من بغداد إلى نزوى: رحلة 35 عاماً من الابتكار الهندسي والعطاء الأكاديمي
تكتسب المسيرة العلمية أسمى معانيها عندما تلتقي الخبرة الميدانية بالبحث الأكاديمي المتقدم؛ لتتحول النظريات إلى تطبيقات واقعية تخدم المجتمع وتدفع عجلة التنمية. ونقف في هذا الحوار أمام تجربة استثنائية يرويها لنا صاحبها، الدكتور وميض شوقي عبد المجيد، الأستاذ المشارك بقسم الهندسة الكيميائية والبتروكيميائية بجامعة نزوى، والمهندس الاستشاري المسجل بنقابة المهندسين العراقيين.
إذ تنسجم في مسيرته ثنائية لافتة تنوعت بين إدارة المصانع والعمليات الهندسية الميدانية، والابتكار الأكاديمي في مجالات حديثة كالبلازما اللاحرارية، وإنتاج الهيدروجين النظيف، والاستدامة البيئية. وفي هذا الحوار، يسرد لنا الدكتور وميض محطات هذه الرحلة الملهمة، وأبرز بصماته العلمية والتربوية التي امتدت زهاء 13 عاماً في سلطنة عمان، مشاركاً رؤيته في أمانة العلم، وربط البحث العلمي بالصناعة، ورسالته لأجيال المستقبل في عصر التدفق المعرفي والذكاء الاصطناعي.
بين انضباط القانون ورسالة التربية
أنا الدكتور وميض شوقي عبد المجيد، ينتمي أصل مسيرتي إلى العاصمة العريقة بغداد؛ إذ نشأتُ وترعرعتُ في ظل عائلة محافظة تُجل العلم والمعرفة. كان والدي يمارس عمله في الم
جال القضائي، بينما كانت والدتي تنتمي إلى الأسرة التعليمية والتربوية. هذا المزيج الفريد بين الانضباط الحقوقي والحس التربوي غرس في نفسي منذ الصغر حب الالتزام والحرص على التفوق والخدمة المجتمعية، حتى غدا رصيدي اليوم يتجاوز 35 عاماً من الخبرة المتواصلة في القطاعين الصناعي والأكاديمي.
أما على الصعيد الأسري، فأنا متزوج ولله الحمد، ولدي ولدان يشاركانني شغف خدمة المجتمع؛ أح
دهما خريج كلية الصيدلة في جامعة نزوى ويمارس مهنته حالياً صيدلانيا، والآخر يعمل مهندس تصميم داخلي. نعيش أنا وأسرتي في سلطنة عمان منذ 13 عاماً، ونحمل لهذا البلد الطيب أسمى معاني الامتنان والتقدير، وسعادتنا كبيرة بأن نكون جزءاً فاعلاً من حركة البناء والتنمية في السلطنة.
عبر دروب العلم: من بغداد إلى شيفيلد
كان طريق العلم بالنسبة لي رحلة متدرجة ومستمرة، بدأت معالمها تتشكل منذ مرحلة المدرسة الثانوية؛ إذ انجذبتُ لعلوم الرياضيات والفيزياء، ورأيت في الهندسة الكيميائية المجال الممتع الذي يجمع هذه العلوم معاً ليحولها إلى تطبيقات نراها في حياتنا اليومية وتخدم المجتمع. وبعد إتمام المرحلة الثانوية، بدأت رحلتي الجامعية بزيادة هذا الشغف خطوة بخطوة:
-مرحلة البكالوريوس: التحقتُ بالجامعة التكنولوجية في بغداد لدراسة الهندسة الكيميائية، وأنهيتُ هذه المرحلة بتفوق عام 1989 مستحقاً مرتبة بين الخمسة الأوائل على الدفعة.
-مرحلة الماجستير: واصلتُ دراستي العليا في نفس الجامعة، ونلتُ درجة الماجستير عام 1996 بعد إنجاز بحث يركز على طرق فصل وتنقية الأبخرة عن الغازات، وكانت هذه المرحلة بداية دخولي الفعلي لعالم البحث العلمي.
-مرحلة الدكتوراة: توجتُ هذا المسار بالسفر إلى المملكة المتحدة والدراسة في جامعة شيفيلد العريقة؛ إذ حصلتُ منها على الدكتوراة عام 2012. وتركزت دراستي هناك على ابتكار أجهزة قياس دقيقة تستخدم تقنيات البلازما للكشف الفوري عن المعادن الثقيلة في المياه.
هذا التسلسل من مقاعد المدرسة وصولاً إلى نيل شهادة الدكتوراة هو ما بنى لدي قاعدة علمية مكنتني لاحقاً من ربط الجانب الأكاديمي بالواقعين العلمي والصناعي بشكل مبسط وفعال.
حين يُطوع البحث خدمةً للمجتمع
يرتكز تكويني الأكاديمي والبحثي على الجمع المتكامل بين الخبرة الميدانية والصناعية الممتدة والعمل الأكاديمي والبحثي المتقدم؛ إذ أعمل حالياً أستاذا مشاركا بقسم الهندسة الكيميائية والبتروكيميائية بجامعة نزوى، وقد شغلتُ سابقاً منصب رئيس القسم لثلاث سنوات أكاديمية أسهمتُ فيها مع زملائي في إطلاق برنامج الماجستير وتطوير الخطط الدراسية في القسم. وأسهمت في الفعاليات العلمية في الكلية وتنظيم الملتقيات الوطنية لمشاريع التخرج الهندسية، وآخرها كان المؤتمر الدولي الأول للهندسة الإبداعية والتقنيات الناشئة في إبريل 2026. وفي الجانب التعليمي، أعتمد فلسفة تقوم على التدريس التفاعلي لبناء التفكير النقدي والمستقل لدى الطلبة وربط المفاهيم النظرية بالتطبيق العملي الميداني.

أما في المضمار البحثي، فيتركز شغفي العلمي على استخدام تقنيات البلازما اللاحرارية كونها عاملا محفزا في المجالات البيئية والصناعية والصحية، وتطوير أجهزة ومفاعلات نفاثة بالبلازما لابتكار حلول هندسية صديقة للبيئة، إلى جانب أبحاثي في إنتاج الهيدروجين النظيف، وتدوير الزيوت المستهلكة لِتحويلها إلى وقود حيوي، وتقنيات معالجة المياه الصناعية والمياه المصاحبة لإنتاج النفط الخام. وتتوج هذا النشاط بنشر العديد من البحوث المرموقة في مجلات عالمية مصنفة، والحصول على منح بحثية بارزة من بينها منحة مجلس البحث العلمي العماني (إيجاد)، فضلاً عن اختياري متحدثا رئيسا في مؤتمرات دولية في دول أوروبية كألمانيا واليونان، وعملي مراجعا ومقيما علميا معتمدا لعدد من المجلات والدوريات والمؤسسات البحثية المرموقة.
بصمة عطاء في أرض نزوى
تحفل مسيرتي في جامعة نزوى على مدار أكثر من اثني عشر عاماً بذكريات محفورة في الوجدان وبصمات أكاديمية ومجتمعية أعتز بها كثيراً. وعلى رأس هذه الذكريات يأتي دورنا في خدمة المجتمع المحلي وتنمية شغف العلوم لدى أجيال المستقبل؛ إذ تشرفتُ بمؤازرة وتقديم الدعم العلمي والبحثي لمعلمات وطالبات مدارس ولاية نزوى في إنجاز أبحاث واعدة في الهيدروجين والطاقة المستدامة، وتوّجت هذه الجهود بفوز إحدى المجموعات المدرسية بجائزة مرموقة في مؤتمر نظمته شركة تنمية نفط عمان (PDO). وتظل من الذكريات الإعلامية والعلمية العزيزة على قلبي استضافتنا برفقة طالباتي في برنامج 'من عمان' عبر تلفزيون سلطنة عمان؛ إذ سُلط الضوء على مشروعنا البحثي الواعد، واستقطب حينها إشادة واسعة ودعماً كبيراً تعزيزاً للابتكار الطلابي. وعلى الصعيد الأكاديمي، تعترينا فرحة استثنائية بالإنجاز الذي تمخض عن تأسيس وإطلاق برنامج الماجستير في الهندسة الكيميائية في العام 2018؛ كونه أول برنامج دراسات عليا يطرح في كلية الهندسة والعمارة وحصوله على اعتماد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. وفي الجانب البيئي والخدمي، أعتز بقيادتنا لحملة رصد وتنظيم المخلفات الصناعية بالجامعة للحد من آثارها البيئية، وذلك عبر الشراكة مع شركة 'بيئة' واستضافة خبرائها لاستنباط حلول عملية مستدامة.
وقد تكللت مسيرتي بالعديد من لحظات التقدير التي أعتز بها، وعلى رأسها تكريمي المشرّف من قِبل الأستاذ الدكتور رئيس الجامعة الموقر في فبراير 2026 بنيل التكريم للتميز الأكاديمي، بالإضافة إلى محطات قيادتي للقسم رئيسا للفترة 2016 – 2019، وكذلك إسهامي في تنظيم سلسلة الملتقيات الوطنية لمشاريع التخرج الهندسية (NSEFYP)، وتأسيسي لنادي المحاكاة الحسابية (CFD Club). ولكن تبقى أثمن البصمات وأحب الذكريات إلى قلبي هي ذلك الجسر الممتد من المودة والوفاء مع أبنائي الطلبة؛ إذ يسعدني ويشرفني تواصلهم المستمر معي بعد تخرجهم لطلب شهادات التوصية أو الاستشارة المهنية، وهو ما يعكس صدق رسالتنا وإخلاصنا في العمل، وتقدير المجتمع الأكاديمي والطلابي لمسيرتنا.
من المختبر إلى المصنع: أين تجسدت الإنجازات؟
تتوزع أبرز إنجازاتي بين الواقع الصناعي الميداني والابتكار الأكاديمي التطبيقي، ويمكن للقارئ والباحث رصد معالمها عبر محطات متكاملة:
فقد بدأت مسيرتي العملية من قلب المصانع والمنشآت الهندسية؛ إذ أسهمتُ في تصميم وتنصيب وتشغيل العديد من المعامل الكيميائية والمحطات البيئية في القطاعين الحكومي والخاص بالعراق. وعملتُ مديرا للمصانع لأكثر من خمس سنوات؛ وهي المرحلة التي صقلت معرفتي بالإدارة الصناعية المتقدمة، وعمّقت فهمي لديناميكيات السوق والتنافسية وكيفية إدارة العمليات تحت ضغوط القطاع الصناعي الخاص، مما شكل إضافة نوعية لخبرتي الهندسية والتنفيذية.
وعلى الصعيد الأكاديمي، سخرتُ تخصصي البحثي في مجال تطبيقات البلازما اللا حرارية (Non-Thermal Plasma)؛ وحظينا بدعم كريم ورعاية موصولة من الموقر الأستاذ الدكتور رئيس الجامعة عبر تقديم منحة تمكنا منها من تأسيس وتجهيز مختبر البلازما اللاحرارية بجامعة نزوى وتزويده بأهم المعدات التشغيلية المتقدمة. وقد شهد هذا المختبر على مدار الأعوام المنصرمة تطوراً نوعياً كبيراً، وركزنا فيه على تحويل البحث العلمي إلى تطبيق صناعي حقيقي، ونشرنا من طريقه بحوثا متميزة في الدوريات العالمية الرصينة.
ونحن اليوم نعيش مرحلة مفصلية تتمثل في نقل أبحاثنا الناجحة إلى مرحلة المشاريع الريادية (Pilot Plants) لإدخالها بصفتها تطبيقات فعلية في الصناعة؛ وخاصة في مجال إنتاج الهيدروجين عبر تفكيك جزيئات الماء بالبلازما اللاحرارية وهي تقنية مستحدثة ذات مستقبل واعد، إضافة إلى تقديم حلول بيئية مبتكرة تعتمد على معالجة الانبعاثات والمطلقات الصناعية من الغازات والأبخرة وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية عالية.
وتبرز إنجازاتي العلمية في المشاركة كوني متحدثا رئيسا في مؤتمرات دولية مرموقة خارج سلطنة عمان بدعوات رسمية، وعملي محكما ومراجعا علميا معتمدا وعضو هيئة تحرير لعدد من المجلات العلمية المرموقة. وتتوفر كافة التفاصيل والأوراق البحثية للمهتمين عبر المنصات الأكاديمية العالمية مثل (Scopus) و(ResearchGate).
فلسفة العطاء.. العلم أمانة ورسالة إنسانية
تتلخص رسالتي التي أستعين بها في رحلة العلم والعمل في أن العلم الحقيقي ليس مجرد نظريات تُدرّس أو بحوث تُنشر، بل هو أمانة ورسالة إنسانية تُترجم إلى تطبيقات عملية تخدم المجتمع وتصنع أثراً ملموساً. وإنني أؤمن إيماناً راسخاً بضرورة ربط البحث العلمي بالواقع الصناعي لنقل الأفكار من مستوى بحثي إلى مشاريع واقعية تسهم في التنمية المستدامة، مع الالتزام بالإخلاص والمثابرة لتجاوز التحديات، والاستثمار الحقيقي في أبنائنا الطلبة عبر غرس التفكير النقدي المستقل وتأهيلهم ليكونوا قادة مستقبل قادرين على خدمة وطنهم ومجتمعهم بكفاءة واقتدار.
التحديات فرص للنمو والتكامل
بالنسبة لي، أتعامل مع نقاط القوة بمسؤولية وتواضع؛ فنقاط القوة أراها مسؤوليّة وأدوات أستثمرها لتطوير البحث العلمي، وخدمة المجتمع، وتوجيه أبنائي الطلبة، والربط بين الخبرة الصناعية والعمل الأكاديمي. أما نقاط الضعف والتحديات، فلا أنظر إليها كونها عقبات، بل فرصا حقيقية للنمو والتطوير؛ فالمرء يظل يتعلم طوال مسيرته. ومن هذا المنطلق، أُؤمن بأهمية العمل الجماعي وتكامل الأدوار مع زملائي الأفاضل؛ إذ لا يمكن لفرد واحد أن يحوز كل الخبرات، بل يتحقق النجاح الفعلي والتميز المؤسسي بإشراك جميع أعضاء الفريق، وتبادل الخبرات عبر التخطيط السليم وروح الفريق المخلصة.
جيل الغد: بوصلة التفكير النقدي في عصر الذكاء الاصطناعي
إن الانفجار المعرفي والتدفق المعلوماتي الهائل، ولا سيما مع بروز أدوات الذكاء الاصطناعي، يمثل اليوم سلاحاً ذا حدين؛ والتعامل الصحيح معه لا يكمن في الحظر أو التخوف، بل في إتاحة هذه التقنيات وإرشاد الطلبة نحو الاستخدام المسؤول والواعي. ولتحقيق نقلة نوعية حقيقية، يتحتم على القطاع الأكاديمي تطوير أدواته التقييمية وتشريعاته التنظيمية لمواكبة هذه التقنيات، وضمان الاستغلال الأمثل والأخلاقي لها ومنع سوء استخدامها. وفي الوقت ذاته، يجب أن ننتقل بمركز العملية التعليمية من مجرد حفظ وتحصيل المعلومات، التي أصبحت متاحة بضغطة زر، إلى التركيز على تنمية التفكير النقدي والمستقل ومهارات التحليل والتحقق المنهجي والتطبيق العملي لنضمن تخريج جيل لا يستسلم للحلول الجاهزة، بل يمتلك القدرة على توظيف التكنولوجيا كأداة مساعدة لإبداع حلول علمية وصناعية تخدم المجتمع.