من رحلة التكوين العلمي إلى أسئلة الأديان والمعرفة ...
سيرةُ علمٍ وأسئلةُ فكر تتجلى موضوعًا للبحث والتمحيص لتناقش تاريخ الأديان ومفهوم الوحي
حاوره: محمد الإسماعيلي
ليست الشخصيات العلمية مجرد سيرٍ تُروى، ولا مساراتٍ أكاديمية تُقاس بالشهادات والبحوث والمؤلفات؛ إنها حكايات تشكّل الوعي، ورحلاتٌ تتعاقب فيها الأسئلة وتتسع بها آفاق المعرفة، حتى يغدو العلم رسالةً تتجاوز حدود التحصيل إلى فضاء التأثير والإسهام. ومن هذا المنطلق، نفتح في "شخصية العدد" نافذةً على تجربة علمية وفكرية للدكتور راشد بن علي البلوشي، نستعيد منها البدايات الأولى التي أسهمت في تكوين شخصيته، والمحطات التي صاغت مساره العلمي، والتجارب التي راكمت خبرته البحثية والأكاديمية، وصولًا إلى رؤيته للعلم ووظيفته في بناء الإنسان وصناعة المعرفة.
ويأتي هذا الحوار متزامنًا مع صدور كتابه الجديد "هل اليهودية والنصرانية ديانتان سماويتان؟"، الصادر عن مكتب النشر بجامعة نزوى، وهو عملٌ يطرق بابًا من أبواب البحث الديني والفكري، مستحضرًا أبعادًا شرعية ولغوية وتاريخية، ومثيرًا أسئلةً تتصل بمفهوم الوحي، وتاريخ الأديان، وقضايا النسخ والتحريف والتبديل، وما تقتضيه معالجتها من استقراءٍ للنصوص والآراء، وموازنةٍ بين الدليل والنظر والمقارنة. ولا نقف في هذا اللقاء عند حدود الكتاب وموضوعه فحسب، بل نتجاوزهما إلى ما وراء العمل من أسئلةٍ ودوافع، وما يكشف عنه من ملامح المشروع العلمي لصاحبه، وصلته بتراكماته المعرفية واهتماماته البحثية.
ومن سيرة البدايات إلى رحاب الجامعة، ومن تجربة البحث والتأليف إلى تحديات الحياة الأكاديمية، ومن أسئلة الفكر الديني إلى تحولات المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي، نمضي مع ضيفنا في حوارٍ يستكشف ملامح التجربة ومرتكزات الرؤية، ويتوقف عند الإنجازات والتحديات والقيم التي تمنح المسيرة معناها، قبل أن ينتهي إلى سؤال المستقبل: كيف يصنع طالب العلم لنفسه مكانًا في عالمٍ تتسارع فيه المعلومات، ولا تزال فيه الحاجة ماسةً إلى العقل الناقد، والباحث المستقل، والمعرفة الرصينة؟
إنه حوارٌ لا يستهدف استعادة محطات المسيرة فحسب، بل يسعى إلى الاقتراب من الإنسان وراء الباحث، ومن الفكرة وراء الكتاب، ومن الرسالة التي يحملها العلم حين يتحول من جهدٍ فردي إلى أثرٍ معرفي ومجتمعي ممتد.
لكل شخصية علمية جذورها الأولى التي أسهمت في تشكيل وعيها وتكوينها؛ حدّثنا عن نشأتكم، وبيئتكم الأسرية والاجتماعية، وأبرز المؤثرات التي أسهمت في بناء شخصيتكم العلمية والفكرية؟
كان للتنافس مع زملائي ومع أخي الأكبر وكذلك لتشجيع الوالدين تأثير كبير في تفوقي الدراسي. كانت جدتي تردد البيت القائل "تعلم يا بني ولا تبالي فإن العلم سلطان الرجال". وكذلك كان لشخصية السلطان قابوس، طيَّب الله ثراه، المتطلعة دائما إلى الأفضل والساعية لخير الإنسان، في عمان وخارجها، تأثير إيجابي في شخصيتي.
من البدايات المدرسية إلى التكوين الجامعي ثم الدراسات العليا، كيف تشكّل مساركم العلمي؟ وما المحطات التي ترون أنها أسهمت بصورة خاصة في توجيهكم نحو البحث الأكاديمي والاشتغال العلمي؟
الولادة الفكرية الأولى كانت في رحاب المؤسسة العلمية الأم، جامعة السلطان قابوس، من خلال التأثر بالأساتذة وكذلك التنافس مع الزملاء والرغبة في التبحر في مجال اللغويات، وهو أهم الأسباب التي دفعتني إلى التخلي عن وظيفة المترجم في ديوان البلاط السلطاني. وأما الولادة الفكرية الحقيقية فقد كانت بسبب موقفٍ في الفصل الثالث من برنامج درجة الماجستير في جامعة فلوريدا، إذ كان له تأثير السحر في إدراكي لطبيعة دور طالب العلم، فعقله ليس سلة يضع فيها الأساتذة العلوم والمعارف، وإنما هو جهاز فهم وتحليل ونقد وحل للمشكلات. الموقف: بعد أحد الامتحانات التي احتوت بعض الأسئلة وكان للطالب أن يختار بعضا منها للإجابة عنه، سألت زملائي عن الأسئلة التي اختاروا الإجابة عنها، وتفاجأت عندما قالت إحدى زميلاتي الأمريكيات أنها اختارت أن تقدم إجابة للسؤال الذي تفاديته أنا، قائلاً: "ولكن ليس في منهج المقرر أو في المحاضرات شيء عن موضوع ذلك السؤال"، فكان ردها: "هُم لا يريدون أن يعرفوا إن كان لدينا إجابة لذلك السؤال، وإنما يريدون أن يعرفوا إذا كان باستطاعتنا التوصل إلى إجابة من خلال معارفنا العامة في المقرر وكذلك من خلال المهارات البحثية التي سعى المقرر إلى تطويرها فينا". عندها أدركت أنه ثمة فرق شاسع بين "الطالب" و "المتعلم". الطالب يقرأ ويحفظ ويحصل على الدرجات النهائية، ولكن المتعلم يقرأ ويحلل وينقد ويحل المشكلات، وهو ما يوصل إلى الإبداع.
حين نقترب من شخصية الباحث والأكاديمي، نجد وراءها تراكمًا من القراءات والتجارب والأسئلة؛ فكيف تصفون تكوينكم البحثي والأكاديمي؟ وما أبرز مجالات اهتمامكم ومشروعاتكم العلمية التي شغلتكم خلال مسيرتكم؟
كما تفضلتم في السؤال، فإن التكوين البحثي والفكري لا يكون إلا نتيجة لتراكم المعارف والخبرات والتجارب، من خلال القراءات وكذلك من خلال التأثر بالأساتذة والرموز العلمية. طلب العلم بحق يتطلب تخفيف عنصر "الأنا"، فالمتعلم الحقيقي يجد نفسه دائما قليل العلم والمعرفة وإن كتب الأبحاث وألَّف الكتب، فكلما زادت معرفة المتعلم في مجال ما، زاد معها إدراكه بما ينقصه وبما يتوجب عليه فعله لكي يتعلمه. أنا أُرجع الفضل الكبير فيما وصلت إليه لله تعالى وحده، ليس فقط لأنه وفقني في دراستي وأبحاثي؛ ولكن لأن معظم أبحاثي تحاول تقديم إجابات لأسئلة شخصية لي أنا، سواء في الدين أم اللغة أم التربية، وهو ما أدى بها لأن تخرج بصدق وإتقان قدر الإمكان.
ارتبط اسمكم بجامعة نزوى من خلال حضوركم العلمي وإسهاماتكم البحثية، كيف تستعيدون أبرز المحطات والذكريات التي تركت أثرًا في مسيرتكم، وما البصمات التي تعتزون بأنكم تركتموها في هذه المؤسسة العلمية؟
لقد كان أول ما صدر لي عن جامعة نزوى بحث عن التركيب الصرفي والنحوي لجملة الأمر في اللغة العربية نشر في مجلة الخليل للدراسات الأدبية واللغوية، والمشروع البحثي الثاني كان كتابي الأول (خلق الإنسان باحثاً) الذي أدركت منه متعة الإنجاز وكذلك نعمة القدرة الإلهية في التأثير الإيجابي وشرف الإسهام في المعرفة الإنسانية، وهذا هو المشروع الثالث، كتابي الثاني (هل اليهودية والنصرانية ديانتان سماويتان؟). وإنه لمصدر فخر لكل عماني أن يرتبط اسمه بمركز الخليل بن أحمد الفراهيدي وبجامعة نزوى الفتية. أرجو أن يقدر الله لي دوراً أكبر وأثراً أدوم في مسيرة جامعة نزوى العلمية والبحثية.
صدر لكم حديثًا عن مكتب النشر بجامعة نزوى كتابكم "هل اليهودية والنصرانية ديانتان سماويتان؟"، وهو عنوان يفتح سؤالًا يتصل بجوهر فهم الدين وتاريخه؛ ما الذي دفعكم إلى الاشتغال على هذه القضية، وما السؤال المركزي الذي أردتم أن يبحث عنه القارئ بين صفحات الكتاب؟
أوردت في الصفحة 14 من الكتاب حادثة مرور الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، براهب يتعبد، ثم بكاؤه رضي الله عنه عندما أدرك أن تعبده لن ينفعه في الآخرة ما دام على غير الشريعة المحمدية وأنه ذاهب إلى النار. وكلما تذكرت هذه الحادثة تسترجع ذاكرتي حال أساتذتي في أمريكا وكندا وأوروبا وكذلك حال الأكاديميين عموما في العالم، فهم يعملون برغبة صادقة دون كلل أو ملل في تطوير العلوم وكذلك يُعملون عقولهم في طلب العلم، وهو تحقيق لشرف الاستخلاف في الأرض ولتمكين الإنسان بالعقل (ويقومون بذلك بطريقة أفضل منا نحن العرب والمسلمون، والشاهد هو تفوقهم العلمي والتكنولوجي)، ولكنهم لا يدركون أنهم على خطأ بشأن توجههم إلى الله تعالى وأنهم ذاهبون إلى النار، فقد وقعوا ضحية إلباس الحق بالباطل وكتم الحق، فأردت أن يكون لي نصيب من الخير في إرشادهم إلى السبيل التي يرتضيه الله تعالى وأن يدفعهم الكتاب إلى مراجعة قضية العقيدة والدين في حياتهم.
تناولتم في الكتاب القضية من مداخل شرعية ولغوية وتاريخية، واستقرأتم آراء العلماء، وتتبّعتم ما يتصل بالنسخ والتحريف والتبديل؛ ما المنهج الذي اتبعتموه في بناء هذا البحث، وكيف حاولتم الموازنة بين الدليل والنظر والمقارنة؟
في الحقيقة فإن منهجي البحثي في إعداد هذا الكتاب هو نفسه الذي أتبعه في أعمالي البحثية الأخرى، ويقوم على بعض المبادئ، منها أن كل ما لا يتصل بالوحي، أي بالقرآن والسنة، فيه نظر وأخذ ورد، وأن في آيات القرآن الكريم مجال واسع من التدبر والتأويل؛ وذلك لأنه كلام الخالق الحكيم العليم بحال البشر في مختلف العصور وأنه لم يُصَغ ليناسب عقلا واحداً أو مدرسة فكرية واحدة أو جيل معين من العلماء و "أنه لا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد" وأنه يمكن للعقل البشري أن يكتشف الجديد في آيته كلما أُعمِل فيها. ولذلك اختلفت مع بعض علمائنا ومشايخنا الأجلاء في بعض القضايا والموضوعات المتعلقة بالبحث كلما توفر الدليل على فهم آخر سواء أكان ذلك الفهم لآيات قرآنية أم لقضايا دينية أو شرعية أو لغوية.
إلى أي مدى يمثّل هذا الإصدار امتدادًا لمشروعكم العلمي والفكري؟ وهل يمكن أن نعدّه خلاصةً لتراكم من الأسئلة والقراءات والبحث، أم أنه فتح أمامكم أسئلة جديدة تتجاوز حدود الكتاب؟
في الحقيقة أنا أرى أن مشروعي ذو صبغة تربوية تعليمية أكثر من كونه مشروعاً علميا فكريا. فأنا لا أحاول الإجابة عن جميع الأسئلة المتوافرة، سواء أكان ذلك في اللغة أم في الدين؛ وذلك لأنه لا يمكن لأي إنسان أن يقدم إجابات لهذه الأسئلة، فهي كثيرة جداً ومنها ما يولد كل يوم بل كل ساعة. ولذلك فإني أرى أن دوري الأهم هو أولاً الإسهام في التأسيس لثقافة أن البحث ممكن وأن إعداد البحوث لا يتطلب أكثر من إمعان النظر والتفكر والتدبر وإعمال العقل (وهي أفعال يحثنا عليه القرآن الكريم) وثانياً الإعداد لجيل من الباحثين الأكفاء الذين يدركون دورهم الوطني والإنساني وهو أنهم عيون الوطن وعدسات الإنسانية، يبحثون عن الأسئلة ويجدون في طلب الإجابات عنها. يجب عليهم التحلي بالصبر والمثابرة وهم يعمِلون ملكات النظر والتفكر ومهارات التقييم والنقد والتحليل من أجل أن يسلِّموا هذا الوطن إلى جيل أفضل إعداداً وتمكيناً منهم.
حين ينظر الباحث إلى تجربته بعد إنجاز عمل علمي كبير، ماذا يرى؟ أين تضعون أبرز إنجازاتكم العلمية والعملية في مسيرتكم، وما الإنجاز الذي ترون أنه ترك أثرًا أعمق فيكم وفيمن حولكم؟
في الحقيقة فإنه كلما قدم الباحث أعمالاً أكثر ازدادت مسؤوليته وعظُم دوره، ونسأل الله أن يعييننا على هذه المسؤولية وأن يقدّر لنا من الأعمال ما يرتضيه ومن الإنجازات ما يعيننا على تحقيق رسالة العلم والتعليم. من المعلوم أني لست متخصصاً في الدراسات الدينية أو الشرعية، بل في الدراسات اللغوية، ولذلك فإن أهم الأعمال البحثية التي منحتني الثقة في القدرة على الإسهام في المعرفة الإنسانية هي رسالة الدكتوراة وكذلك أبحاثي اللغوية، وخصوصاً البحث الذي أقول فيه بأن الفعل "ظن" لا يتعدى إلى مفعولين، كما هو متعارف عليه، وإنما لمفعول واحد فقط. وبالطبع فإن الكتابين هما خلاصة التجربة، كل في موضوعه، سواء التعليم والتعلم أم القضية الدينية المركزية، ولكن لكل منهما جذوره في المقالات الصحفية التعليمية والتحفيزية وكذلك المقالات الدينية التي نشرت في وسائل الإعلام المحلية والأجنبية.
لكل مسيرة علمية مبدأ أو رسالة تهدي صاحبها وسط مشقة البحث وتقلّبات العمل؛ ما الرسالة التي تستندون إليها في رحلتكم العلمية والعملية، وما القيمة التي تحرصون على أن تظل حاضرة في أعمالكم؟
لكل تربوي فلسفة في التربية، ولكل إنسان يعيش بعقله لا بعقل غيره فلسفة في الحياة، ومن أهم المبادئ في حياتي قول الحق تبارك وتعالى "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"، فالعمل لله وهو يجازي به، حتى وإن لم يحقق الهدف المنشود. كان والدي دائما يردد عندما كان يصنع معروفا لأحد جملة "ما غايب عند الله"؛ أي أن الجزاء من الله وليس من الناس. ولذلك فإن من أهم أهدافي هو محاولة التأثير الإيجابي ولو بالقليل في حياة كل من ألتقي به، حتى أترك الأثر الطيب الذي أُذكر به بعد الرحيل عن هذا العالم.
لا تخلو المسيرة الأكاديمية من تحديات واختبارات، ولا تخلو من مواطن قوة وتجارب نجاح؛ كيف تعاملتم مع نقاط القوة ونقاط الضعف في مسيرتكم، وكيف أسهمت التحديات في إعادة تشكيل رؤيتكم للعلم والبحث والحياة الأكاديمية؟
في الحقيقة فإن جُل أبحاثي لم تنشر من التسليم الأول، بل إن بعضها نشر بعد تسليمه لأكثر من مجلة علمية وبعضها استغرق سنوات لكي يُقبل وينشر، وكان عزائي لنفسي دائماً "لو كان ما أقوله مُعتاداً مفهوماً للجميع لقُبل من أول تسليم للنشر"؛ ولكن لأن معظم أبحاثي تحاول تقديم الجديد، فإنه من الطبيعي ألا تقبل مباشرة. ودائما أتذكر قول أستاذتي المشرفة على رسالتي لدرجة الدكتوراة البروفيسورة دايان ماسم، إذا كانت تقول "احذر أن تفقد الهمة مع الرفض، بل توقع الرفض وتعامل معه بصدر رحب". والواقع المعلوم هو أن مَن هو خير مني وقوله خير مما أقول في أبحاثي، وهو المصطفى عليه الصلاة والسلام، قوبل بالرفض من أهله ومجتمعه.
نعيش اليوم في زمن يتضاعف فيه إنتاج المعرفة وتتدفق فيه المعلومات بصورة غير مسبوقة، مع حضور متزايد للذكاء الاصطناعي وأدواته؛ كيف يمكن لطالب العلم أن يحوّل هذا التدفق من عبءٍ معرفي إلى فرصة لبناء عقل ناقد وباحث مستقل، لا إلى حالة من الاستهلاك والتلقي؟
الواقع هو أنه من الصعب جدا أن نحيا دون استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي، ولكن علينا ترشيد استخدامها بحيث لا تفقدنا مع مرور الوقت ذكائنا الطبيعي. الجيل الحالي محظوظ لتوفر مصادر التعلم والمعرفة من حوله، ولكنه يجب أن يتعامل معها بحذر، فمن المجازفة تطوير الذكاء الاصطناعي والتضحية بالذكاء الطبيعي، فهو الأهم وذلك لأن الذكاء البشري الطبيعي هو ما أنتج الذكاء الاصطناعي. ولذلك يمكن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي فيما يدعم الإبداع البشري، أي في العمليات التي توفر الوقت والجهد والمال، مثل ترجمة فقرة أو نص يحتاج الباحث إلى تضمينه في بحثه أو في كتابه، ولكن لا يجب أن نستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لكتابة البحث أو لكتابة نص وفقرات عرض تقديمي وذلك لأن في إجراء البحث وكذلك في كتابة نص العرض الشفهي تدريب لمهاراتنا البحثية وتطوير لملكات التعلم لدينا.
من موقع الباحث والأكاديمي الذي تراكمت تجربته العلمية والبحثية الممتدة، ما رسالتكم إلى طلبة العلم والباحثين الشباب الذين يقفون اليوم على عتبة الطريق، ويريدون أن يصنعوا لأنفسهم حضورًا علميًا يتجاوز الحصول على الشهادة إلى صناعة المعرفة وإثرائها؟
أولاً أن يصدقوا الله النية بأن القصد من عملهم هو رضاه سبحانه وتعالى وليس المكسب المادي من مال وشهرة وحضور (من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)، وثانياً أن يعملوا لخير الإنسانية (خير الناس أنفعهم للناس)، وثالثاً تسخير الجهود من أجل العمل الصالح الدائم الأثر (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك). فإذا استحضر الباحث هذه المبادئ والمعاني في عمله فإنه في معية الله، ومن كان في معيته فالتوفيق حليفه بإذن الله. ويأتي بعد ذلك المثابرة والصبر، فالعلم شرف وطلبه بحق جهاد، وإلا لانبرى له الجميع، ولكن لأنه سنام الأمر، فإن من ينالونه بحق ثلة قليلة جداً.