السنة 26 العدد 201
2026/09/22

وهْم العائد على الاستثمار: لماذا تعجز الشركات عن قياس ابتكارها؟

 

 

 

محمد الحراصي، مدير الابتكار ونقل التكنولوجيا

 

تخيل شركة تضاعف إنفاقها على البحث والتطوير كل عام، وتملك لوحات معلومات أنيقة (Dashboard) تتابع كل مشروع بدقة… ومع ذلك، حين تسأل قيادتها "هل نحن فعلًا مبتكرون؟" تجدهم أقل ثقة من أي وقت مضى. هذا ليس افتراضًا — هذا واقع اليوم.

 

كشفت مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) أن نسبة القادة الذين يرون شركاتهم رائدة في الابتكار تراجعت 24 نقطة مئوية بين 2021 و2024، رغم استمرار ارتفاع ميزانيات البحث والتطوير. والأغرب؟ لم يجد تقرير BCG أي ارتباط ثابت بين حجم هذا الإنفاق وعائد المسهمين. الشركات تُنفق أكثر، وتراقب أكثر؛ لكنها تثق أقل.

 

الأدوات التي تستخدمها الشركات... ولماذا تخذلها غالبًا

هناك خمس طرق رئيسة تعتمدها الشركات لقياس عائد البحث والتطوير. لكل منها منطقها، ولكل منها ثغرتها:

1. النسبة البسيطة (الإيرادات ÷ الإنفاق) الفكرة: تأخذ الإيرادات الجديدة التي حققتها الشركة هذا العام، وتقسمها على ما أنفقته على البحث والتطوير في العام الماضي. كلما ارتفع الرقم، بدا الاستثمار أكثر "كفاءة". لماذا تُستخدم: لأنها بسيطة جدًا — رقم واحد يسهل شرحه في اجتماع مجلس الإدارة في دقيقتين. أين تفشل: لا تفرّق بين مشروع استغرق عامًا واحدًا ومشروع استغرق خمسة أعوام قبل أن يثمر، فتكافئ الأرباح السريعة وتعاقب الاستثمارات طويلة المدى. مثال حي: حققت Snowflake وHubSpot عائدًا يقارب 2.50 دولار عن كل دولار أُنفق على البحث والتطوير في السنة السابقة لاكتتابهما — لكنه رقم استثنائي لشركات في ذروة نموها، بينما تكون النسبة في معظم الشركات الراسخة أقل بكثير، وهذا يفسر لماذا نادرًا ما تُنشر هذه الأرقام علنًا.

 

2. مؤشر حيوية المنتجات الجديدة (NPVI) الفكرة: بدلًا من قياس "الكفاءة"، يقيس هذا المؤشر "الحيوية" — ما نسبة إيرادات الشركة اليوم القادمة من منتجات لم تكن موجودة قبل 3 إلى 5 سنوات؟ لماذا يُستخدم: لأنه يجيب عن سؤال أهم من الربحية الفورية: هل ما زلنا نبتكر، أم نعيش على أمجاد الماضي؟ أين يفشل: لا يقول شيئًا عن حجم المال الذي أُنفق لتحقيق هذه الحيوية — فقد تصل شركة إلى نسبة عالية بإنفاق ضخم وغير مبرر. كمرجع، تتجاوز الشركات الأعلى أداءً نسبة 30%، بحسب معايير Wellspring.

 

3. بطاقة الأداء المتوازن الفكرة: بدل الاكتفاء برقم مالي واحد، تُقيَّم مشاريع البحث والتطوير من أربع زوايا في آن واحد: الأثر المالي، رضا العميل، كفاءة العمليات الداخلية، ومدى التعلم والنمو المؤسسي الناتج عن المشروع. لماذا تُستخدم: لأنها تعترف بأن قيمة الابتكار لا تظهر كلها في العام نفسه، ولا في بند الإيرادات وحده. أين تفشل: تحتاج انضباطًا وجهدًا أكبر بكثير في جمع البيانات وتفسيرها، ولهذا تتجنبها كثير من الشركات رغم دقتها النسبية.

 

4. أنموذج البوابات المرحلية (Stage-Gate) الفكرة: لا تنتظر حتى نهاية المشروع لتحكم عليه، بل قسّمه إلى مراحل متتابعة — تحديد النطاق، ثم دراسة الجدوى، فالاختبار، فالإطلاق — وضع "بوابة" مراجعة في نهاية كل مرحلة، بحيث يمكن إيقاف المشروع مبكرًا إذا لم يثبت جدواه. لماذا يُستخدم: يعتمده نحو 80% من كبرى شركات أمريكا الشمالية؛ لأنه يمنع استمرار ضخ المال في مشاريع ميتة سريريًا. أين يفشل: القرار في كل بوابة غالبًا تقديري لا رقمي بحت، فهو أقرب إلى آلية تصفية وحَوكمة منه إلى مقياس عائد استثمار فعلي — رغم أنه، من الناحية العملية، الموضع الذي يُحسم فيه مصير معظم المشاريع.

 

5. أنموذج الآفاق الثلاثة (Three Horizons) الفكرة: لا تقس كل استثمارات البحث والتطوير بمسطرة واحدة، بل صنّفها حسب درجة المخاطرة: الأفق الأول (تحسينات على المنتجات الحالية)، الأفق الثاني (التوسع في أسواق مجاورة)، والأفق الثالث (رهانات جذرية قد تُعيد تعريف الشركة بالكامل). لماذا يُستخدم: لأنه يعترف بأن مشروعًا في الأفق الثالث قد "يخسر" ماليًا لخمس سنوات متتابعة، وهذا أمر متوقع وصحي، لا فشل يستدعي إلغاءه. أين يفشل: يتطلب انضباطًا قياديًا كبيرًا لعدم الرضوخ لضغط تقييم كل شيء بمعيار الربح قصير المدى نفسه — وهو ضغط يصعب مقاومته وقت الأزمات المالية تحديدًا.

 

لماذا تستمر الأرقام في الكذب على القيادة؟

خمسة أسباب متشابكة:

  1. المحاسبة تُعادي البحث والتطوير. تُقيَّد نفقاته كمصروف فوري لا كأصل، فتنشأ نزعة لتقليصه بدلًا من تحسينه.

  2. مؤشرات شكلية تخفي الحقيقة. "نسبة الإنفاق من الإيرادات" رقم أنيق لا يقول شيئًا عن الفعالية، مثلما تشير McKinsey.

  3. ميزانيات مجمّدة وتوقعات متصاعدة. أكثر من نصف قادة البحث والتطوير، بحسب Deloitte، يواجهون هذا التناقض — وصفة مثالية للتلاعب بالمؤشرات بدل تحسين النتائج.

  4. التوقيت الخاطئ دائمًا. العائد يحتاج سنوات؛ المجلس يريد إجابة كل ثلاثة أشهر. تقرير يصل بعد فوات الأوان أشبه بـ"حكم إعدام استراتيجي".

  5. أموال تُهدر فعليًا. 60 مليار دولار من إعفاءات البحث والتطوير الضريبية تركتها الشركات الأمريكية غير مُطالَب بها في سنة واحدة فقط — بسبب غموض من المسؤول عنها داخليًا.

 

رأيي: توقفوا عن البحث عن رقم واحد

هنا سأخالف كل بائعي "لوحات الابتكار الذكية": البحث عن رقم موحّد يلخّص عائد البحث والتطوير R&D ليس صعبًا فحسب — إنه الهدف الخاطئ، والسعي وراءه يجعل الابتكار أسوأ لا أفضل.

 

الدليل من BCG نفسها: عقدان من تتبع أكثر شركات العالم ابتكارًا لم يكشفا أي رابط ثابت بين الإنفاق والعائد. فإذا فشل الرقم الموحّد على مستوى الصناعة كلها، فهو أقرب إلى الوهم كأداة قرار داخل شركة واحدة. ما ميّز الفائزين الحقيقيين لم يكن حجم الإنفاق، بل جودة الاستثمار وقدرة المؤسسة على التحرك وسط الغموض — وهذه مسألة قدرات، لا جدول بيانات.

 

المشكلة الجذرية؟ "العائد على الاستثمار (ROI)" صُمم لعالم بسيط: تشتري آلة، تنتج أكثر، تبيع بربح. البحث والتطوير — خاصة الجريء منه — لا يعمل هكذا. إجبار رهان تخريبي وتحسينًا طفيفًا على المرور بالمقياس نفسه لا يمنحك وضوحًا؛ يمنحك رقمًا صحيحًا حسابيًا وعديم القيمة عمليًا، بل يجوّع الأفكار الأجرأ لأنها لا تبدو جيدة أبدًا في تقرير سنوي.

 

بدلًا من ذلك، أقترح ثلاثة أمور أقل بريقًا لكنها أصدق:

  1. قسّم قبل أن تقيس — لكل أفق ابتكار مقياسه الخاص ودرجة تحمّله الخاصة للخسارة.

  2. راقب المؤشرات المبكرة لا الإيرادات المتأخرة — سرعة المراجعة، معدل الإنهاء المبكر، صحة مسار العمل.

  3. تقبّل أن أثمن الأفكار قد لا تُظهر عائدًا أبدًا — قيمتها في إبقاء باب مستقبلي مفتوحًا أمامك ومغلقًا أمام منافسيك.

الشركات الفائزة فعلًا لا تملك أدق حاسبة للعائد — بل تدير الابتكار كونها محفظة استثمارية، لا معادلة محاسبية. قصة أصعب في عرضها على شريحة واحدة، لكنها الأصدق.

 

 

 


 

المصادر: BCG "الشركات الأكثر ابتكارًا 2025" (يونيو 2025)؛ Deloitte "نبض البحث والتطوير العالمي 2025"؛ WIPO "مؤشر الابتكار العالمي 2024"؛ OPEXEngine؛ Rocking Horse Group؛ StartUs Insights؛ Halo.

إرسال تعليق عن هذه المقالة