الذكاء الأخلاقي وعلاقته بالاستقرار النفسي لدى طلبة كلية البريمي الجامعية في سلطنة عمان
رسالة ماجستير مقدمة من: ناصر بن سالم بن أحمد المعمري
التخصص: الإرشاد والتوجيه - جامعة نزوى
إشراف: د. عبد الفتاح سعيد الخواجة.
العام الأكاديمي: 2024\2025م
إعداد: ماجدة الخاطرية
بين صخب الجامعة وهدوء الذات... بحثٌ عن المرفأ الآمن
هل تساءلت يوماً ماذا يدور في أذهان طلابنا وهم يخطون خطواتهم الأولى نحو المستقل؟ خلف تلك الوجوه الشابة المفعمة بالحيوية في مدرجات كلية البريمي الجامعية، تتجلى عوالم من الطموحات والضغوط؛ تجارب أكاديمية، وتحديات اجتماعية، وتساؤلات مستمرة حول الهوية والهدف. في هذه المرحلة العمرية الحساسة، لا يقتصر الرهان على جمع المعارف واجتياز الاختبارات فقط، بل يمتد إلى سؤالٍ أعمق: كيف يحافظ الطالب على تعادله النفسي وسلامه الداخلي في عالمٍ يموج بالتغيرات؟
من قلب هذا التساؤل الملحّ، ينطلق الباحث العُماني ناصر المعمري في أطروحته النوعية، ليرسم لنا خريطة إرشادية تكشف سر العلاقة بين "الذكاء الأخلاقي"- ذلك الصوت الداخلي الذي يوجه سلوكياتنا - وبين "الاستقرار النفسي" الذي يمنحنا السكينة والقدرة على التكيف مع مختلف ظروف الحياة.
الذكاء الأخلاقي ليس مجرد مثالية... إنه الدرع النفسي الأول
في كثير من الأحيان، يُنظر إلى الأخلاق كونها منظومة من القواعد الصلبة أو التوجيهات الوعظية، لكن هذه الدراسة تؤكد بصورة جليّة أن "الذكاء الأخلاقي" هو مهارة حية وقوة عقلية ونفسية عملية. إنه القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، والتحلي بفضائل كالتعاطف، والعدالة، وضبط الذات، والتسامح.
وقد كشفت الأرقام والدلائل الإحصائية في البحث عن حقيقة لافتة: إن ارتفاع مستوى الذكاء الأخلاقي لدى الطالب يسهم بشكل مباشر في رفع مستويات استقراره النفسي، إذ فسر الذكاء الأخلاقي وحده ما يقارب 31.6% من التباين في تحقق التوازن والسلام الداخلي لدى عينة الدراسة المكونة من 350 طالباً وطالبة. هذه النسبة ليست مجرد دلالة رقمية، بل هي إثبات علمي يؤكد أن التمسك بالقيم ليس سلوكاً ظاهرياً فحسب، بل هو الحصن الذي يحمي النفس من مشاعر التشتت والقلق، ويمنح الإنسان بوصلة واضحة تجعله أكثر ثباتاً أمام الضغوط.
قراءة في الواقع النفسي والقيمي للطلبة
أظهرت نتائج المقياس أن كلاً من مستويات الذكاء الأخلاقي والاستقرار النفسي لدى الطلبة جاءت بدرجة متوسطة. هذا المستوى يعكس واقعاً ملموساً؛ فالشباب الجامعي يمتلكون قاعدة قيمية متينة استقوها من بيئتهم وأسرهم، وتجلت بوضوح في احترام التنوع الاجتماعي والديني، والمطالبة بإحقاق الحقوق، والتطلع المتفائل للمستقبل.
ولكن في المقابل، أوضحت الدراسة وجود مساحات تحتاج إلى المزيد من الصقل والتدريب، مثل مهارات التعامل مع النقد، وتقبل الاختلاف في الآراء، وإدارة الانفعالات عند الضغوط الأكاديمية واليومية. واللافت في النتائج أيضاً هو غياّب الفروق الدالة بين الذكور والإناث في كلا المتغيرين؛ مما يعني أن الحاجة إلى الدعم النفسي والبناء الأخلاقي هي حاجة إنسانية وتربوية شاملة ومتساوية بين الجميع، بصرف النظر عن النوع الاجتماعي.
استراتيجية المستقبل: كيف نحول النتائج إلى واقع ملموس؟
إن أهمية هذا البحث لا تقف عند حدود المكاتب والمكتبات الأكاديمية، بل تصوغ رؤية عمل إجرائية يمكن أن تعتمدها المؤسسات التعليمية لصناعة بيئة جامعية داعمة:
1. الدمج بين القيمة والنشاط: إدراج أنشطة تفاعلية وبرامج تطبيقية تركّز على تنمية الذكاء الأخلاقي والوعي الذاتي، بدلاً من الاكتفاء بالتأطير النظرِي.
2. ورش عمل للصلابة الانفعالية: تنفيذ حلقات تدريبية موجهة لتعزيز ضبط النفس، وتقبل الآخر، والتعامل مع النقد البنّاء بمرونة نفسية.
3. مأسسة الإرشاد الوقائي: تفعيل دور مراكز الإرشاد النفسي والجامعي لتقديم دعم استباقي يقي الطلبة من الاضطرابات النفسية قبل وقوعها.
4. المتابعة والتقييم الدوري: إيجاد أدوات قياس مستمرة للوقوف على التغيرات النفسية والقيمية للطلبة طوال مسارهم الجامعي.
تعليمٌ يضيء العقول ويبني النفوس
تضعنا دراسة الباحث ناصر المعمري أمام حقيقة تربوية وأخلاقية شاملة: إن بناء المستقبل لا يتم عبر شحن العقول بالمعارف والأرقام فقط، بل عبر العناية بالبناء الروحي والنفسي للإنسان.
حين يمتلك الطالب جامعتين؛ جامعة للعلم والمعرفة وأخرى للقيم والسلام الداخلي، فإنه لا يخرج للوطن خريجاً يحمل شهادة فحسب، بل يخرج إنساناً متزناً، واثق الخطوة، وقادراً على الإسهام الفاعل في بناء مجتمعه ونهضته المستدامة. إن استثمارنا في الذكاء الأخلاقي والاستقرار النفسي لشبابنا اليوم هو الاستثمار الحقيقي في غدٍ عُماني أكثر إشراقاً وإنسانية.