مكتبات زرتها: مكتبة مجمع اللغة العربية بالقاهرة... للعلم بيتٌ على ضفاف النيل
مكتبات زرتها: محمد الإسماعيلي
في قلب القاهرة، وفي حي الزمالك الأنيق، حيث ينساب النيل في هدوء، وتلتقي عراقة المكان بجماله، كانت لي زيارة إلى مكتبة مجمع اللغة العربية بالقاهرة؛ زيارة لم تكن عابرة إلى رفوف الكتب، ولا مجرد جولة في أروقة مكتبة، وإنما كانت وقوفًا أمام ذاكرة علمية ولغوية تحفظ جانبًا نفيسًا من تراث العربية، وتفتح أبوابها في الوقت نفسه على آفاق المعرفة الحديثة.
ولعل أول ما يلفت الزائر أن المكتبة تقوم في موقع له خصوصيته وجماله؛ فالنيل قريب، والحياة من حوله نابضة، وكأن المكان يذكّر زائره بأن العلم، وإن كان متصلًا بالماضي وجذوره، لا يعيش إلا في فضاء مفتوح على الحياة والحاضر والمستقبل. 
وما إن تدخل المكتبة حتى تشعر أنك أمام عالم آخر؛ عالمٍ تتجاور فيه القرون، وتتلاقى فيه أصوات العلماء والشعراء واللغويين مما تركوه من كتب ومعاجم ودواوين ومخطوطات. هنا كتبٌ عتيقة تحمل أثر أجيال مضت، ومعاجم تمثل جهدًا طويلًا في خدمة لغة الضاد، ودواوين تحفظ نبض الشعر العربي، ومخطوطات نادرة وثمينة تختزن بين صفحاتها شيئًا من تاريخ الفكرين العربي والإسلامي.
وليس أعظم ما في المكتبات قيمة ما تحفظه فحسب، إنما قدرتها على أن تجعل هذا المحفوظ حيًّا في أيدي الباحثين وطلبة العلم. وهذا ما لمسته في مكتبة المجمع؛ فهي لا تبدو مكانًا مغلقًا على تراثها، ولا خزانةً تصون الكتب من الناس، بل فضاءً مفتوحًا لمن جاء يطلب العلم، أيًّا كانت جنسيته أو بلده.
وقد كان للاستقبال الرحب والجميل أثر خاص في النفس. فثمة مؤسسات علمية قد تكون عظيمة في مقتنياتها؛ لكنها تظل بعيدة عن الباحث بروحها وإجراءاتها؛ أما هنا فكان الشعور مختلفًا: ترحيب بالزائر، واستعداد للمساعدة، وإحساس بأن خدمة الباحث جزء أصيل من رسالة المكان، وأن الكتاب لم يوضع ليُحفظ وحسب، بل ليُقرأ ويُدرس ويُنتفع به.
وأحسب أن أجمل ما يمكن أن يقال في هذه المكتبة أنها تجمع بين الأمانة للتراث والانفتاح على العصر. فهي تحفظ نفائس العربية ومصادرها، لكنها لا تنظر إلى اللغة والتراث بوصفهما ماضيًا مكتفيًا بذاته، وإنما تنفتح على العلوم الحديثة والرؤى المعاصرة، وتدرك أن خدمة العربية اليوم تقتضي أن تكون حاضرة في ميادين المعرفة الجديدة، قادرة على الحوار مع أسئلة العصر وتحدياته.
وهذه الثنائية - حفظ الجذور والانفتاح على الآفاق - هي في رأيي سر من أسرار قوة المؤسسات العلمية الحقيقية؛ فلا قيمة لتراث يُحفظ في الصناديق ولا يصل إلى العقول، ولا جدوى من حداثة تقطع صلتها بالذاكرة التي صنعتها. وبين الماضي والمستقبل تقف مكتبة مجمع اللغة العربية بالقاهرة شاهدةً على أن الكتاب يمكن أن يكون جسرًا لا حاجزًا، وأن التراث يمكن أن يكون منطلقًا لا قيدًا، وأن اللغة قادرة على أن تجمع بين أصالة الجذور وحيوية الحاضر.
خرجت من المكتبة وأنا أشعر أنني لم أزر مكانًا للكتب فقط، بل زرت جزءًا من الذاكرة العلمية العربية. وبينما كان النيل يمضي في طريقه غير عابئ بتعاقب الأيام، كانت في أرفف المكتبة ذاكرة أخرى تحفظ ما لا ينبغي أن يضيع: كلمات العلماء، وأشعار الشعراء، وجهود اللغويين، وأوراق الباحثين، وشواهد رحلة طويلة قطعتها العربية في تاريخها.
وهكذا تضاف مكتبة مجمع اللغة العربية بالقاهرة إلى سلسلة "مكتبات زرتها"؛ لا كونها محطة في رحلة بين المكتبات، بل تجربة تذكّرنا بأن للأمة ذاكرةً تسكن الكتب، وأن من يخدم الكتاب إنما يخدم العلم، ومن يفتح أبواب مكتبته للباحثين يفتح نافذة للمستقبل.
وفي زمن تتغير فيه وسائل المعرفة بسرعة، وتنتقل المعلومة من الورق إلى الشاشات، تبقى للمكتبة روحها التي لا تُستبدل: رفوفٌ تحمل آثار من سبقونا، وباحثٌ يقلب الصفحات، وكتابٌ يفتح أبوابه لعقل جديد، ومؤسسة تؤمن بأن العلم لا يكتمل إلا حين يُتاح لمن يطلبه.
سلامٌ على مكتبةٍ تحفظ للعربية ذاكرتها، وتفتح للعلم أبوابه، وتقف على ضفاف النيل شاهدةً على أن للكتاب حياةً أخرى حين يجد من يحبه، ويحفظه، ويفتحه للناس.