مركز الإبداع الطلابي ... المختبر الحقيقي لاكتشاف مواهب الطلبة
د. ناصر الرواحي
عميد شؤون الطلاب وخدمة المجتمع.
في كل جامعة ثروة لا تظهر في ميزانياتها ولا مبانيها ولا أرقامها، وإنما تسكن في عقول طلبتها وما يحملونه من مواهب وأفكار وطموحات، بعض هذه الطاقات يجد طريقه سريعًا إلى الظهور، وبعضها يظل ينتظر فرصةً أو تجربةً أو شخصًا يكتشفه ويؤمن به.
فالإبداع في الجامعات، لا يُصنع بقرار، ولا يولد مكتملًا، وإنما ينمو في البيئات التي تمنح الطلبة حق التجربة، وتفسح لهم مجال السؤال والمبادرة، وتقبل محاولاتهم قبل أن تحتفي بنجاحاتهم، فالموهبة بذرة، لكنها تحتاج إلى من يتعهدها بالرعاية؛ والفكرة بداية، لكنها تحتاج إلى المعرفة والتوجيه والممارسة حتى تصبح إنجازًا، ومن هنا يصبح التحدي أمامنا ليس في البحث عن المبدعين فحسب، وإنما في بناء البيئة التي تجعل الإبداع ممكنًا، وتحول الطاقات الكامنة لدى الطلبة إلى قدرات حقيقية تستطيع أن تنتج وتنافس وتصنع أثرًا.
ومن هذا المعنى تحديدًا جاءت فكرة إعادة هيكلة مركز الإبداع الطلابي بجامعة نزوى في حلته الجديدة، لا بوصفه مكانًا لتنظيم الأنشطة فحسب، ولا جهةً تُضاف إلى خارطة العمل الجامعي، وإنما مساحة نريد لها أن تكون أقرب إلى بيت للمواهب، ومختبر للأفكار، وحاضنة للطموحات التي يحملها طلبتنا معهم إلى الجامعة.
فجاء الهيكل الجديد لمركز الإبداع الطلابي ليضم وحدتين أساسيتين من روافد التجربة الطلابية، هما وحدة الإثراء العلمي وهي وحدة تختص بالأندية العلمية والبحث العلمي والابتكار والمسابقات الأكاديمية والمشاريع العلمية، وتشجيع الطلبة على المشاركة في المشاريع والمسابقات والملتقيات العلمية، بما يسهم في تعزيز ثقافة الابتكار والتميز الأكاديمي وربط المعرفة بالتطبيق، وتضم هذه الوحدة أندية متعددة مثل نادي العلوم ونادي التربية ونادي الحوسبة والهندسة والإدارة والاقتصاد والابتكار، وتتولى كليات الجامعة الإشراف عليها، وتشجيع طلبتها للمشاركة في مختلف الفعاليات والمسابقات الأكاديمية المرتبطة بالتخصصات المختلفة في كل كلية.
والوحدة الأخرى التي لا تقل أهميتها عن الأولى هي وحدة إنماء الإبداع وتختص برعاية واكتشاف الموهوبين من الطلبة في الأنشطة اللاصفية وفي مختلف المجالات الفنية والأدبية والثقافية والرياضية، وتتكون هذه الوحدة من مجموعة من الجماعات الطلابية ويشرف عليها موظفو مركز الإبداع الطلابي، وما بين الوحدتين تتسع مساحة الإبداع؛ فمن الأندية العلمية يمكن أن تولد فكرة بحثية أو ابتكار تقني أو مشروع تخصصي، ومن الجماعات الطلابية قد يبرز أديب أو فنان أو إعلامي أو قائد أو صاحب مبادرة مجتمعية، وفي الحالتين نحن أمام طالب يبحث عن المساحة التي يستطيع فيها أن يقول: هذا ما أجيده، وهذا ما أستطيع أن أقدمه.
ولهذا فإن نجاح مركز الإبداع الطلابي لن تصنعه إدارة المركز وحدها، فالأندية العلمية تحتاج إلى كليات تؤمن بأن دورها يتجاوز المقرر إلى اكتشاف المبدعين في تخصصاتها، والجماعات الطلابية تحتاج إلى مشرفين قادرين على تحويل حماس الشباب إلى مشروعات وتجارب ذات قيمة، والمواهب تحتاج إلى أعضاء هيئة أكاديمية وموظفين ومدربين وخبراء يمنحونها شيئًا من معرفتهم وتجربتهم وحين تتكامل هذه الأدوار تصبح الجامعة كلها حاضنة للإبداع، لا مركزًا واحدًا فيها.
ولعل القيمة الأهم لإعادة هيكلة مركز الإبداع الطلاب في قدرته على أن يعيد للنشاط الطلابي معناه الحقيقي، فالنشاط ليس ترفًا على هامش الدراسة، وليس وقتًا نملؤه بالفعاليات، بل هو جزء من تكوين الطالب نفسه، وكم من طالب دخل الجامعة هادئًا مترددًا، ثم منحته تجربة طلابية واحدة ثقةً غيّرت مساره، وكم من موهبة لم تكن الدرجات الأكاديمية قادرة على الكشف عنها، لكن مسرحًا أو مناظرة أو مسابقة أو ناديًا علميًا أو جماعة طلابية أضاءت جوانبها وأخرجتها إلى النور.
والأنشطة الطلابية ليست بعدد الفعاليات التي أقيمت، بل بعدد المواهب التي اكتشفت، وعدد الفرص التي منحت للطلبة ليعرفوا قدراتهم، وعدد الأفكار التي انتقلت إلى مشاريع، وعدد الطلبة الذين أنهوا تجاربهم في الأنشطة وهم أكثر ثقة ووعيا وقدرة على القيادة والابتكار والمبادرة، فالفعاليات تنتهي، والصور تغادر شاشات الإعلان، وأخبار الأنشطة تمضي إلى أرشيفها، أما الأثر الذي يتركه النشاط في شخصية الطالب فهو الذي يبقى، وهذا هو الرهان الحقيقي لمركز الإبداع الطلابي في مرحلته المقبلة.
وفي جامعة نزوى نأمل أن ننتقل بالمركز من إدارة النشاط إلى صناعة الموهبة، ومن انتظار المبادرات إلى اكتشاف أصحابها، ومن تنظيم المشاركات إلى بناء جيل قادر على المنافسة، ونحسب أن الفرق كبير بين أن نشارك في مسابقة، وأن نصنع طالبًا مؤهلًا للمنافسة فيها؛ فالأولى قد تبدأ بإعلان يصل إلينا وتنتهي بإعلان النتائج، أما الثانية فتبدأ قبل ذلك بوقت طويل حين نكتشف الموهبة، ونؤمن بها، وندربها، ونوفر لها من يرشدها، ونمنحها الوقت والفرصة والتجربة حتى تنضج.
ونطمح في الجامعة أيضا إلى ذلك اليوم الذي لا نبحث فيه عن طالب للمشاركة في فعالية أو مسابقة وصلت من طريق دعوة للجامعة، بل إلى وجود خارطة واضحة لدينا لمواهب طلبتنا؛ من المبتكرين، والمبرمجين، والمناظرين، والباحثين الشباب، والمبدعين في الأدب والفنون والإعلام، وأصحاب المبادرات والقدرات القيادية، هذه الخارطة توضح لنا ما أنجزوا، وما يحتاجون إليه، وأي المحافل تليق بقدراتهم ويمكننا تهيئتهم للوصول إليها.
فالمنافسات الطلابية المحلية والإقليمية والدولية ليست رحلات للمشاركة وتمثيل الجامعة فحسب؛ إنها مختبر حقيقي لقدرات الطالب، وفرصة ليقيس نفسه بأقرانه، ويتعلم من التجارب الأخرى، ويكتشف مكان وقوفه الحقيقي وما يستطيع إنجازه، فقد تكون جائزة واحدة يحققها طالب سببًا في إيقاظ طموح عشرات الطلبة من بعده، وقد يصبح فريق طلابي صغير نواةً لثقافة كاملة من الابتكار والمنافسة داخل الجامعة.
ولجامعة نزوى رسالة عميقة في بناء الإنسان وترسيخ هويته وقيمه، وإعداده بالمعرفة ومهارات الحياة ليكون قادرًا على الإسهام في وطنه، والإبداع الطلابي جزء أصيل من هذه الرسالة؛ لأن الأوطان لا تبني مستقبلها بالمعرفة وحدها، بل بالعقول التي تحسن توظيف المعرفة، وبالشباب الذين يمتلكون الجرأة على السؤال، والشغف بالتجربة، والإصرار على تحويل أفكارهم إلى واقع.
وطموحنا في الجامعة أن يأتي يوم يصبح فيه اسم جامعة نزوى حاضرًا بقوة في منصات المنافسات الطلابية داخل سلطنة عُمان وخارجها، لا لأننا قررنا أن نبحث عن الجوائز، بل لأننا قررنا قبل ذلك أن نبحث عن المبدعين، فمنصات التتويج هي نهاية الحكاية، أما بدايتها الحقيقية فهي طالب يمتلك موهبة، وجامعة تكتشفها، وبيئة تحتضنها، وبين الموهبة والمنصة، نريد لمركز الإبداع الطلابي أن يكون ذلك الجسر.