السنة 26 العدد 200
2026/08/01

بوصلة إلى أحدث الإصدارات

 

في خضمِّ سعي مكتبة جامعة نزوى إلى ترسيخ ثقافة القراءة الواعية ومتابعة الحراكين الفكري والمعرفي المعاصر، يأتي هذا الركن من مكتب النشر ليكون نافذة متجددة على ما استجدّ من إصداراتٍ علميةٍ وفكريةٍ رصينة وصلت حديثا إلى مكتبة جامعة نزوى. ومن طريق قراءةٍ شهريةٍ في ثلاثة كتب مختارة، نسعى إلى مدّ جسورٍ بين القارئ والمحتوى، وإلى إحياء روح التفاعل مع الكتاب بوصفه منبعًا للفكر ومجالًا للحوار والتأمل. إنها خطوةٌ نحو جعل القراءة ممارسةً حيةً تُسهم في تنمية الوعي وتغذية العقل وتنوير الدرب الأكاديمي والثقافي معًا.

 

قراءة في كتاب الأسلوبية والصوفية (دراسة أسلوبية في شعر الحسين بن منصور الحلاج)

 

قراءة: شذى السعدية

الكاتب: د. أماني سليمان داود
دار النشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر

 

 

 

 

يلتقي في كتاب "الأسلوبية والصوفية" المنهج الأسلوبي، بما يملكه من أدوات لتحليل البنى اللغوية، مع التجربة الصوفية بما تنطوي عليه من غموض وإيحاء، لتتحول الدراسة إلى مكاشفة تكشف ما وراء الكلمات من دلالات وأنوار.

تنطلق الباحثة من المقولة الصوفية: "إذا اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"، لتبيّن أن ضيق العبارة ليس عجزاً لغوياً، بل دافعاً إلى ابتكار لغة تتجاوز المألوف. ومن خلال شعر الحلاج، تكشف كيف يتحول الحرف من وسيلة للتواصل إلى طاقة رمزية تتجاوز المعنى المباشر.

وتتناول الدراسة مستويات أسلوبية متعددة؛ فتقرأ الإيقاع من خلال التكرار والتوازي بوصفهما تجسيداً للوجد، وتحلل المعجم الصوفي وكيف تنتقل مفردات مثل الخمر والشرب والحجاب والموت من دلالاتها الحسية إلى رموز روحية، وترصد التركيب وما فيه من شذرات وأسئلة وانزياحات تكسر المألوف وتوقظ الوعي.

ويتمثل جوهر الكتاب في إبراز طبيعة اللغة الصوفية الإشارية التي لا تقدم المعنى جاهزاً، بل تترك القارئ في مساحة من الدهشة والتأويل. وقد نجحت المؤلفة في مقاربة هذه اللغة بوعي نقدي حديث يحافظ في الوقت نفسه على روح النص الصوفي.

وفي المحصلة، يتجاوز الكتاب حدود الدراسة النقدية المتخصصة، ليقدم قراءة تكشف جمال النص الصوفي وثراءه، وتؤكد أن الإبداع يظل قابلاً لاكتشافات جديدة متى وجد الناقد القادر على الجمع بين دقة المنهج وبصيرة القراءة. وهكذا تبدو الأسلوبية في الكتاب أداةً تكشف أبعاد التجلي الكامنة في شعر الحلاج، وتصل بين علم اللغة وفضاءات التصوف.

 

قراءة في كتاب العالِم والإنسان

قراءة: بيان الصبحية

 

 

 

يقدم كتاب: "الشيخ سليمان بن علي بن سليمان الكندي: العالم والإنسان" صورة متكاملة لأحد أعلام عُمان الذين جمعوا بين العلم والقضاء والأدب والتربية وخدمة المجتمع. ويضم الكتاب دراسات وأبحاثًا قُدمت في ندوة نظمتها الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، متجاوزةً السرد التقليدي للسيرة إلى تحليل أثر الشيخ الفكري والإنساني.

يتتبع الكتاب نشأته وتكوينه العلمي، ثم دوره في القضاء، وما اتصف به من حكمة وعدل ورجاحة رأي أكسبته ثقة المجتمع واحترامه. كما يتناول إنتاجه الأدبي من رسائل وقصائد، كاشفًا عن ثرائه اللغوي وعمقه الفكري وقيمه الأخلاقية والإنسانية، وقدرته على توظيف اللغة في خدمة الفكرة.

ومن أبرز ما يميز الكتاب أنه يقدم الشيخ الكندي بوصفه عالمًا وإنسانًا؛ قريبًا من الناس بعلمه وعدله وتواضعه وحرصه على الإصلاح، فلا يفصل بين مكانته العلمية وأثره الاجتماعي والأخلاقي.

ويمثل الإصدار إضافة مهمة إلى المكتبة العمانية، لما يوثقه من سيرة أحد علمائها، ولما يكشفه من جوانب الحركة العلمية والثقافية في عُمان ودور علمائها في ترسيخ المعرفة والعدل والهوية الوطنية. كما يقدم للأجيال نموذجًا يؤكد أن العلم الحقيقي يقترن بالأخلاق والعمل وخدمة المجتمع.

وهكذا لا تقتصر قيمة الكتاب على توثيق سيرة رجل من الماضي، بل تستحضر قيمًا ما تزال حية؛ فالشيخ سليمان الكندي يظهر فيه مدرسةً في الفكر والقضاء والأدب والتربية والإنسانية، جعل من العلم رسالة، والأخلاق منهجًا، وخدمة المجتمع غاية.

 

قراءة في كتاب جدل الذات والموضوع: قراءات في مسيرة القصة القصيرة الأردنية

 

  

قراءة: ماجدة الخاطرية

تأليف: د. محمد عبيد الله  

تاريخ النشر: 2025م

 

 

 

  هل يمكن لقصة قصيرة من بضع صفحات أن تختزل روح وطن وتقلبات إنسان؟ في هذا الكتاب، يفكك الدكتور محمد عبيد الله شيفرة الإبداع السردي الأردني؛ ليأخذنا في رحلة تكشف كيف تحوّل هذا الفن من بدايات تأسيسية بسيطة إلى منارة أدبية تنافس بقوة في المشهد العربي المعاصر.

يرصد الكتاب الجدلية الدائمة بين "الذات" (مشاعر الكاتب وتجريبه الفني) و"الموضوع" (الواقع، والسياسة، والمجتمع)، ويتوزع عبر ثلاثة أقسام:

1- تأسيس المكان والمرجع: يدرس نشأة القصة الأردنية وتأصيلها النظري وتحولات المكان (خاصة مدينة عمّان)

2- جيل الرواد: يحلل قصص ما قبل التسعينيات (الواقعية، سرد البادية، وأدب السجون) لرواد مثل يعقوب العودات وعدي مدانات.

3- جيل الحداثة (التسعينيات والألفية): يغوص في التجريب الجريء للأجيال الجديدة، مع التركيز على "تأنيث السرد" والكتابة النسوية لكاتبات مثل بسمة النسور وجميلة عمايرة.

يضعنا الكتاب أمام حقيقة واضحة: القصة القصيرة الأردنية لم تكن مجرد ترف أدبي، بل مرآة صلبة ومصقولة حفظت تفاصيل الهوية والتحولات العربية، وأثبتت أن الأدب الحقيقي هو الذي يولد دائماً من رحم الجدل الخلاق بين الكاتب ومجتمعة.

هذا الكتاب ليس مجرد توثيق لتاريخ الأدب في الأردن، بل هو 'مفتاح سحري' يمنحك عدسة جديدة تماماً لتقرأ بها أي قصة وتستمتع بتفاصيلها المخفية. يتجلى ذكاء الكاتب في جعل المادة النقدية الرصينة تنساب كالنهر دون تعقيد أو طلاسم؛ مما يجعله كتاباً ممتعاً للقارئ العادي ومرجعاً لا غنى عنه للمتخصص.



إرسال تعليق عن هذه المقالة