مكتبة جامعة نزوى بعيون الدفعة 23
من "الاكتشاف" إلى "الإلهام"... ماذا ينتظر الطلبة الجدد خلف أبواب المكتبة؟
استطلاع: ماجدة الخاطرية، غيداء الجرادية، سارة الشعيلية
إشراف: مكتب النشر

حين تطأ قدماك جامعة نزوى للمرة الأولى، تجد نفسك أمام مبانٍ وقاعات دراسية وممرات تقودك إلى طرق مختلفة، ومصطلحات كثيرة تحاول حفظها، وبين كل ذلك قد يراودك سؤال بسيط: أين أجد ما يدلني إلى ما أسعى إليه؟
وقبل أن يخطو طلبة الدفعة الثالثة والعشرين إلى مكتبة الجامعة، رسم كلٌّ منهم صورتها الخاصة في مخيلته؛ بين كتابٍ يبحث عنه، ومعرفةٍ يتوق إليها، وحلمٍ يريد أن يكبر. لكن ما إن اقتربوا منها حتى بدت لهم أكثر من رفوفٍ وكتب؛ نافذةً على الاكتشاف، وملاذًا للإلهام، ورفيقةً لأربع سنوات تُصنع فيها ملامح المستقبل.
في الأسبوع التعريفي، لا يدخل الطالب الجامعة من بوابة واحدة؛ فهو يكتشف في أيامه الأولى قاعات الدراسة، وكليته، وتخصصه، والخدمات التي سترافقه في رحلته الأكاديمية؛ لكنه يبحث كذلك عن مكان يمكن أن يبدأ منه علاقته الخاصة بالمعرفة.
ومع استقبال جامعة نزوى نحو 2200 طالب وطالبة من طلبة الدفعة الثالثة والعشرين للعام الأكاديمي 2026/2027، في الفترة من 20 إلى 23 سبتمبر 2026، تتسع خريطة الاكتشاف لتشمل أربع كليات ومسارات وتخصصات مختلفة؛ غير أن ثمة مكانًا يبدو أن الطلبة يتطلعون إلى اكتشافه بما يتجاوز وظيفته المعتادة: المكتبة.
فماذا يريد الطالب الجديد أن يجد فيها عندما تكون من أوائل محطاته في الحرم الجامعي؟ وما المعرفة التي يتمنى أن تصاحبه طوال السنوات الأربع؟ وكيف يتخيل المكتبة قبل أن يخطو إليها للمرة الأولى؟
طرح مكتب النشر هذه الأسئلة على عدد من طلبة الدفعة الثالثة والعشرين، فجاءت الإجابات متنوعة في اهتماماتها؛ لكنها التقت عند فكرة واحدة: المكتبة التي يتطلع إليها الطلبة ليست مكانًا للكتب فحسب، وإنما مساحة لاكتشاف الذات، وبناء المعرفة، وصناعة المستقبل.
أكثر من كتب... مساحة لاكتشاف الذات
بالنسبة إلى بعض الطلبة، تبدأ صورة المكتبة من وظيفتها الأكاديمية الأساسية: الكتب والمراجع والمصادر التي تساعد الطالب على فهم تخصصه، والبحث، وتوسيع مداركه.
وتتمنى إحدى الطالبات أن تجد فيها "كتبًا ومصادر متنوعة مثل الكتب الدراسية، والمراجع العلمية، والمصادر الإلكترونية"؛ لأنها تراها أدوات أساسية لفهم المواد الدراسية وتوسيع المعرفة.
أما ملاك الرحبية، فتذهب بالصورة خطوة أبعد؛ فهي لا ترى المكتبة مستودعًا للكتب، بل "مكانًا هادئًا ومريحًا" للقراءة والتعلم، ومجالًا لاكتشاف أشياء جديدة وتطوير الذات. وفي تصورها، قيمة المكتبة لا تتوقف عند ما تحتويه رفوفها، بل تمتد إلى ما يمكن أن تمنحه للطالب من تجربة.
ومن زاوية أخرى، تتطلع إحدى الطالبات إلى أن تجد كتبًا ومراجع تخدم تخصص العلاج الطبيعي، وتعرّفها أكثر بجسم الإنسان وطرق العلاج؛ إذ ترى في ذلك بداية لرحلتها نحو المعرفة وتحقيق حلمها بأن تصبح أخصائية علاج طبيعي قادرة على مساعدة الآخرين.
وفي المقابل، يأتي مطلب عملي واضح من طالبة أخرى تتمنى أن تجد "أماكن أكثر للمذاكرة وكتبًا متنوعة تخدم جميع الطلبة"؛ لتكون المكتبة بيئة تعليمية مناسبة للباحثين عن المعرفة، ولمن يحتاج إلى مكان يدرس فيه ويجمع أفكاره. 
حين تصبح التقنية شريكًا في البحث
ولا تقتصر توقعات الطلبة على الكتاب التقليدي أو قاعة القراءة؛ فـوسن الربعانية تتخيل للمكتبة حضورًا تقنيًا لافتًا، متمنية أن تجد فيها "روبوتًا ذكيًا ومطورًا" يساعدها في تسريع البحث العلمي والوصول إلى المصادر بسهولة.
أما درر الشريقية، فتضع وفرة المراجع في مقدمة تطلعاتها؛ فهي ترجو أن تجد "وفراً كبيراً من الكتب والمراجع المتنوعة في مختلف التخصصات" بما يلبي شغفها بالبحث.
وبين التكنولوجيا والمصادر، تبدو الصورة التي يرسمها الطلبة للمكتبة صورة مكان يجمع بين الوصول السهل إلى المعرفة، وتنوعها، والقدرة على استخدامها في رحلة التعلم.
أربع سنوات... وما الذي نريد أن يبقى معنا؟
إذا كان السؤال الأول يكشف ما يريد الطلبة أن يجدوه عند باب المكتبة، فإن السؤال الثاني يفتح نافذة أوسع: ماذا يريد هؤلاء الطلبة أن يحملوا معهم من المعرفة حتى يوم التخرج؟
هنا لا تبدو الإجابات محصورة في كتاب بعينه؛ فبعض الطلبة اختاروا معرفة أو مهارة أو قيمة يرون أنها قد تكون أكثر دوامًا من أي عنوان على رف.
إحدى الطالبات تتمنى أن يرافقها كتاب يرشدها إلى كيفية انتقاء العلاقات واتخاذ القرارات السليمة، بينما تتمنى أخرى أن ترافقها معرفة متخصصة بجسم الإنسان وطرق تأهيله وعلاجه، بما يساعدها على بناء مسارها المهني في العلاج الطبيعي.
في حين تتطلع رغد الرحبية، إلى معرفة تساعدها على "تطوير نفسي، وزيادة ثقتي بقدراتي"، وتعلّمها كيف تتعلم وتبحث وتفكر بطريقة أفضل؛ فهي لا تريد أن تنتهي السنوات الأربع بشهادة فقط، بل بمعرفة وخبرة يمكن أن تستفيد منهما في مستقبلها.
وتذهب إجابة أخرى إلى جوهر العلاقة بين الطالب والمعرفة: أن ترافقه طوال سنوات الجامعة معرفة تجعله يحب التعلم ويبحث عن أشياء جديدة، لا لأغراض الدراسة وحدها، وإنما ليستمر أثرها في حياته بعد الجامعة.
الإنجليزية... معرفة تعبر التخصص
في بعض الإجابات، ظهرت اللغة الإنجليزية بوصفها معرفة تتجاوز حدود المادة الدراسية إلى كونها أداة للتعلم والتواصل؛ فـوسن الربعانية تتمنى أن ترافقها مهارات المحادثة باللغة الإنجليزية بطلاقة، وترى فيها مفتاحًا مهمًا لفهم التخصص والتواصل الأكاديمي في سنوات الدراسة.
ويتقاطع معها يوسف القصابي، الذي يتمنى أن ترافقه مصادر تعلم اللغة الإنجليزية؛ ليستمر في تحسين مستواه اللغوي وتطوير مهاراته طوال رحلته الجامعية. وفي هذه الإجابات، تبدو المكتبة في صورتها الأوسع بوابة إلى مصادر لا تنتهي عند مقرر أو تخصص، بل تمتد إلى مهارات يحتاجها الطالب في دراسته وحياته المهنية.
المتنبي... حين تدخل الذاكرة الأدبية إلى المشهد
وبينما يتجه بعض الطلبة إلى المصادر العلمية والرقمية، يحتفظ الكتاب الأدبي بمكانه الخاص. يوسف القصابي يعرف تحديدًا ما الذي يريد أن يجده: كتب المتنبي ودواوينه الشعرية؛ لأن علاقته بالشعر تقوم على الاطلاع على الجديد والكلاسيكي معًا، وإثراء حصيلته الأدبية.
وفي إجابة أخرى، يظهر اهتمام مختلف بالزمن والذاكرة؛ إذ يتمنى محمود العمري أن يجد الكتب القديمة والمخطوطات، لأنها، كما يرى، تحمل حياة وعمقًا تاريخيًا أصيلًا.
وهكذا، لا تبدو المكتبة في خيال الطلبة متجهة إلى المستقبل وحده؛ فهي مكان يمكن أن يلتقي فيه الكتاب العلمي الحديث بالمخطوط القديم، والشعر الكلاسيكي بالمصدر الإلكتروني، والبحث الأكاديمي بالتجربة الشخصية.
كلمة واحدة... قبل أن تُفتح أبواب المكتبة
ربما كان السؤال الأكثر اختصارًا هو الأكثر كشفًا للصورة التي يحملها الطلبة عن المكتبة قبل زيارتها.
"اكتشاف"؛ هكذا تتخيلها إحدى الطالبات قبل أن تدخلها، متوقعة أن تتحول الكلمة بعد الزيارة إلى "إلهام"، حين تجد فيها أفكارًا ومعارف لم تكن تتوقعها.
وتختار طالبة أخرى كلمة "الإلهام" من البداية؛ لأنها ترى المكتبة بداية للأحلام والطموحات، وتتوقع أن تزداد الكلمة معنى بعد أن تكتشف ما تحتويه من مصادر ومعارف.
أما ملاك السلمانية فتصف المكتبة بأنها "ملهمة"؛ مكان يساعدها على التعلم واكتشاف أشياء جديدة، وتتوقع أن تجد فيها بعد الزيارة ما يجعلها "أكثر من مجرد مكتبة"، بل مكانًا تشعر فيه بالراحة وتستمتع بوقتها.
وتختصر وسن الربعانية تصورها بعبارة لافتة: "إشراقة الجامعة"؛ لأنها تراها مرجعًا أساسًا ومصدر إلهام للطلبة.
وفي الاتجاه نفسه تقريبًا، تصف درر الشريقية المكتبة بأنها "شاملة"، متوقعة ألا تتغير هذه الصورة بعد الزيارة؛ لأنها، في تصورها، تغطي احتياجات الطلبة المختلفة.
أما يوسف القصابي فيصفها بأنها "غنية"؛ لكثرة ما يتوقع أن تحتويه من كتب ومصادر، بينما يختار أحمد البوصافي كلمة "الملاذ"، متوقعًا أن تترسخ هذه الصورة أكثر بعد أن يكتشف محتواها.
وتأتي لدى محمود العمري صورة مختلفة وأكثر اتصالًا بالمستقبل؛ فهو يرى فيها مكانًا يمكن أن "يرى المستقبل" من طريقه، ويتوقع أن يلمس هذا الجانب الإيجابي والملهم بصورة أكبر بعد الزيارة.
من المكتبة التي نتخيلها... إلى المكتبة التي نكتشفها
تكشف إجابات طلبة الدفعة الثالثة والعشرين أن المكتبة تدخل إلى تجربتهم الجامعية قبل أن يدخلوا إليها فعليًا؛ إذ يدخل بعضهم إليها بحثًا عن مرجع، وآخر عن مكان هادئ، وثالث عن كتاب المتنبي، ورابع عن مخطوط قديم، بينما يتخيلها آخرون مساحة للتقنية والبحث العلمي، أو بيئة تساعدهم على تطوير اللغة، وبناء العلاقات، وصقل الشخصية.
لكن ما يجمع هذه التصورات جميعًا أن الطالب الجديد لا يبحث عن مكان يقرأ فيه فقط؛ بل عن مكان يساعده على أن يصبح الشخص الذي يريد أن يكونه بعد أربع سنوات.
ولعل أجمل ما في هذه الإجابات أن المكتبة لم تظهر في عيون أصحابها بوصفها محطة نهائية للمعرفة، وإنما بداية لها.
فبين "الاكتشاف" و"الإلهام"، وبين "الإشراقة" و"الملاذ"، وبين الكتاب القديم والروبوت الذكي، يرسم طلبة الدفعة الثالثة والعشرين صورة لمكتبة يريدونها أن تكون جزءًا من قصتهم الجامعية؛ مكانًا يدخلونه بحثًا عن إجابة، وقد يخرجون منه بسؤال جديد، أو فكرة جديدة، أو حلم جديد.
وربما يكون هذا هو المعنى الأوسع للمكتبة الجامعية: أن تمنح الطالب أكثر مما جاء يبحث عنه.