السنة 26 العدد 201
2026/09/23

من نشر الوعي الصحي إلى صناعة الأثر

حين تصبح جامعة نزوى بيئةً لصناعة الإنسان

 

 

 

تُعدّ مبادرة الجامعات المعززة للصحة واحدة من أبرز المبادرات الإقليمية المعتمدة من قِبل منظمة الصحة العالمية، بالتعاون مع المؤسسات الأكاديمية والصحية، بهدف تحويل البيئات التعليمية إلى حاضنات تعزز الصحة البدنية والنفسية والاجتماعية، وترسّخ أنماط الحياة والسلوكيات الصحية لدى أفراد المجتمع الأكاديمي.

ولا تقتصر فلسفة المبادرة على تقديم التثقيف الصحي التقليدي أو تنظيم الحملات التوعوية المؤقتة، بل تتجاوز ذلك إلى بناء استراتيجية مؤسسية شاملة تُدمج الصحة في السياسات والمناهج والخدمات والبيئة العمرانية والاجتماعية للجامعة، بما ينعكس إيجابًا على التحصيل الأكاديمي وجودة حياة الطلبة والعاملين.

وفي هذا السياق، تسجل جامعة نزوى حضورًا لافتًا في المبادرة للعام الثاني على التتابع، بعدما قطعت شوطًا متقدمًا في استيفاء معايير الاعتماد، وانتقلت من مرحلة نشر المعرفة والتوعية إلى مرحلة الشراكة الطلابية وصناعة الأثر الملموس، لا سيما بعد حصولها على المركز الثاني محليًا، ودخولها مرحلة التقييم الإقليمي النهائي.

 

ولسبر أغوار هذه التجربة، والوقوف على أبعاد المبادرة ومكوناتها، وكيفية تعاملها مع قضايا صحية ونفسية محورية، مثل قلق الاختبارات، عبر ورش العمل والبرامج الميدانية، أجرت "إشراقة" هذا الحوار مع الدكتورة محفوظة المشيقرية، رئيسة اللجنة القائمة على مبادرة الجامعات المعززة للصحة بجامعة نزوى.

 

للعام الثاني على التتابع، تشارك جامعة نزوى في مبادرة الجامعات المعززة للصحة. هلا عرّفتنا بهذه المبادرة وأهدافها الرئيسة؟ وما الذي يميز مشاركة الجامعة في نسختها الحالية مقارنة بالعام الأول؟

انضمت جامعة نزوى إلى مبادرة الجامعات المعززة للصحة في العام الأكاديمي 2024/2025، وتهدف المبادرة إلى تحسين صحة الموظفين والطلبة من طريق ستة مكونات رئيسة.

يتمثل المكون الأول في التربية الصحية، ويعنى بتعزيز السلوكيات الصحية لدى الفرد وتغييرها بما يخدم صحته.

أما المكون الثاني فهو البيئة الجامعية، ويركز على تحسين الموارد والمرافق داخل الحرم الجامعي بما يسهم في توفير بيئة داعمة للصحة.

ويأتي الخدمات الصحية مكونًا ثالثًا، ويهتم بمدى توافر الخدمات الصحية وإمكانية الوصول إليها داخل الحرم الجامعي.

أما المكون الرابع فهو التغذية، لما لها من أهمية في تعزيز صحة الفرد والوقاية من العديد من المشكلات الصحية.

ويتمثل المكون الخامس في النشاط البدني، بتوفير الفعاليات والمنشآت والصالات الرياضية التي تخدم الصحة البدنية والنفسية.

في حين يركز المكون السادس على الصحة النفسية والعقلية للطلبة والموظفين داخل الجامعة.

 

ومن خلال هذه المكونات، تسعى الجامعة إلى الارتقاء بصحة المجتمع الجامعي والمجتمع الخارجي. وعندما نتحدث عن "الجامعة المعززة للصحة"، فإننا لا نتحدث عن مجموعة من المحاضرات أو الفعاليات الصحية التي تُنفذ خلال فترة زمنية محددة، وإنما عن فلسفة متكاملة تسعى إلى أن تصبح الصحة جزءًا من ثقافة المؤسسة الجامعية وهويتها وممارساتها اليومية.

وقد حصلت الجامعة في المرحلة السابقة على المركز الثاني محليًا، وهي الآن بصدد التقييم الإقليمي من قِبل منظمة الصحة العالمية، تمهيدًا للحصول على الاعتماد بوصفها بيئة جامعية معززة للصحة.

 

أما ما يميز تجربتنا في هذه المرحلة، فهو سعينا إلى الانتقال بصورة أكبر من مرحلة نشر المعرفة إلى مرحلة المشاركة وصناعة الأثر؛ بحيث لا يكون الطالب مجرد متلقٍ للرسالة الصحية، وإنما شريكًا في تصميمها ونشرها وتحويلها إلى ممارسة داخل الجامعة وخارجها.

ومن هنا جاءت فكرة فريق سفراء الصحة، الذي شُكّل من الطلبة أنفسهم، وهو أحد الجوانب التي نعتز بها؛ لأننا نؤمن بأن الطالب يستطيع أحيانًا الوصول إلى زميله بلغة أقرب إليه وأكثر تأثيرًا من الرسائل التوعوية التقليدية.

 

كيف ترين دور المؤسسات الأكاديمية، وجامعة نزوى تحديدًا، في نشر الثقافة الصحية وتعزيز مفهوم "الجامعات المعززة للصحة"؟

أرى أن دور المؤسسات الأكاديمية في تعزيز الصحة أصبح اليوم دورًا أساسيًا؛ لأن الجامعة تؤثر في الإنسان في مرحلة مهمة جدًا من حياته، وهي المرحلة التي تتشكل فيها الكثير من عاداته وقراراته المستقبلية.

فالطالب قد يدخل الجامعة وهو يمتلك قدرًا من المعرفة الصحية، ولكن السؤال الحقيقي هو: هل تتحول هذه المعرفة إلى سلوك؟

قد يعرف الإنسان أهمية النوم، لكنه لا يحصل على قدر كافٍ منه، وقد يعرف أهمية النشاط البدني، لكنه لا يمارسه، وقد يدرك خطورة الضغط النفسي المستمر، لكنه لا يطلب المساعدة. لذلك فإن دور الجامعة يتجاوز تقديم المعلومة إلى تهيئة بيئة تساعد الفرد على تبني سلوك صحي مستدام.

وفي جامعة نزوى، ننظر إلى الصحة بصورة شمولية؛ فالصحة ليست مجرد غياب المرض، وإنما ترتبط بالصحة النفسية والجسدية والاجتماعية، وبجودة الحياة، والشعور بالأمان والانتماء، والقدرة على التعامل مع الضغوط والتحديات.

لذلك نريد أن تصبح الثقافة الصحية جزءًا من الحياة الجامعية نفسها: في القاعات والممرات والأنشطة والبرامج الطلابية والرسائل الإعلامية، وفي العلاقة بين الطلبة، وفي طريقة تعاملنا مع الضغوط النفسية والأكاديمية.

فالجامعة المعززة للصحة ليست جامعة تقدم برامج صحية فحسب، بل جامعة تجعل الصحة قيمة مؤسسية وممارسة يومية.

 

إذًا، ما المجالات الصحية المحورية التي تركز عليها المبادرة؟ ومن الفئات المستهدفة بها؟

تعزيزًا للمكونات التي أشرنا إليها سابقًا، تنطلق المبادرة من مفهوم شامل للصحة؛ ولذلك فإن اهتمامها لا يقتصر على جانب واحد، بل يمتد إلى مجموعة من المحاور المرتبطة بجودة حياة الفرد داخل المجتمع الجامعي.

فنحن نهتم بالصحة النفسية وإدارة الضغوط والقلق، ونشر ثقافة طلب المساعدة النفسية دون وصمة، ونهتم بالنشاط البدني والتغذية الصحية والنوم والعادات اليومية السليمة، إضافة إلى الوقاية والتوعية بالممارسات التي قد تؤثر سلبًا في صحة الفرد.

ونولي اهتمامًا متزايدًا بالصحة في البيئة الرقمية؛ لأن الطالب اليوم يعيش جزءًا كبيرًا من حياته في العالم الرقمي، وما يرتبط بذلك من استخدام مفرط للأجهزة، وضغوط اجتماعية، وتنمر وابتزاز إلكتروني، وغيرها من التحديات.

أما الفئة المستهدفة، فهي ليست الطلبة فقط؛ لأن مفهوم الجامعة المعززة للصحة يشمل المجتمع الجامعي بأكمله: الطلبة، والأكاديميين، والإداريين، والعاملين، ويمتد أثره كذلك إلى الأسرة والمجتمع الخارجي.

وهنا تظهر أهمية سفراء الصحة؛ لأنهم يمثلون حلقة وصل بين المبادرة والمجتمع الطلابي، ويمكنهم نقل الرسالة الصحية من داخل الجامعة إلى أسرهم ومجتمعاتهم أيضًا.

 

ما أبرز الأنشطة والفعاليات التي نظمتها اللجنة داخل الحرم الجامعي وخارجه حتى الآن؟ وكيف لمستم تفاعل الفئات المستهدفة معها؟

حرصنا على ألا تكون الأنشطة قائمة على التلقين فقط؛ لأن التثقيف الصحي الأكثر تأثيرًا هو الذي يجعل الإنسان يشارك ويفكر ويجرب ويتخذ قرارًا.

لذلك تنوعت البرامج والأنشطة التوعوية والتثقيفية، مع الاهتمام بالصحة النفسية والجسدية والسلوك الصحي، والاستفادة من وسائل مختلفة للوصول إلى المجتمع الجامعي.

وشملت المشاركات ملتقيات وأيامًا مفتوحة وجلسات حوارية وورشًا توعوية وتثقيفية ومعارض ورسائل نصية ونشرات توعوية معززة للصحة، نُفذت داخل الحرم الجامعي وفي المدارس والمجتمع المحلي.

 

نشرتم في وقت سابق استبيانًا عن أبرز المشكلات النفسية التي يعاني منها الطلبة، وأظهرت نتائجه مؤشرات على أن قلق الدراسة يأتي في مقدمتها. هل يمكنكم الحديث عن هذا الموضوع؟ وهل قدمت المبادرة حلولًا لهذه المشكلة؟

عندما تظهر لنا نتائج تشير إلى أن قلق الدراسة يمثل تحديًا لدى الطلبة، فلا ينبغي أن ننظر إلى هذه النتيجة كونها مجرد رقم في تقرير أو استبيان؛ بل يجب أن نتعامل معها بوصفها صوتًا للطلبة ورسالة موجهة إلينا.

وبناءً على ذلك، قدمنا برنامجين لمساعدة الطلبة على خفض قلق الاختبارات، وتضمنت البرامج محاور تعزز لديهم طرق وأساليب الاستعداد للاختبار، إلى جانب جلسات للاسترخاء وتعزيز الثقة بالنفس.

وتكوّن كل برنامج من 12 جلسة إرشادية، بواقع جلستين أسبوعيًا، إضافة إلى ورش تساعد الطالب على إدارة الوقت، واكتساب مهارات الاستذكار الجيد، وجلسات للاسترخاء قبل فترة الاختبارات، فضلًا عن تقديم الدعم النفسي الفردي لبعض الطلبة الذين يعانون مستويات مرتفعة من قلق الاختبار.

 

كيف تسهم المبادرة في توضيح العلاقة المباشرة بين الاستقرار النفسي والصحي للمجتمع الجامعي وزيادة الإنتاجية، وانعكاس ذلك على المجتمع ككل؟

هناك علاقة وثيقة بين صحة الإنسان وقدرته على التعلم والإنتاج والعطاء. فالطالب الذي يمتلك قدرًا جيدًا من التوازن النفسي، ويعرف كيف يدير ضغوطه وينظم وقته ويعتني بصحته، يكون أكثر قدرة على التركيز والتعلم والتفاعل الإيجابي.

والأمر نفسه ينطبق على الموظف والأكاديمي. لذلك، عندما تستثمر الجامعة في الصحة، فإنها في الحقيقة لا تستثمر في جانب منفصل عن رسالتها الأكاديمية، بل تستثمر في جودة الإنسان الذي يحقق هذه الرسالة.

 

كيف يمكن للطلبة أن يكونوا شركاء فاعلين في إنجاح المبادرة، وليسوا مجرد مستفيدين من برامجها؟

هذا السؤال بالنسبة لنا يمثل قلب المبادرة. نحن لا نريد أن نقول للطالب دائمًا: "تعال لتستفيد"، وإنما نريد أن نقول له أيضًا: "تعال لتشارك، وتقترح، وتصنع أثرًا".

لذلك جاءت فكرة فريق سفراء الصحة، التي تقوم على اختيار مجموعة من الطلبة وتأهيلهم ليكونوا سفراء للوعي الصحي بين أقرانهم، بحيث يشاركون في نشر الرسائل الصحية، وتصميم المبادرات والحملات، والإسهام في الأنشطة داخل الجامعة وخارجها.

ونريد لسفير الصحة أن يكون قريبًا من زملائه؛ يستمع إليهم، ويتعرف على القضايا التي تشغلهم، وينقل احتياجاتهم إلى الفريق المختص، ويسهم في ابتكار وسائل توعوية تتناسب مع لغتهم واهتماماتهم.

وقد يكون تأثير رسالة يقدمها طالب لزميله مختلفًا تمامًا عن تأثير الرسالة الرسمية؛ لأن هناك لغة مشتركة وتجربة مشتركة ومساحة أكبر من القرب والثقة.

ونطمح من هذا الفريق إلى أن يمتد دور السفراء خارج أسوار الجامعة؛ إلى المدارس والأسر والفعاليات المجتمعية، بحيث يصبح الطالب نفسه حاملًا لثقافة الصحة إلى المجتمع.

وبذلك نحقق مفهومًا أعمق من المشاركة الطلابية. وهذا بالنسبة لنا أحد أهم أشكال الاستدامة؛ لأننا لا نصنع فعالية تنتهي، وإنما نصنع إنسانًا يحمل الرسالة معه أينما ذهب.

 

هل هناك مؤشرات أو معايير قياس معتمدة للوقوف على مدى تحقق أهداف المبادرة داخل المجتمع الجامعي؟

بالتأكيد؛ لأن أي مبادرة لا تقيس أثرها قد تعرف ما الذي نفذته، لكنها لن تعرف بالضرورة ما الذي غيرته. وهنا من المهم التمييز بين مؤشرات التنفيذ ومؤشرات الأثر.

فعدد البرامج والفعاليات والمشاركين مهم، لكنه لا يكفي وحده. الأهم أن نسأل: هل ارتفع مستوى الوعي؟ هل حدث تغير في الاتجاهات؟ هل تغيرت بعض السلوكيات الصحية؟ هل زادت معرفة الطلبة بالخدمات الصحية والنفسية المتاحة؟ وهل أصبحت لديهم اتجاهات أكثر إيجابية نحو طلب المساعدة؟

لذلك، فإن لكل مرحلة من مراحل المبادرة مؤشرات قياس تساعدنا على معرفة الأثر الذي تركته لدى الفئة المستهدفة.

 

هل توجد شراكات أو أوجه تعاون مع مؤسسات المجتمع لتحقيق رؤى المبادرة وأهدافها؟

تعزيز الصحة لا يمكن أن تقوم به مؤسسة واحدة بمعزل عن بقية المجتمع؛ فالصحة مسؤولية مشتركة تحتاج إلى التكامل بين الجامعة والمؤسسات الصحية والتعليمية والمجتمعية.

ولهذا فإننا ننظر إلى الشراكات بوصفها فرصة لتبادل الخبرات، وتطوير البرامج، والاستفادة من المختصين، وتوسيع نطاق الأثر. لذلك فإن أغلب برامجنا، إن لم يكن جميعها، مبنية على الشراكات المجتمعية.

وهكذا يصبح لدينا مسار متبادل: الجامعة تؤثر في المجتمع، والمجتمع يثري تجربة الجامعة.

 

ما الخطوات القادمة التي تعمل عليها اللجنة في الفترة المتبقية من المبادرة لضمان استدامة هذا الأثر الصحي؟

أعتقد أن التحدي الحقيقي لأي مبادرة ليس في كيفية البدء بقوة، وإنما في كيفية استمرار أثرها بعد انتهاء مدتها الزمنية.

ولهذا، فإن المرحلة القادمة ينبغي أن تركز على ترسيخ الممارسات التي أثبتت فاعليتها، وتوسيع مشاركة الطلبة، وتعزيز دور سفراء الصحة، والاستمرار في القياس والتقويم، وتطوير الشراكات.

ومن الأفكار المهمة أن يصبح فريق سفراء الصحة فريقًا متجددًا؛ بحيث يتم إعداد مجموعة من الطلبة، ثم تسهم هذه المجموعة في نقل الخبرة إلى دفعات جديدة، فنصنع بذلك سلسلة مستمرة من السفراء.

ونطمح إلى الانتقال من الأنشطة الموسمية إلى ممارسات مستدامة، ومن المبادرات المنفردة إلى ثقافة مؤسسية متكاملة.

 

وأحب أن أختتم بفكرة أراها جوهر هذه التجربة: نحن لا نريد أن تنتهي الصحة بانتهاء المبادرة، ولا أن تتوقف التوعية بانتهاء فعالية أو حملة؛ نريد أن تصبح الصحة جزءًا من هوية الجامعة، وأن يصبح كل فرد فيها شريكًا في حمايتها وتعزيزها.

وإذا استطعنا أن نخرج من هذه التجربة بطالب أكثر وعيًا بصحته، وأكثر قدرة على الاعتناء بنفسه، وأكثر استعدادًا لمساندة الآخرين، ثم يحمل هذا الوعي معه إلى أسرته ومجتمعه ومكان عمله مستقبلًا، فإن أثر المبادرة لن يعود محصورًا داخل أسوار الجامعة.

فالجامعة المعززة للصحة لا تصنع طالبًا أكثر صحة فحسب؛ بل تسهم في صناعة فرد أكثر وعيًا، وأسرة أكثر دعمًا، ومجتمع أكثر صحة.

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة