سوق الماء في فلج الملكي: عينة من عمليات التداول
د. ناصر بن سيف السعدي
كرسي اليونسكو لدراسات الأفلاج وعلم المياه الاجتماعي
مقدمة
يقوم التعامل مع مياه الأفلاج في عُمان على مبدأ في الثقافة العربية الإسلامية ليؤكد حق الجميع في الانتفاع بالماء، وتعبر عنه القاعدة: «ثلاثا لا يمنع الناس منهن: الكلأ والماء والنار». ولا يتعارض هذا المبدأ مع أن الماء يباع ويشترى ويورث؛ فإن الاستخدام المتعلق بالشرب، وسقي الحيوانات، والغسيل، وسائر الاستعمالات الضرورية مشاع. ولهذا السبب كانت «شريعة الفلج»، وهي موضع يتيح للواردين إلى الماء الوصول إليه بحرية. أما ما يمنع من الماء، فهو ما يستخدم لتحقيق ربح أو فائدة من ورائه؛ فمثلا لا يحق لشخص أن يملأ قربة من ماء الفلج المباح للشرب بقصد بيعها، كما لا يحق لصاحب حرفة أو صنعة أن يأخذ من مياه الفلج لتشغيل صناعته من دون أن يكون له حق معلوم ومقرر في ذلك الماء. فقد سئل أبو معاوية: «هل يستقي لصبغ الشوران؟» فأجاب: «لا يجوز إلا برأي أصحاب الماء، إلا أن يكون الصبغ على الفلج ويرجع الماء إلى الفلج». والشوران ما يصبغ به الثياب، وهذا استعمال للماء في صنعة، لا للشرب أو لحاجة آدمية مباشرة.
ويفهم من بعض النقاشات الفقهية في كتاب بيان الشرع إباحة الأخذ من ماء الفلج للشرب والوضوء، وغسل النجاسات، وإعداد الطعام كعجين الخبز وكناز التمر وطبيخه وعمل الخل، كما تباح الاستفادة من الماء الفائض إذا جرى العرف بإباحته ولم يترتب عليه ضرر. أما سقي الأشجار والفسل، وعمل الطين، ونضح البيوت من غير نجاسة، والصبغ، وغسل الجرب، فلا يباح إلا بإذن أصحاب الماء. (بيان الشرع، ج65، ص137، 139، 144، 148–149).
والماء المملوك في الفلج مقسم إلى حصص زمنية، تعرف بمصطلحات مثل البادة، والخبورة، والآد، وتختلف تفاصيل تقسيمها باختلاف الأفلاج وأعرافها. وفي كثير من الأفلاج تقسم البادة، التي تمثل دورة اليوم والليلة، إلى 48 أثرا، بواقع 24 أثرا لكل اثنتي عشرة ساعة. وينقسم الأثر بدوره إلى 24 قياسا، والقياس إلى 24 دقيقة، والدقيقة إلى 24 شعيرة؛ وبذلك يعادل الأثر نحو ثلاثين دقيقة، والقياس نحو دقيقة واحدة وخمس عشرة ثانية، والدقيقة نحو ثلاث ثوان وثمن الثانية، أما الشعيرة فتمثل جزءا دقيقا جدا من الزمن يقارب ثمن الثانية. أما قياس هذه الأزمنة عمليا، فاعتمد على وسائل متعددة تبعا للوقت والبيئة؛ فاستخدمت الساعة الشمسية نهارا، والساعة المائية المعروفة بالطاسة لقياس الفترات الزمنية، كما استعين بالنجوم ليلا في تحديد أوقات انتقال الماء من حصة إلى أخرى.
ولكل صاحب ملك الحق في التصرف فيما يملكه من حصة، وقد تكون حصة الماء بلا أرض، أو تكون مرتبطة بالأرض. وقد اتخذ تداول الماء اقتصاديا صور عدة، منها البيع والشراء، والإحالة من شخص إلى آخر، والمقايضة، والتوريث، والوقف. ومن أجل توثيق عمليات التداول هذه، وجدت السجلات التي عرفت بعدة مسميات؛ فمن الناس من يسميها «نسخة»، وآخرون «عرضة»، وبعضهم «دفترا». وتشير نسخ الأفلاج إلى حركة تداول مستمرة في انتقال الحصص بين المالكين عبر مدد زمنية طويلة. وتشمل عمليات هذا التداول جميع فئات المجتمع تقريبا، رجالا ونساء وورثة، ومؤسسات دينية واجتماعية، مثل المساجد والمدارس والأوقاف بشتى أنواعها.
ويهدف هذا المقال إلى لفت الانتباه إلى أهمية دراسة تداول الحقوق المائية في الأفلاج وانتقالها، لما يكشفه ذلك من جوانب اقتصادية واجتماعية وقانونية مهمة في تاريخ المجتمع العُماني. والواقع أن هذا الموضوع أوسع من أن يوفيه حقه مقال محدود الكلمات، ويحتاج إلى دراسات مستقلة تتبع سجلات الأفلاج بصورة أوسع وأكثر تفصيلا.

سوق الماء في عينة من سجل فلج الملكي
يقدم سجل فلج الملكي أنموذجا مهما لدراسة سوق الماء في الأفلاج العُمانية، إذ تمتد معاملاته من سنة 1202هـ/1787–1788م إلى ما بعد سنة 1342هـ/1923–1924م. ويوثق السجل حجم حصة الماء، وأصحاب الحق، وطريقة انتقاله، وتاريخ المعاملة وكاتبها، ومن أمثلة ذلك: «وانتقل من هذا الماء أثران ماء لولده سالم بن حسن، وانتقل هذا الماء من سالم بن حسن هذا لعلي بن محمد بن عمر الرقيشي بالبيع... وبتاريخ خط الوكالة يوم 27 من شوال سنة 1202هـ، وكتب سالم بن صالح بن عبد الله العزري بيده». وتنوعت عمليات التداول في سجل فلج الملكي وطرق انتقال الحصص المائية؛ فمنها ما انتقل بالإرث ثم بالبيع، كما في النص: «انتقل من ماء الهالك سليمان بن محمد بن سليمان هذا عشرون قياسا لابنته نصير بنت سليمان بالإرث، وانتقل منها بالبيع لأختها نصرا بنت سليمان بن محمد». ويبين السجل كذلك دقة عملية التوثيق والحرص على صحة المعاملات؛ إذ وردت فيه عبارات مثل: «صحة البيع بخط يدي» و«بإقراره عندي»، مع تسجيل تواريخ دقيقة، كما تظهر فيه عبارات المراجعة والتصحيح، مثل: «دمره سالم بن ناصر غلطا لأنه في غير موضعه».
ويتضمن سجل فلج الملكي حجما كبيرا وكثافة مرتفعة من عمليات تداول الحقوق المائية، ويخرج حصر جميع معاملاته عن نطاق هذه العجالة؛ لذلك اقتصرنا على عينة عشوائية من أحد أجزاء السجل بلغت نحو 490 عملية تداول، بقصد التمثيل لطبيعة التداول وصوره وآليات انتقال الحصص المائية بين الملاك. وبلغ عدد الأسماء الواردة في العينة نحو 951 اسما، منهم 699 رجلا و252 امرأة، وهو ما يشير إلى غلبة الرجال على عمليات التداول، مع حضور ملحوظ للنساء. كما شاركت مؤسسات دينية واجتماعية في امتلاك الحقوق المائية وتداولها، وفي مقدمتها المساجد والأوقاف، مثل مسجد الحواري، ومسجد الخضراء، والمسجد الكبير، ومسجد العزابية. وشملت الأوقاف أغراضا متعددة، منها التعليم، وإطعام الفقراء، وزيارة القبور، وغيرها من أوجه الوقف. ويشير الجدول التالي إلى توزيع العينة بحسب نوع التداول، وعدد العمليات ونسبتها من إجمالي العينة البالغ 490 عملية.
يتضح من العينة أن البيع والإرث شكلا أبرز صور التداول وانتقال الحقوق في سجل فلج الملكي؛ إذ جاء البيع أولا بـ 218 عملية (44%)، يليه الإرث بـ 196 عملية (40%)، أي إنهما مثلا معا نحو 84% من إجمالي العينة. وجاءت الموالفة في المرتبة التالية بـ 34 عملية (7%)، ثم الإثبات بـ 22 عملية (4%). أما بقية صور التداول فكانت محدودة، وشملت الإحالة بخمس عمليات، والوصية والوقف والانتقال بأربع عمليات لكل منها، والقياض (المقايضة) بثلاث عمليات، بحيث لم تتجاوز نسبة كل نوع منها نحو 1%.
وبلغ إجمالي الماء المتداول في العينة نحو 128 أثرا، بما يعادل 3843 دقيقة. وتصدر البيع حجم التداول بنحو 53 أثرا (1592 دقيقة)، تبعه الإرث بنحو 45 أثرا (1356 دقيقة). وجاءت الإثباتات بنحو 13 أثرا (390 دقيقة)، ثم الموالفة بنحو 11 أثرا (332 دقيقة)، أما القياض فكان محدودا بنحو أثر واحد (34 دقيقة).
وفي الختام، يتضح أن حصص مياه الفلج لم تكن ثابتة في يد ملاكها، وإنما كانت تنتقل باستمرار عبر تسع آليات وطرق للتداول ظهرت في العينة، هي: البيع، والإرث، والإثبات، والموالفة، والانتقال، والوصية، والقياض، والإحالة، والوقف.