هل تمتلئ الذاكرة؟ حقيقة قدرة الدماغ على حفظ المعلومات
يونس بن مصبح الراشدي
طالب بكلية العلوم الصحية – طب الطوارئ
مع اقتراب الاختبارات يتكرر سؤال بين الطلاب والطالبات: لِمَ أنسى بعض المعلومات بسرعة بينما يتذكرها غيري بسهولة؟ وهل الذاكرة محدودة إلى درجة تمتلئ فيها فلا تستطيع استقبال المزيد من المعلومات؟
الحقيقة أن الدماغ البشري أكثر تعقيدًا وقدرة مما نتصور. وتشير بعض التقديرات العلمية إلى أن قدرته على تخزين المعلومات هائلة للغاية، وتُقاس بآلاف التيرا بايت من البيانات؛ لذا فإن اعتقاد بعض الطلبة أن عقولهم امتلأت بالمعلومات أو لم تعد قادرة على الحفظ ليس دقيقًا من الناحية العلمية.
تمر أي معلومة نتعلمها بثلاث مراحل أساسية. تبدأ أولًا بمرحلة التشفير (Encoding)، إذ يحول الدماغ ما نقرؤه أو نسمعه إلى إشارات وروابط عصبية يمكن التعامل معها. ثم تأتي مرحلة التخزين (Storage)، وفيها تُحفظ المعلومة داخل شبكات مترابطة من الخلايا العصبية. وأخيرًا مرحلة الاسترجاع (Retrieval)، وهي القدرة على الوصول إلى المعلومة عند الحاجة إليها.
والمثير للاهتمام أن المعلومات لا تُخزن داخل الدماغ ككلمات مكتوبة، بل على شكل روابط واتصالات بين الخلايا العصبية. وكلما تكررت المراجعة والتدريب على المعلومة أصبحت هذه الروابط أقوى وأكثر ثباتًا؛ مما يجعل استدعاءها أسهل في المستقبل.
ومن الأخطاء الشائعة أن يقرأ الطالب موضوعًا جديدًا ثم يحاول بعد دقائق استرجاع جميع تفاصيله، فإذا لم يستطع ظن أنه نسي ما تعلمه. بينما تكون المعلومة في كثير من الأحيان قد دخلت مرحلة التخزين؛ لكنها لم تصل بعد إلى أفضل مستوى من الاسترجاع؛ لذا فإن الشعور المؤقت بالنسيان لا يعني بالضرورة أن المذاكرة كانت غير مفيدة.
وتؤثر العوامل النفسية والبيئية أيضًا بشكل مباشر في عملية التعلم. فالقلق والتوتر والإرهاق الذهني والمشكلات الشخصية قد تضعف التركيز والانتباه، وهما أساس عملية التشفير والتخزين. كذلك تؤدي كثرة المشتتات، خاصة الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، إلى تشتيت الانتباه وتقليل جودة التعلم.
ومن الحقائق المهمة أن الذاكرة تشبه العضلة إلى حد كبير؛ فكلما استخدمها الإنسان ازدادت كفاءتها. فَالقراءة والحفظ والمراجعة المستمرة تساعد على تقوية الروابط العصبية وتحسين القدرة على التعلم والتذكر. ولهذا فإن التدريب المستمر على الحفظ لا يستهلك الذاكرة، بل يسهم في تطويرها وزيادة فاعليتها.
في النهاية، لا يعتمد النجاح الدراسي على قوة الذاكرة وحدها، بل على فهم طريقة عمل الدماغ واستخدام أساليب صحيحة في التعلم. فكل معلومة جديدة نتعلمها تبني رابطًا جديدًا داخل عقولنا، وكلما تعلمنا أكثر أصبحت قدرتنا على التعلم أقوى، لا أضعف.