السنة 21 العدد 202
2026/10/13

قراءة نقدية في العمل التشكيلي "يوم المرأة العُمانية" للفنانة شيخة الريامية

 

 

خالد السبهاني

فنان تشكيلي – ومحاضر للفنون بجامعة نزوى




D:\مشاريع\ملف خريف 2024\IMG-20241207-WA0069.jpg



أولًا: التعريف بالعمل والفنانة

يُعدّ العمل التشكيلي "يوم المرأة العُمانية" للفنانة التشكيلية العُمانية شيخة الريامية عملًا فنيًا أُنجز بمناسبة يوم المرأة العُمانية، الذي يوافق 17 أكتوبر من كل عام، وقد أُنتج العمل في عام 2024، باستخدام الألوان المائية على الورق، بأبعاد تبلغ 23 × 30 سم.

والفنانة التشكيلية شيخة بنت أحمد الريامية من ولاية إزكي، وتُعدّ من الفنانات العُمانيات المهتمات بمجال التصوير التشكيلي، ولا سيما التصوير بالألوان المائية. وتعمل مشرفةً للفنون التشكيلية بمحافظة الداخلية، وهي عضوة في مجموعة "دار الارتقاء للفنون"، ومجموعة "أكاسيا" للفنانين العُمانيين المهتمين بالألوان المائية.

وتجسّد أعمال الفنانة الهوية العُمانية بتصوير مشاهد الحياة اليومية بتفاصيلها الواقعية، مستلهمةً موضوعاتها من القرى والأحياء السكنية والأسواق والمباني المعمارية، فضلًا عن المناظر الطبيعية والبيئية التي تزخر بها سلطنة عُمان.

 

ثانيًا: البناء التكويني للعمل

تجسّد الفنانة شيخة الريامية في عملها "يوم المرأة العُمانية" مشهدًا احتفاليًا يضم مجموعة من النساء العُمانيات في مراحل عمرية مختلفة، تتباين هيئاتهن وأوضاعهن الحركية، ويرتدين أزياء عُمانية بألوان زاهية ومتنوعة. ويتوسط المشهد طبق من التمر ودلّة للقهوة العُمانية، في إشارة إلى تقاليد الضيافة والتجمّع في المجتمع العُماني.

وعلى مستوى البناء التكويني، اعتمدت الفنانة على تكوين هرمي يميل إلى الشكل الدائري، بما يوحي بالقوة والثبات والاستقرار، مع الاحتفاظ بالحركة والاستمرارية داخل المشهد. وقد أسهم هذا التكوين في تحقيق قدر من الاتزان بين العناصر، من خلال توزيع مفردات المرأة في مختلف أجزاء العمل توزيعًا متكافئًا بصريًا.

ويتضح ذلك عند مقارنة الشخصيات الموجودة في طرفي اللوحة؛ إذ تتوازن الشخصية الواقعة في الجهة اليمنى مع الشخصية المقابلة لها في الجهة اليسرى، سواء من حيث الهيئة العامة أم حركة اليدين أم التوزيع اللوني. ويتعزز هذا الاتزان بالتوظيف المتناغم لدرجات الألوان الحارة والباردة، والألوان المتكاملة، فضلًا عن التوزيع المدروس للقيم اللونية الفاتحة والغامقة في أرجاء اللوحة.

وتتجلى براعة الفنانة في قدرتها على توظيف الاتزان بوصفه عنصرًا تنظيميًا يوجّه حركة عين المتلقي بين أجزاء العمل، ويتيح له تأمل عناصره ومفرداته التشكيلية وقيمه الجمالية بسلاسة. ومن ثم، لا يقتصر الاتزان هنا على تحقيق الاستقرار البصري، بل يسهم أيضًا في تعزيز وحدة المشهد وإثراء قيمته الجمالية.

 

ثالثًا: المنظور والعمق البصري

يلاحظ المتأمل في العمل أن الفنانة شيخة الريامية استطاعت توظيف المنظور الشكلي واللوني بمهارة، بالتحكم في أحجام الشخصيات وتدرّج ظهورها داخل التكوين، بما يوحي بتفاوت المسافات بين العناصر وتباعدها في المجال التصويري.

فقد رسمت الفنانة العناصر القريبة بأحجام أكبر نسبيًا من العناصر الواقعة خلفها، مع تصغير الأحجام كلما اتجهت العين نحو عمق المشهد. ويسهم هذا التدرج في إحداث إحساس بالبعد المكاني، على الرغم من أن العمل منفّذ على سطح مستوٍ.

أما على مستوى المنظور اللوني، فتبدو الألوان في العناصر الأقرب أكثر وضوحًا وسطوعًا وتشبعًا، في حين تتراجع حدة اللون تدريجيًا كلما اتجه النظر نحو عمق اللوحة. وقد أسهم هذا التباين في إيجاد تدرج بصري يعزز الإحساس بالعمق، ويمنح المشهد قدرًا من الامتداد المكاني.

ويكشف هذا التوظيف للمنظور عن وعي الفنانة بالعلاقات بين الحجم واللون والمسافة، وقدرتها على الاستفادة منها في بناء فضاء تصويري متماسك، تتكامل فيه الأبعاد الشكلية واللونية لإثراء التجربة البصرية للمتلقي.

 

رابعًا: الوحدة والترابط والإيقاع اللوني

من أبرز السمات التي تستوقف المتأمل في العمل "يوم المرأة العُمانية" تحقّق الوحدة والترابط بين عناصره. فعلى الرغم من أن المشهد ذو طابع تخيّلي، ناتج من تركيب الفنانة لعناصره، فإنها نجحت في تحقيق تماسك بصري واضح، من خلال الربط بين الشخصيات والألوان والحركات داخل التكوين.

ويلاحظ المتلقي وجود إيقاع بصري متواصل ينتقل به من عنصر إلى آخر دون أن يشعر بانقطاع حاد أو بوجود مساحات فراغية تضعف ترابط المشهد. وقد أسهمت العلاقات اللونية في تعزيز هذا الإيقاع، من خلال الجمع بين الألوان المتكاملة والألوان المنسجمة، وتوزيعها بطريقة تحقق التنوع مع الحفاظ على وحدة العمل.

ويتجلى توظيف الألوان المتكاملة في بعض أجزاء اللوحة، مثل العلاقة بين البرتقالي والأزرق في الجهة اليمنى، والأخضر والأحمر في الجهة اليسرى، وفقًا لما يظهر في العناصر اللونية المتقابلة. وتؤدي هذه العلاقات إلى تعزيز التباين البصري وإضفاء الحيوية على التكوين.

وفي المقابل، تسهم الانسجامات اللونية بين الشخصيات ومفردات المشهد في توحيد العناصر ضمن نسيج بصري متماسك. وهكذا تجمع الفنانة بين التباين والانسجام، فلا تبدو الألوان متنافرة أو منفصلة عن بعضها، بل تتفاعل لتكوين إيقاع بصري يدعم وحدة العمل ويعزز حضوره الجمالي.

 

خامسًا: المعالجة التقنية والأداء اللوني

على المستوى التقني، يكشف العمل عن خبرة الفنانة ومهارتها في التعامل مع الألوان المائية، ولا سيما في توظيف درجات اللون الفاتحة والغامقة، والتحكم في شدة اللون وسطوعه، والاستفادة من التباينات الضوئية لإبراز الهيئات العامة للشخصيات.

وعلى الرغم من أن التفاصيل الدقيقة لملامح النساء ليست محددة بوضوح، فإن الفنانة تنجح في إيصال الهيئات العامة للشخصيات وأزيائهن إلى المتلقي، معتمدةً على الاختزال في رسم التفاصيل، وعلى توظيف الظل والنور لإبراز الكتل والأشكال. ويتيح هذا الأسلوب للمتلقي استكمال بعض التفاصيل بصريًا وذهنيًا، مستندًا إلى ما توحي به الأشكال والألوان.

وتبرز في هذه المعالجة جرأة الفنانة في التعامل مع اللون المائي، وقدرتها على توظيف ضرباته وتدرجاته دون الإفراط في التفاصيل، مع المحافظة على وضوح المشهد العام وحيويته. ويسهم التباين بين الدرجات الفاتحة والغامقة في إبراز العناصر وإيجاد علاقات بصرية تساعد على تمايز الشخصيات داخل التكوين.

ومن هنا، تتجلى القيمة التقنية للعمل في قدرة الفنانة على الموازنة بين الاختزال والتعبير، وبين وضوح الهيئة العامة وترك المجال للمتلقي كي يشارك في استكمال التجربة البصرية.

 

سادسًا: الدلالات الفلسفية والرمزية للعمل

من الناحية الفكرية والتعبيرية، يحتفي العمل بمشاعر الفرح والسرور المرتبطة بيوم المرأة العُمانية، ويقدّم مشهدًا يوحي بالاجتماع والألفة والمشاركة الوجدانية بين النساء. ويمكن قراءة هذا المشهد بوصفه تعبيرًا عن الاعتزاز بالهوية الوطنية، والاحتفاء بمكانة المرأة العُمانية ودورها في المجتمع.

وتتجلى هذه الدلالات في اجتماع النساء باختلاف أعمارهن وهيئاتهن، وظهورهن بالأزياء العُمانية التي تؤكد الارتباط بالتراث والهوية المحلية. فالأزياء هنا لا تؤدي وظيفة شكلية فحسب، بل تسهم في تأكيد خصوصية المشهد وارتباطه بمناسبة وطنية ذات دلالة اجتماعية وثقافية.

وتحتل القهوة العُمانية والتمر موقعًا بارزًا في وسط التكوين، بما يحمله هذان العنصران من دلالات ترتبط بالضيافة والتواصل والتجمّع في الثقافة العُمانية. ويؤدي حضورهما دورًا يتجاوز الجانب الوصفي؛ إذ يعززان فكرة اللقاء والألفة، ويربطان المشهد الفني بممارسات اجتماعية متوارثة.

ومن خلال الجمع بين الشخصيات والأزياء التقليدية وعناصر الضيافة، تنجح الفنانة في بناء مشهد يستحضر الهوية العُمانية بصريًا، ويعبّر عن الاعتزاز بالانتماء الوطني. كما يبرز العمل دور الفن التشكيلي في توثيق المناسبات الوطنية واستحضار قيمها الاجتماعية والثقافية، عبر لغة بصرية تجمع بين التعبير الجمالي والدلالة الرمزية.

 

خاتمة

يتضح مما سبق أن الفنانة شيخة الريامية وفّقت في تقديم عمل تشكيلي يجمع بين المعالجة الجمالية والتعبير عن مناسبة وطنية ذات مكانة خاصة في المجتمع العُماني. فعلى مستوى البناء التشكيلي، حرصت على توظيف مجموعة من المقومات الفنية، من أبرزها الاتزان والوحدة والترابط والإيقاع اللوني، بما أسهم في بناء مشهد متماسك وغني بالعلاقات البصرية.

وأتاح توظيف المنظور الشكلي واللوني للمتلقي فرصة التفاعل مع مستويات العمق داخل اللوحة، والتنقل بين عناصرها ومفرداتها. وأسهمت المعالجة التقنية بالألوان المائية، القائمة على الاختزال والتدرج اللوني والتباين بين الضوء والظل، في تعزيز التعبير البصري للعمل ومنحه حيوية خاصة.

أما على المستوى الفكري والرمزي، فقد التقت مشاعر البهجة والاعتزاز بالمرأة العُمانية مع عناصر الهوية الوطنية، التي تجسدت في الأزياء التقليدية والقهوة العُمانية والتمر. وقد منح هذا التآلف بين الشكل والمضمون العمل قدرةً على التعبير عن المناسبة ضمن رؤية فنية تستند إلى التراث المحلي وتحتفي بالمرأة العُمانية ومكانتها في المجتمع.

وبذلك، يمثل العمل إضافة إلى تجربة الفنانة التشكيلية شيخة الريامية، ويقدم أنموذجًا لتوظيف الفن التشكيلي في التعبير عن المناسبات الوطنية واستحضار الهوية الثقافية، من خلال بناء بصري يجمع بين القيم الجمالية والدلالات الإنسانية والاجتماعية.

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة