لك النتائج. عليه فإن ما يسبق أي قرار من تفنيد وتحليل وجمع للبيانات يسهم بشكل كبير في انسيابية اتخاذ القرار وتنفيذه بشكل مرضٍ لجميع الأطراف.
مراحل اتخاذ القرار
تبدأ مراحل صنع واتخاذ أي قرار بالاعتراف بالمشكلة التي ينبغي أن تحل من خلال هذا القرار، وتشخيصها وتحليلها بجمع كل ما يتعلق بها من بيانات ومعلومات، مع مراعاة استخدام نماذج وأساليب دقيقة في ذلك. إذ إن دقة البيانات والمعلومات ضرورة أساسية تؤثر مباشرة في جودة القرار ومدى ملاءمته لحل تلك المشكلة والتخلص منها. كما أن تحليل هذه البيانات من خلال المقارنات والإثباتات الدقيقة والتأكد من مرجعيتها وأصولها تجعلها وسيلة فعالة لصنع القرار وتجويده. على أن تحليل هذه البيانات سيفرز خيارات عديدة يمكن تبنيها واستخدامها لتفنيد نوع ومراحل القرار المتخذ، وربما يؤدي إلى وضع بدائل عدة يمكن اتخاذها حسب مراحل ونتائج كل إجراء ينتج من جراء القرار المتخذ. وهنا لابد أن نشير إلى أنه يجب إشراك جميع من له علاقة من أفراد أو جماعات أو وحدات في حكومات أو مؤسسات ولا يتفرد بعض المتفيقهين وأصحاب النفوذ في ذلك، إذ إنه ليس من المعقول أن يكون هناك أفراد لديهم معرفة ومهارة تشمل كل هذه المراحل. كما أن المختصين في الوحدات المختلفة والمجتمع بوجه عام لديهم خبرات ومعلومات ومهارات تراكمية لا يمكن تجاهلها في عملية صنع واتخاذ أي قرار.
بعد هذه المراحل سيكون من السهل الشروع في تصميم وإخراج القرار المطلوب بالصورة التي يتصورها جميع من أسهم فيه، بحيث يسهل عليهم تنفيذه ومتابعته ورعايته بالصورة التي تضمن الوصول إلى الأهداف المرجوة لحل المشكلة، مع الأخذ في الاعتبار أن يصاحب ذلك معايير قياسية يتم وضعها بصورة تؤدي إلى مراقبة مراحل تنفيذ القرار ومعايرته حسب إفرازات ومعطيات كل مرحلة. علما بأن المرونة في أي قرار يتخذ يعد ضرورة ملحة في عصرنا الراهن، إذ إن المتغيرات سريعة ومتلاحقة ويمكن أن تؤثر مباشرة في جميع مراحل صناعة واتخاذ وتنفيذ أي قرار.
ثم تأتي بعد ذلك مرحلة التقييم والمعايرة التي ينبغي أن تكون مستمرة وتقدم تغذية راجعة تسهم في اتخاذ قرارات تصحيحية أو بديلة كلما دعت الحاجة إلى ذلك. إذ إنّ عملية اتخاذ وصنع القرارات ديناميكية ومستمرة حسب المتغيرات الاستراتيجية والتشغيلية والسياسة والبيئية والمجتمعية، وغيرها من العوامل التي تؤدي إلى تأثير مباشر أو غير مباشر على المؤسسات والمجتمعات والأفراد.
مواصفات القرارات الناجحة
من أنجح القرارات التي يمكن أن تحقق نتائج إيجابية تسهم في الوصول إلى الأهداف المرجوة هو أن تكون هذه القرارات قابلة للتطبيق وتتناغم مع حجم الموارد المتوفرة والمطلوبة، وتدور في نطاق حل المشكلة المستهدفة فقط. كما أنها ينبغي أن تكون مرنة بحيث يمكن أن تتواءم مع المتغيرات المباشرة وغير المباشرة بكل انسيابية، مع إمكانية احتواء العواقب السلبية إن وجدت، بحيث لا تفرز مشاكل مستقبلية وتسمح في استمرارية النمو الحتمي للمؤسسات والأفراد. على أنه يمكن القول إن مجمل القرارات التي لا يكتب لها النجاح سببها أنها لم تتبع المنهجيات السليمة في بنائها وصياغتها واتخاذها ولم تتبع الأساليب المؤسسية والتشاركية المتكاملة؛ وذلك لتسلط بعض القيادات التي تتبنى أنماط قيادية تعسفية لا تؤمن بالتشاركية والعمل الجماعي. لقد انهارت الكثير من المؤسسات الناجحة وتلاشت بسبب الأنماط القيادية غير الواعية، بل وتساقطت حضارات على مر التاريخ، مثل حضارة الفراعنة عندما تسلط فرعونها على الخلق وتكبر حتى على خالقه، فكانت قراراته مدمرة له ولكل من تبعه، رغم أن المؤشرات التي حوله كانت تنذره بعواقب ما يفعل، ولكن غروره المفرط جعله يعمى ويصم عن كل ذلك، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
إن ما تعاني منه بعض من مؤسساتنا في الوقت الراهن هو التسرع والاستبداد في اتخاذ القرارات، رغم أن منظومة التخطيط والحوكمة في هذه المؤسسات تعمل جاهدة على تجويد مراحل صنع واتخاذ القرارات، ولكن من يملكون سلطة اتخاذ القرار يأبون إلا أن تكون لهم رؤية مغايرة، معتمدين على ما يعتقدون أنهم يمتلكونه من معارف ومهارات قد تكون في مجملها منتهية الصلاحية أو تعتمد على نمط عاطفي في إدراك مجريات الأمور دون الالتفات إلى ما تقدمه المدارس القيادية والإدارية من منهجيات وآليات حديثة سهلت على صناع ومتخذي القرار الكثير من الجهد وعناء التفكير.
الحياة مليئة بالقرارات المتنوعة في الشكل والمضمون، ولكنها متفاوتة في التأثير والنتائج حسب أهدافها ونطاقها الذي حدد لها، وقد سخر للإنسان ما يحتاجه من معارف ومهارات وقيم تجعله يتعامل ويستخدم هذه القرارات حسب نوعها وحاجتها ووقتها. فكل ما عليه هو أن يعي منهجيات وطرق صناعة واتخاذ هذه القرارات وتطبيقها حسب مواضعها وآلياتها، ولا يعتمد على قدراته الشخصية وتقديراته العاطفية، فإن النتائج في بعض الأحيان تكون كارثية وآثارها مصيرية على المؤسسات والمجتمعات والأفراد.