الأنشطة الطلابية الجامعية بين الواقع والطموح: حين تصنع الجامعة الإنسان
د. ناصر الرواحي
عميد شؤون الطلاب وخدمة المجتمع
حين يلتحق الشاب بالجامعة، فإنه لا يدخل قاعةً للدراسة فحسب، بل يدخل مرحلةً جديدة من مراحل تشكّل شخصيته ووعيه ونظرته إلى ذاته ومجتمعه ومستقبله، وفي السنوات القليلة التي يقضيها في دراسته الجامعية تتجاوز رسالة الجامعة حدود التخصص والشهادة؛ لتصبح شريكًا في بناء الإنسان، وتنمية قدراته، واكتشاف طاقاته، وتهيئته لمسؤوليات الحياة والعمل والمواطنة الصالحة.
وفي خضم الحياة الجامعية تأتي الأنشطة الطلابية بوصفها أحد أهم ميادين التربية الجامعية، ومساحةً موازيةً للتعلم الأكاديمي، يختبر فيها الطالب ما تعلمه، ويكتشف ما لم يكن يعرفه عن نفسه، ويتعلم من الموقف والتجربة والمبادرة ما قد لا تمنحه إياه قاعة المحاضرة، فالجامعة التي تمنح طالبها معرفةً دون أن تمنحه فرصةً للمبادرة والقيادة والحوار والعمل مع الآخرين، قد تكون قد أدت جانبًا من رسالتها؛ لكنها لم تستكمل بعد مهمة إعداد الإنسان للحياة.
وقد يبدو النشاط الطلابي في ظاهره محاضرةً أو مسابقةً أو رحلةً أو معرضًا أو عملًا تطوعيًا أو تمثيلا مسرحيا أو فعاليةً ثقافية ورياضية وغيرها، غير أن قيمته الحقيقية لا تتجلى في شكله، بل فيما يحدثه من أثر في شخصية الطالب، فالطالب الذي يتولى تنظيم فعالية طلابية يتعلم التخطيط وإدارة الوقت والتواصل وحل المشكلات، والذي يقود فريقًا طلابيًا يختبر معنى المسؤولية واتخاذ القرار، والذي يقف أمام الجمهور يواجه مخاوفه ويكتسب الثقة بالنفس، والذي يمثل جامعته في مسابقة يتعلم المنافسة والانضباط والاعتزاز بالمؤسسة التي ينتمي إليها، والذي ينخرط في العمل التطوعي، يكتشف أن المعرفة تكتمل حين تتحول إلى أثر وخدمة وعطاء.
وفي هذه المساحات تُكتشف مواهب كثيرة قد لا تكشف عنها الاختبارات الأكاديمية؛ فليس كل إبداع قابلًا للقياس بدرجة، وليس كل قائد هو بالضرورة صاحب أعلى معدل أكاديمي، وليس كل موهبة تستطيع قاعة الدرس أن تمنحها المساحة الكافية للظهور، وهنا تحديدًا تتجلى إحدى الوظائف الكبرى للأنشطة الطلابية في أنها تمنح الطالب فرصة اكتشاف نفسه قبل أن يكون المطلوب منه أن يحدد مستقبله.
ومع التسليم بهذه الأهمية، فإن واقع الأنشطة الطلابية في جامعة نزوى ومثله في الجامعات الأخرى يضعنا أمام مفارقة تستحق التأمل، فثمة جهود بشرية ومالية وتنظيمية كبيرة تُبذل، وبرامج وفعاليات متنوعة تُقام، وفرص كثيرة تُتاح، لكن مستوى إقبال الطلبة على بعضها لا يأتي دائمًا بمستوى تلك الجهود والتوقعات، ولعل المشهد المألوف لدى العاملين في قطاع شؤون الطلبة، كم فعالية أُعد لها منذ أسابيع، واستُضيف لها متخصصون، ووُفرت لها الإمكانات، وبُذل جهد كبير في الإعلان والتنظيم، ثم يأتي الحضور دون المأمول!!
الحقيقة التي يجب أن ندركها هي أن طالب الجامعة يعيش اليوم في عالم شديد السرعة، تتنافس على انتباهه مصادر لا حصر لها، يحمل في هاتفه منصات معرفية وترفيهية واجتماعية مفتوحة على العالم، ويواجه في الوقت ذاته متطلبات الدراسة والتدريب والتخطيط للمستقبل والالتزامات الاجتماعية والشخصية، ولذلك لم يعد مجرد الإعلان عن فعالية كافيًا لجذب اهتمامه، وهذا التحول يقتضي منا ألا ننظر إلى ضعف الحضور كونه مشكلة طالب فحسب، بل أيضًا فرصة لمراجعة فلسفة النشاط نفسه.
وربما يكون أحد التحولات الضرورية في العمل الطلابي الجامعي اليوم هي الانتقال من السؤال التقليدي: كم عدد الفعاليات التي سنقدمها للطلبة في هذا الفصل؟ إلى سؤال أكثر أهمية من أي وقت مضى وهو: ما نوعية البرامج والفعاليات التي يحتاجها طلبتنا في حياتهم؟ ويتفرع منه سؤال أكثر عمقا وهو: ما أثر هذه الفعاليات والبرامج على طلبتنا؟ … فَالفرق كبير بين أن نضع برنامجًا ثم نبحث له عن جمهور، وبين أن نكتشف حاجة حقيقية لدى الطلبة ثم نبني برنامجًا يستجيب لها.
وهنا تصبح دراسة اهتمامات الطلبة واحتياجاتهم، والاستماع إلى أصواتهم، وتحليل مشاركاتهم السابقة، وإشراكهم في تصميم البرامج عناصر أساسية في نجاح النشاط، وليست إجراءات تكميلية. فالطالب أكثر استعدادًا للمشاركة فيما يشعر أنه يعنيه، وأكثر حماسًا لما كان له دور في صناعته. ولهذا فإن المرحلة المقبلة في العمل الطلابي تحتاج إلى الانتقال من مفهوم "تنظيم الأنشطة الطلابية" إلى مفهوم "صناعة التجربة الجامعية مع الطلبة"، وهذا التحول البسيط في العبارة عميق في دلالته؛ لأنه ينقل الطالب من موقع المتلقي إلى موقع الشريك، ومن مقعد الحضور إلى مساحة المبادرة، ومن انتظار البرنامج إلى المشاركة في صناعته.
وثمة سؤال آخر يستحق أن نطرحه على أنفسنا: كيف نقيس نجاح الأنشطة الطلابية؟
فقد ارتبط تقييم النشاط في كثير من البيئات الجامعية بعدد الفعاليات المنفذة، وعدد المشاركين فيها، والصور والتقارير التي توثقها. وهذه مؤشرات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على النجاح. فليس المهم فقط كم نشاطًا نفذنا، وإنما: ما الذي تغير في الطالب بعد مشاركته؟
هل اكتسب مهارة؟ هل اكتشف موهبة؟ هل تغير وعيه تجاه قضية؟ هل أصبح أكثر قدرة على القيادة والعمل الجماعي؟ هل نشأت عن النشاط مبادرة جديدة؟ هل انتقل الطالب من مجرد الحضور إلى المشاركة، ثم إلى التنظيم، ثم إلى القيادة؟
إن الانتقال من قياس حجم النشاط إلى قياس أثره يمثل أحد أهم التحولات التي تحتاج إليها منظومة الأنشطة الجامعية، فقد تكون فعالية واحدة عميقة الأثر أكثر قيمة من عشر فعاليات سريعة، وقد يكون برنامج يمتد فصلًا دراسيًا ويبني لدى الطالب مهارة حقيقية أكثر جدوى من سلسلة مناسبات تنتهي آثارها بانتهاء وقتها.
ومن القضايا المهمة كذلك أن يشعر الطالب بأن مشاركته في الحياة الجامعية ليست منفصلة عن مستقبله، فالطالب الذي أمضى سنوات جامعته في قيادة الجماعات الطلابية، وتنظيم الفعاليات، والمشاركة في المسابقات، وخدمة المجتمع، والتطوع، والابتكار، وتمثيل الجامعة؛ قد كوّن رصيدًا من المهارات والخبرات يستحق أن يُوثق ويُعترف به، ومن هنا تبرز أهمية تطوير سجل للإنماء الطلابي أو سجل مهاري ومهني مصاحب للسجل الأكاديمي، يوثق رحلة الطالب خارج قاعة الدراسة: مشاركاته، وأدواره القيادية، وساعات تطوعه، وبرامجه التدريبية، وإنجازاته، والمسابقات التي شارك فيها، والمهارات التي اكتسبها، حينها لن ينظر الطالب إلى النشاط كونه ساعات يقضيها بعيدًا عن الدراسة، وإنما بوصفه استثمارًا تراكميًا في شخصيته وسيرته المهنية ومستقبله.
إن بناء حياة طلابية فاعلة لا يمكن أن يكون مسؤولية جهة واحدة في الجامعة، مهما بلغت إمكاناتها، فالحياة الجامعية منظومة متكاملة تشترك في صناعتها الإدارة والكليات وأعضاء هيئة التدريس والموظفون والطلبة أنفسهم، وقد تكون كلمة تشجيع من أستاذ لطالبه سببًا في اكتشاف موهبة، وقد تفتح كلية المجال لنادٍ علمي فيتحول إلى منصة للابتكار، وقد تبدأ مبادرة طلابية صغيرة ثم تصبح مشروعًا يخدم المجتمع، ولهذا ينبغي أن يصبح النشاط الطلابي جزءًا من الثقافة المؤسسية للجامعة، وأن يُنظر إليه بوصفه امتدادًا للعملية التعليمية لا منافسًا لها.
وفي المقابل، فإن على الطالب نفسه مسؤولية لا تقل أهمية؛ ففرص الجامعة لا تنتظر إلى الأبد، وسنوات الدراسة، مهما بدت طويلة في بدايتها، تمر سريعًا، وما يبقى منها ليس الشهادة وحدها، بل مجموع التجارب والعلاقات والمهارات والمواقف التي أسهمت في تشكيل الشخصية.
إن الطموح الذي ينبغي أن تتجه إليه الجامعات ليس زيادة عدد الفعاليات بقدر ما هو صناعة تجربة جامعية متكاملة، يجد فيها كل طالب مساحة تناسب اهتمامه وقدرته وطموحه؛ تجربة تتيح للمبدع أن يبدع، وللباحث أن يستكشف، وللمتطوع أن يخدم، وللقائد أن يقود، ولصاحب الموهبة أن يجد من يكتشف موهبته ويمنحها فرصة النمو.
وهذا يتطلب أن تكون الأنشطة أكثر مرونة وابتكارًا، وأن تتنوع بين الثقافي والعلمي والرياضي والفني والتطوعي والمهني، وأن تستفيد من التقنيات الحديثة، وأن تتكامل مع التخصصات الأكاديمية، وأن تُبنى على وفق احتياجات حقيقية، وأن تمنح الطلبة مساحة واسعة للمبادرة والتنفيذ والقيادة. ويتطلب شجاعة مؤسسية في مراجعة البرامج التي لم تعد جاذبة، مهما اعتدنا على تنفيذها، والبحث عن أشكال جديدة أكثر قربًا من لغة الشباب وتطلعاتهم.
وبعد سنوات من تخرج الطالب، قد تتلاشى من ذاكرته تفاصيل كثيرة مما درسه، لكنه غالبًا لن ينسى أول مرة وقف فيها أمام جمهور، أو فريقًا قاده، أو مسابقةً مثّل فيها جامعته، أو رحلةً علمية فتحت أمامه أفقًا جديدًا، أو مبادرةً تطوعية شعر منها بقيمة العطاء، أو شخصًا آمن بموهبته ومنحه الفرصة. هذه اللحظات الصغيرة في ظاهرها قد تكون كبيرة في أثرها؛ لأنها تسهم في صناعة الإنسان الذي سيغادر الجامعة إلى المجتمع.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجامعات اليوم ليس: كم فعالية سننفذ هذا العام؟ ولا حتى: كيف نجعل الطلبة يحضرون أنشطتنا؟ بل السؤال الأهم: كيف نصنع مع طلبتنا تجربة جامعية تستحق أن يشاركوا فيها، وتترك في شخصياتهم أثرًا يبقى بعد أن يغادروا أسوار الجامعة؟
عندما نصل إلى ذلك، لن تعود الأنشطة الطلابية برامج تبحث عن جمهور، بل فرصًا يبحث عنها الطلبة، ولن تكون هامشًا في التجربة الجامعية، بل جزءًا أصيلًا منها، فالجامعة الناجحة لا تُقاس فقط بما تمنحه لطلبتها من معرفة، وإنما كذلك بما تكتشفه فيهم من طاقات، وما تبنيه فيهم من قيم ومهارات، وما تمنحهم من مساحة ليجربوا ويتعلموا ويقودوا ويبدعوا.
فمهمة الجامعة في نهاية المطاف ليست أن تُخرّج حامل شهادة فحسب، وإنما أن تسهم في صناعة إنسان قادر على أن يصنع فرقًا.