إشكاليّة الوعي برسالة الإرشاد الأكاديميّ
د.عيسى بن سعيد الحوقاني
أستاذ النقد الأدبي المساعد ـ جامعة الشرقية
تعمل مراكز الإرشاد الأكاديمي في الجامعات على دعم الطلبة أكاديميًّا، وتطوير مهاراتهم وقدراتهم المتعلقة بالبرامج الدراسيّة التي تقدمها الجامعات؛ لكي يتمكّنوا من تحقيق الأهداف المرجوة من تلك البرامج.
وتقوم سياسة الإرشاد الأكاديمي في الجامعات على التزام الجامعات بتقديم الإرشاد الأكاديمي لجميع الطلبة، وعليه صار لزامًا على المرشدين الأكاديميين تقديم المعلومات والإرشادات والاستشارات المتعلقة بالخطة الدراسيّة والتسلسل في اختيار المقرّرات الدراسيّة، وفي مقابل ذلك وجب على الطلبة أنْ يكونوا مطلعين على سياسة الإرشاد الأكاديمي في الجامعة التي ينتسبون إليها، وأنْ يدركوا أنْ مقابلة المرشد الأكاديمي واستشارته أمرٌ لا بدّ منه ولو مرة واحدة على الأقل في كل فصل أكاديميّ في الأوضاع الطبيعيّة.
أما في حال تعثّر الطالب ووقوعه في الملاحظة الأكاديميّة فعليه أنْ يحرص على مقابلة المرشد الأكاديميّ مراتٍ متتابعة منتظمة في كل فصل، وعلى المرشد الأكاديمي أن يتابع الطالب وأنْ يوفّر له لقاءات حواريّة، يحرص فيها على متابعة الخطة الدراسية، ومتابعة تقدم المستوى التحصيلي للطالب، وألّا يغفل عن الدعم المعنويّ وما يتطلبه من أبعاد نفسيّة تسهم في إخراجه من الملاحظة؛ ليكون في مأمن من الإجراءات الإداريّة التي تصل إلى الحرمان من مواصلة دراسته الجامعيّة.
هكذا يبدو الإرشاد الأكاديمي ركيزة رئيسة من ركائز العمل في الجامعات والكليّات والمعاهد، ولا تقل أعمال الإرشاد الأكاديميّ أهميّة عن أعمال التدريس؛ إلّا أنّ إدراك هذه الأهمية يتفاوت بين الأطراف المعنيّة به، وأهمّ هذه الأطراف ثلاثة: أولها الطلبة، وثانيها الأكاديميّون، وآخرها موظفو الإرشاد الأكاديمي، ولم أضع الطلبة أول الأطراف عبثا؛ إذ إنّ أهداف الإرشاد الأكاديمي لا تتحقّق دون إدراكهم مهما كانت درجات إدراك باقي الأطراف.
إنّ الطلبة هم الطرف المستفيد من خدمة الإرشاد الأكاديمي، أما الطرفان الآخران فيندرجان ضمن مقدمي الخدمة، ولهذا كان لزامًا على الطلبة معرفة كيفية الاستفادة من الإرشاد الأكاديميّ، وذلك بحضور البرنامج التعريفيّ الذي تنظمه مؤسسات التعليم العالي لطلبتها، إلّا أنّ عزوف أغلب الطلبة عن حضور هذه البرامج أو الحضور السلبيّ دون اهتمام حال دون فهمهم لرسالة الإرشاد الأكاديمي وكيفية الاستفادة منه.
إنّ سوء فهم الطلبة لرسالة الإرشاد الأكاديميّ أدّت إلى الجهل بدور المرشد الأكاديميّ، فصار الطلبة يتردّدون على مكاتب المرشدين الأكاديميين لا لطلب الاستشارات والتوجيهات التي نصّت عليها سياسة الإرشاد الأكاديميّ، بل لطلب تخليص معاملات وإجراءات إدارية ليست من صلاحيّات المرشد الأكاديميّ مثل: رفع سقف سعة الشعبة، وتغيير توقيت الشعبة، والانتقال من شعبة إلى أخرى، وربما طلب بعض الطلبة من المرشد تجاوز البرنامج الأكاديميّ والخطة الدراسية كأنْ يطلبوا تقديم دراسة مقرر قبل مقرّر آخر مرتبط به، أو طلب دراسة مقرر بالتزامن مع مقرّر آخر، أو طلب زيادة الحد الأعلى من الساعات المسجلة في الفصل الأكاديمي على خلاف ما تقتضيه الخطة الدراسية، ولا شكّ في أن هذا الأمر جعل المرشدين الأكاديميّين يشعرون بعبء هذه الرسالة الساميّة؛ إذ يلح عليهم الطلبة بطلبات ليست ضمن مهام عملهم الإرشاديّ، وعندما لا يجد الطلبة استجابة من المرشد لهذا النوع من الطلبات يبدون الاستياء من المرشد الأكاديميّ لا لشيء غير أنّه التزم بسياسة الإرشاد الأكاديميّ في جامعته.
ومن هنا تأتي أهميّة نشر الوعي الإرشادي بين الطلبة، إلا أن نشر الوعي لا يتطلب تلك الورش الطويلة المملة في نظر الطلبة، بل يمكن أن يتحقق ذلك من خلال مقاطع قصيرة مصورة، في بضع دقائق، أو مطويات مختصرة.
ولا شكّ في أنّ وعي الطلبة بالإرشاد الأكاديمي لا يصب في خدمة الطلبة فحسب، بل يعين المرشد الأكاديمي على أداء عمله كما نصت عليه سياسات الإرشاد في جامعته، ولا ريب في أنّ تهيئة البيئة المناسبة للممارسة الإرشادية الفاعلة تؤدي إلى نتائج ملموسة تخدم الطالب والمرشد والمؤسسة الأكاديمية، فإذا مارس المرشد دوره الأكاديمي في بيئة مناسبة سيتمكّن من إخراج الطالب من الملاحظة الأكاديميّة، وهذا يعني أنّ المؤسسة الأكاديمية لن تفقد طلبتها بالانسحابات أو الفصل، وستتوجه الجهود إلى رفع المعدلات وتحسين البرامج التدريسية، وتعزيز رضا الطلبة عن المؤسسة، وهذه الجوانب مجتمعة تؤدي إلى الارتقاء بجودة التعليم الجامعي ويعزّز مكانة المؤسسة الأكاديمية في التصنيفات العالميّة.