السنة 26 العدد 200
2026/08/24

قصة علف محلي واعد: من التكاليف المرتفعة إلى الحلول الذكية 

هل يمكن تغذية الخراف بمواد محلية متاحة ورخيصة الثمن، دون التأثير في صحتها ووزنها وجودة لحمها؟

 

 

د. سعيد بن شنان الخلاسي، أستاذ مساعد، كرسي اليونسكو لدراسات الأفلاج وعلم المياه الاجتماعي

 

دراسة علمية من جامعة نزوى تثبت أن سعف النخيل ومخلّفات التمور وبقايا الأسماك والمورينجا يمكن أن تُغني المُربي العُماني عن استيراد العلف

 

يُشكّل العلف ما بين 60 إلى 75 بالمئة من إجمالي تكاليف تربية المواشي في سلطنة عُمان، وهو عبء ثقيل يتحمّله المربون يومياً، لا سيما أن غالبية مكوّنات العلف التجاري تُستورد من الخارج بأسعار متذبذبة تتأثر بالأسواق العالمية. ومع شُح المياه وضيق الأراضي الصالحة للزراعة في البيئات الجافة وشبه الجافة كعُمان، يغدو إنتاج المحاصيل العلفية محلياً أمراً عسيراً في أحيان كثيرة.

من هذا الواقع انطلق فريق بحثي من جامعة نزوى بقيادة الدكتور سعيد الخلاسي، وأجرى دراسةً علميةً متكاملة تسعى إلى إيجاد إجابة عملية لِسؤال يشغل بال كل مُربٍّ عُماني: هل يمكن تغذية الخراف بمواد محلية متاحة ورخيصة الثمن، دون التأثير في صحتها ووزنها وجودة لحمها؟

 

فكرة البحث: من مخلّفات البيئة إلى علف متكامل

انطلق الباحثون من فكرة بسيطة في جوهرها لكنها عميقة في أثرها: سلطنة عُمان تمتلك موارد علفية محلية وفيرة لكنها مهملة أو مستغَلة بصورة محدودة. ثلاثة من هذه الموارد وقع عليها اختيار الفريق البحثي:

أولاً: سعف وتمور النخيل تُصنَّف سلطنة عُمان ضمن أبرز الدول المنتجة للتمور في العالم، وما يترافق مع ذلك من كميات هائلة من سعف النخيل الذي يُعامَل في معظم الأحيان على أنه نفاية زراعية يصعب التخلص منها. غير أن هذا السعف يحتوي على ألياف خشنة تُفيد في ملء الكرش وتحفيز حركته، رغم ارتفاع نسبة الليغنين فيه مما يُعيق هضمه بالكامل. إلى جانب أن التمور القليلة الجودة التي لا تصلح للاستهلاك البشري يمكن أن تستغل في إنتاج دبس التمر والاستفادة لتوفير الطاقة في الخلطة العلفية.

ثانياً: فضلات معالجة الأسماك (مسحوق السمك) تمتلك سلطنة عُمان صناعة سمكية راسخة، تُنتج معها كميات كبيرة من مخلفات تصنيع الأسماك ومن مخلفات تقطيع الأسماك بالأسواق التقليدية لبيع الأسماك، التي نادراً ما تجد طريقها إلى العلف الحيواني. ومسحوق السمك المُستخلَص من هذه المخلفات غنيٌّ بالبروتين عالٍ الجودة الذي يصعب تحلّله في الكرش؛ مما يعني أن جزءاً وفيراً منه يصل إلى الأمعاء الدقيقة ليُمتصّ مباشرةً وهذه ميزة غذائية نادرة كما أنه غني بمركبات ضرورية لنمو وصحة الحيوان مثل الكالسيوم والفسفور وفيتامين د واميجا 3.

ثالثاً: أوراق وسيقان المورينجا (Moringa oleifera) تُعرف هذه الشجرة عالمياً بـ"شجرة المعجزة"، وهي سريعة النمو وتتحمّل الجفاف، وتُزرع في مناطق عديدة من عُمان. تحتوي أوراقها على نسبة بروتين تتراوح بين 25 و30 بالمئة، وتزخر بالمعادن والفيتامينات والمركبات الحيوية الفعّالة ذات الخصائص المضادة للأكسدة والالتهابات.

قام الباحثون بصياغة خلطة علفية متكاملة (TMR) من هذه المكوّنات بالنسب الآتية  بناءً على العناصر الغذائية لهذه المكونات، وهي: 34% مورينجا، 20% شعير، 18% دبس التمر، 16% سعف النخيل، 10% مسحوق السمك، و1% ملح طعام.

 

تصميم التجربة: الميدان هو الفصل

أُجريت التجربة في مركز بحوث الإنتاج الحيواني بالرميس، ولاية بركاء، على مدى 84 يوماً متواصلاً امتدت من أبريل إلى سبتمبر 2025، في ظروف مناخية تعكس القسوة الحقيقية للبيئة العُمانية، إذ تراوحت درجات الحرارة بين 28 و35 درجة مئوية ورطوبة هواء تتراوح بين 60 و 80%.

اشتملت التجربة على عشرين خروفاً عُمانياً ذكراً بمتوسط وزن أولي 20.5 كيلوغرام وعمر حوالي خمسة أشهر، قُسِّمت عشوائياً إلى مجموعتين:

  • المجموعة الأولى (10 خراف): تغذّت على العلف التجاري الجاهز.

  • المجموعة الثانية (10 خراف): تغذّت على العلف المحلي المُصنَّع.

النمو والذبيحة: تعادل في وزن الذبائح رغم التفوق في الوزن الحي

النتيجة الأبرز في هذه التجربة أن وزن الذبيحة لم يختلف بين المجموعتين من الناحية الإحصائية وهذا هو الرقم الذي يعني المُربي فعلاً؛ لأن ما يُباع في السوق والأهم هو الذبيحة لا الخروف الحي. فقد جاءت أوزان الذبائح متقاربةً سواء أكانت ساخنة (13.42 مقابل 11.28 كيلوغرام، P = 0.053) أم باردة (13.07 مقابل 11.03 كيلوغرام، P = 0.057)، رغم أن خراف العلف التجاري كانت أثقل وزناً قبل الذبح بفارق ملحوظ (30.86 مقابل 25.54 كيلوغرام). وهذا التفوق في الوزن الحي كان حقيقياً؛ إذ بلغت الزيادة اليومية 135 غراماً للعلف التجاري مقابل 76 غراماً للعلف المحلي، بفارق يناهز 43 بالمئة، ويُرجَّح أن مرده ضعف كفاءة استخلاص الطاقة من العلف المحلي لا قلة الكمية المُتناوَلة إذ لم تختلف كمية العلف المُستهلَكة بين المجموعتين؛ وذلك بسبب ارتفاع نسبة الليجنين في سعف النخيل، فضلاً عن مركبات التانين والصابونين في المورينجا التي تعوق نشاط البكتيريا الهاضمة للألياف. غير أن كل هذا الفارق في النمو تبدّد عند الميزان، وبقيت الذبيحة واحدة.

الاقتصاد: انقلاب المعادلة

 

هنا تنكشف القيمة الحقيقية للدراسة:

المعيار الاقتصادي

العلف التجاري

العلف المحلي

نسبة التوفير

التكلفة اليومية للتغذية

11.27 ريال

3.55 ريال

68.5%

تكلفة كيلوغرام الوزن الحي

0.95 ريال

0.56 ريال

41.3%

التكلفة الكلية لمدة التجربة

945 ريال

298 ريال

68.5%

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وبعبارة أوضح: رغم أن خروف العلف المحلي أنتج وزناً حياً أقل، فإنه أنتج كل كيلوغرام من اللحم بتكلفة أخفض بـ41% وهذه هي الحسابات التي يفهمها المُربّي قبل العالِم.

 

جودة اللحم: التساوي المُدهش

  • الطراوة: 3.90 مقابل 3.81 كيلوغرام كلاهما ضمن حدود اللحم الطري المقبول تجارياً.

  • درجة الحموضة: ضمن النطاق الطبيعي للحم الضأن في كلتا المجموعتين (5.3 إلى 5.7).

  • اللون والعصارة والفقد عند الطهي: لا فروق معنوية.

  • نسبة التصافي: متشابهة تماماً (43.8% مقابل 43.1%).

 

الدهون الداخلية: مفاجأة لصالح الصحة والسوق

أظهرت خراف العلف المحلي انخفاضاً في الدهون الداخلية بنسبة إجمالية 35.4%، موزّعةً على: دهون الكُلى بنسبة 40.5%، والدهون المساريقية بنسبة 34.1%، والدهون الثربية بنسبة 32.5%. وهذه النتيجة تحمل أبعاداً تجارية وصحية واضحة؛ إذ تحصل الذبائح ذات الدهون الداخلية الزائدة على تصنيفات أدنى في الأسواق الحديثة. ويُعزى هذا الانخفاض إلى المركبات الحيوية في المورينجا التي تُثبّط تكوّن الخلايا الدهنية وتُحفّز تكسير الدهون المخزّنة.

 

الصحة العامة: طمأنينة تامة

أجرى الباحثون تحاليل دم شاملة في بداية التجربة ونهايتها شملت 15 مؤشراً للدم الكامل و20 مؤشراً بيوكيميائياً. والنتيجة المطمئنة أن جميع القيم كانت ضمن الحدود الطبيعية للخراف السليمة في كلتا المجموعتين، ولم يظهر أي مؤشر على ضرر للكبد أو الكلى أو الجهاز المناعي. وأظهرت مجموعة العلف المحلي مستوى سكر في الدم أكثر استقراراً، يُرجَّح أنه من تأثير دبس التمر ومركبات المورينجا الفعّالة على حساسية الأنسجة للأنسولين.

 

ماذا يوصي الباحثون؟

قدّم الفريق البحثي خارطة طريق عملية لتحسين أداء العلف المحلي:

  1. معالجة سعف النخيل والمورينجا: بأساليب السيلجة أو معالجة البخار أو الأقلمة القلوية لكسر الروابط الليجنوسيلولوزية.

  2. تعديل التركيبة: بزيادة نسبة الشعير أو دبس التمر لرفع كثافة الطاقة.

  3. خفض أثر التانين: بإضافة بولي إيثيلين جليكول أو معالجة مناسبة للحد من التأثير السلبي في هضم الألياف.

  4. إجراء دراسات تكميلية: تشمل تحليل ميكروبيوم الكرش وتقييماً حسياً للحم وتتبعاً للأحماض الدهنية.

 

خلاصة: أربعة أرقام تُلخّص الصورة

68.5% وفر في التكلفة اليومية للتغذية

41.3% وفر في تكلفة إنتاج كيلوغرام اللحم

متساوٍ وزن الذبيحة النهائية بين المجموعتين

صفر فرق في جودة اللحم أو صحة الحيوان

هذه الدراسة تُقدّم دليلاً علمياً موثوقاً على أن الطريق ممكن وموجود. والرسالة موجّهة إلى المربّي العُماني قبل الأكاديمي: في سعف نخيلك، وفي مخلفات صيادي بلدك، وفي شجرة المورينجا التي تنمو على جانب الطريق مادة خام قادرة أن تُحوَّل إلى ثروة، بشرط أن تُعالَج بالعلم الصحيح.

وجديراً بالذكر، فقد تم التقدم لتسجيل براءة اختراع لخلطة العلف المتكاملة إلى المكتب الوطني للملكية الفكرية بطلب رقم OM/P/2026/00044، وحالياً في طور الإجراءات الرسمية.

وفي ختام هذا العمل، لا يسعنا إلا أن نُثمّن التعاون المثمر الذي جمع  بين كرسي دراسات الأفلاج وعلم المياه الاجتماعي بجامعة نزوى، والباحثين في مركز بحوث الإنتاج الحيواني بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، والفنيين في قسم علم الحيوان والبيطرة بجامعة السلطان قابوس، الذي يمثل شراكة مؤسسية حقيقية أسهمت في إنجاح هذا المشروع الرائد، وأنموذج يستحق الاحتذاء به في البحث العلمي التطبيقي العُماني.

نُشرت الدراسة في مجلة Frontiers in Veterinary Science المصنفة من الفئة الأولى Q1 والمفهرسة في Scopus و Web of Science و PubMed وذلك في مايو 2026م.

Al-Khalasi S, Al-Ghafri A, Al-Yahyaey F, Al-Kharousi K, Al-Saqri S, Al-Ismaili Z and Al-Sheibani H (2026). Date palm by-products, fish waste, and Moringa oleifera as a cost-effective total mixed ration for fattening lambs: trade-offs between economic benefits and growth performance. Frontiers in Veterinary Science, 13: 1786930. doi: 10.3389/fvets.2026.1786930

 

المراجع العلمية

  • Al-Khalasi S, Al-Ghafri A, Al-Yahyaey F, Al-Saqri S, Al-Habsi N, Muhammad AI (2026). Growth, health, and economic performance of post-weaning lambs fed1 alternative concentrate. Animals, 16: 1203. doi: 10.3390/ani16081203

  • Mahgoub O, Kadim IT, Johnson EH, Srikandakumar A, Al-Saqri NM, Al-Abri AS, et al. (2005). The use of a concentrate containing Meskit (Prosopis juliflora) pods and date palm by-products to replace commercial concentrate in diets of Omani sheep. Animal Feed Science and Technology, 120: 33–41. doi: 10.1016/j.anifeedsci.2005.01.011

  • Falowo AB, Mukumbo FE, Idamokoro EM, Lorenzo JM, Afolayan AJ, Muchenje V (2018). Multi-functional application of Moringa oleifera Lam. in nutrition and animal food products: a review. Food Research International, 106: 317–334. doi: 10.1016/j.foodres.2017.12.079

  • Abdoun KA, Suliman GM, Alsagan AA, Altahir OA, Alsaiady MY, Babiker EE, et al. (2024). Replacing alfalfa-based total mixed ration with Moringa leaves for improving carcass and meat quality characteristics in lambs. Heliyon, 10: e36863. doi: 10.1016/j.heliyon.2024.e36863

  • Al-Abri AS, Mahgoub O, Kadim IT, Al-Marzooqi W, Goddard SR (2017). Effects of feeding fish-wheat bran meal on performance and meat quality of Omani sheep. Journal of Applied Animal Research, 45: 234–238. doi: 10.1080/09712119.2016.1150843



preencoded.png

صوره قياس : اوزان الخراف 

 

مزرعة أحمد محمد – Nakhyl

صوره |: مخلفات سعف النخيل 


preencoded.png

 

صورة: التغذية اليومية للخراف في أثناء التجربة

 

صورة: وزن الذبح والذبيحة الباردة وكفاءة تكلفة العلف لحملان تغذّت على علف تجاري أو محلي الصنع (TMR) مدة 84 يوماً. كان وزن الذبح أعلى معنوياً في المجموعة التجارية (**P<0.01)، ولم يختلف وزن الذبيحة الباردة بين المجموعتين، فيما كانت تكلفة العلف لكل كجم من وزن الذبيحة أقل معنوياً في المجموعة المحلية. (***P<0.001) بانخفاض 41.3%.

 

صورة: تحليل الأعلاف في المختبر 

 


صورة: تجفيف المورينجا 

 

صورة: ‘نتاج دبس مخلفات التمور

 

صورة: مشاركة في أحد معارض الابتكار للتعريف بمنتج الخلطة العلفية المتكاملة المحلية TMR

 

صورة: بوستر في أحد معارض الابتكار يوضح العلف المبتكر مع عينة منه 

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة