السنة 26 العدد 200
2026/08/19

من التحدّي إلى الإنجاز ... رحلةُ علمٍ صقلتها التجارب وأثمرتها المعرفة

 

 

من قرية ساحلية في ولاية السيب، وفي كنف أسرة عُمانية صغيرة غرست فيها قيم المسؤولية والاجتهاد واحترام العلم والعمل، بدأت الدكتورة كاملة الغسانية رحلتها التي قادتها من مقاعد مدرسة نسيبة بنت كعب إلى جامعات اسكتلندا والولايات المتحدة الأمريكية، ثم إلى رحاب جامعة نزوى أستاذةً ومربيةً للأجيال.

لم تكن الرحلة طريقًا مستقيمًا أو خاليًا من التحديات؛ فقد حملت الغربة، واختلاف اللغة والثقافة، ومسؤوليات الأسرة والأبناء، إلى جانب مسار مهني امتد لسنوات، قبل أن تتوج تجربتها العلمية بالدكتوراة في الصيدلة الاجتماعية والإدارية. وفي كل محطة، كانت المعرفة بالنسبة إليها أكثر من شهادة، والعمل أكثر من وظيفة؛ فالعلم بناء للإنسان، والعمل رسالة وأمانة، والنجاح الحقيقي هو الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين.

في هذه المسيرة، ظل إيمان الوالد، رحمه الله، بقدرات ابنته ودعمه لها في مواجهة الاعتراضات على ابتعاثها إلى الخارج، حاضرًا بوصفه نقطة انطلاق أساسية. وكان لدعم الزوج دور محوري في مرحلة الدكتوراه، حين تزامنت الدراسة مع مسؤولياتها الأسرية كونها زوجة وأم لأربعة أبناء.

وتصف الدكتورة كاملة مسيرتها التعليمية بـ"رحلة الألماس"؛ فكما يزداد الألماس بريقًا مع الصقل وتعدد الأوجه، صقلت مراحل البكالوريوس والماجستير والدكتوراة معارفها ومهاراتها، وأضافت إلى تجربتها المهنية أبعادًا فكرية ومنهجية وإنسانية أوسع.

ومن الصيدلة السريرية إلى الصيدلة الاجتماعية والإدارية، ومن الممارسة المهنية إلى البحث الأكاديمي والتدريس، حملت تجربتها قناعة راسخة بأن كل صيدلي قائد في موقعه، وأن التعليم الحقيقي لا يقتصر على نقل المعلومة، بل يصنع إنسانًا قادرًا على التفكير والتحليل واتخاذ القرار.

في هذا العدد من صحيفة إشراقة، نقترب من تجربة الدكتورة كاملة الغسانية؛ لنستعيد معها البدايات، ونعرض محطات التعليم والاغتراب والعمل والبحث، ونستمع إلى رؤيتها للعلم والعمل، ورسالتها للطلبة في عصر الانفجار المعرفي والذكاء الاصطناعي.

 

س1/ عرّفينا بنفسكِ… نشأتكِ والأسرة ومجتمعكِ؟

أنا الدكتورة كاملة الغسانية، أستاذ مساعد في كلية العلوم الصحية - مدرسة الصيدلة بجامعة نزوى. نشأت في أسرة عُمانية صغيرة مكونة من والديّ وثلاثة إخوة وأخت، في قرية ساحلية بولاية السيب، ضمن مجتمع عُماني تقليدي اتسم بالترابط الأسري والاجتماعي والتمسك بالقيم والعادات الأصيلة.

كان للأسرة والمجتمع المحيط بي دور كبير في تشكيل شخصيتي؛ بغرس قيم المسؤولية والاجتهاد واحترام العلم والعمل. وتلقيت تعليمي المدرسي في مدرسة نسيبة بنت كعب، التي أعتز كثيرًا بالانتماء إليها، فقد خرجت أجيالًا من الطالبات اللواتي أصبحن لاحقًا في مواقع مهنية مرموقة ويسهمن في خدمة المجتمع.

وكان للأنشطة المدرسية أثر مهم في صقل شخصيتي؛ فقد شاركت في كثير من الأنشطة منها جماعة المرشدات، والمسرح، والموسيقى، والإذاعة المدرسية، والرحلات وغيرها. وأكسبتني هذه التجارب مهارات العمل الجماعي، وتحمل المسؤولية، والقيادة، والتواصل، إلى جانب الثقة بالنفس وروح المبادرة والمثابرة.

وعندما أسترجع تلك المرحلة، أرى أن ملامح شخصيتي بدأت تتشكل مبكرًا من خلال هذا التداخل بين الأسرة والمدرسة والمجتمع. ولا يمكنني الحديث عن تلك البدايات دون أن أذكر والدي، رحمه الله، الذي كان الداعم الأكبر لمسيرتي. فقد آمن بقدراتي منذ البداية، وكان يؤمن بالمساواة في حق التعليم بين البنت والولد. وعندما أتيحت لي فرصة الدراسة في الخارج، واجه بعض الاعتراضات من الأهل والجيران، لكنه أصر على دعمي وإلحاقي بالبعثة الدراسية. وكان إيمانه بي مصدر القوة الأول لانطلاقي في هذه الرحلة.

 

س2/ ماذا عن مساركم التعليمي؟ كيف كان طريقه من المدرسة إلى الجامعة وصولًا إلى الدراسات العليا؟

بعد حصولي على الشهادة الثانوية العامة، حصلت على بعثة دراسية إلى أسكتلندا لدراسة الصيدلة، وكانت تلك أول تجربة لي خارج الوطن العزيز، إذ بدأت هناك بدراسة الشهادة الثانوية الأسكتلندية

 (Scottish Highers) كونها مرحلة تأهيلية للقبول الجامعي.

كانت السنة الأولى من أكثر المراحل تحديًا في حياتي؛ فقد انتقلت من نظام تعليمي حكومي في عُمان كانت فيه الدراسة باللغة العربية، وكانت اللغة الإنجليزية تُدرّس بصفتها مادة بسيطة تبدأ من الصف الرابع ولم تكن مكثفة، إلى نظام تعليمي يعتمد كليًا على اللغة الإنجليزية، بما في ذلك دراسة المواد العلمية. لذلك كان عليّ أن أبذل جهدًا مضاعفًا لتطوير لغتي الإنجليزية، وبشكل خاص لتعلم المصطلحات العلمية باللغة الإنجليزية، حتى أتمكن من فهم المواد ومواكبة متطلبات الدراسة.

وزاد من هذا التحدي صعوبة فهم اللهجة الأسكتلندية في البداية، إلى جانب تجربة السكن مع أسرة أسكتلندية تختلف عن البيئة التي نشأت فيها من حيث الدين واللغة والعادات والتقاليد وأسلوب الحياة. لذلك كانت الغربة صعبة جدًا بالنسبة لي، خاصة في تلك السن المبكرة وبعيدًا عن أسرتي ووطني.

لكن مع مرور الوقت، وبالكثير من الاجتهاد والمثابرة، استطعت التأقلم مع البيئة الجديدة وتجاوز حاجز اللغة والاختلاف الثقافي. وأرى اليوم أن تلك المرحلة، رغم صعوبتها، كانت من أكثر المراحل التي أسهمت في بناء شخصيتي، وعلمتني الاستقلالية والصبر والقدرة على التكيف ومواجهة التحديات.

لكن هذه التحديات أسهمت في تطوير مهاراتي اللغوية والأكاديمية، ومع الوقت تمكنت من تحقيق متطلبات القبول في جامعة ستراثكلايد (University of Strathclyde) لدراسة الصيدلة.

وبعد سنوات من العمل المهني، عدت إلى الجامعة نفسها للحصول على درجة الماجستير في الصيدلة الإكلينيكية، بالإضافة إلى تدريبًا عمليًا في مستشفى جامعة السلطان قابوس مدة ستة أشهر. وكانت هذه المرحلة نقلة نوعية بالنسبة لي، فقد عززت ثقتي بنفسي كوني صيدلانية، وعمقت معرفتي ومهاراتي في الممارسة السريرية.

لاحقًا، واصلت دراستي في الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على درجة الدكتوراة في الصيدلة الاجتماعية والإدارية  (Social and Administrative Pharmacy)وكانت هذه المرحلة مختلفة؛ لأنها تزامنت مع مسؤولياتي الأسرية كوني زوجة وأم لأربعة أبناء؛ مما تطلب موازنة دقيقة بين الأسرة والدراسة والبحث العلمي.

وكان لزوجي دور محوري في هذه المرحلة، إذ قدم لي دعمًا مستمرًا في الحياة اليومية وتربية الأبناء، وكان لهذا الدعم أثر كبير في قدرتي على الاستمرار وتحقيق التوازن في سنوات الدراسة.

وحملت مرحلة الدكتوراة بالنسبة لي بُعدًا إنسانيًا خاصًا؛ فقد كان والدي، رحمه الله، يتمنى أن أواصل دراستي حتى الدكتوراة. ورغم وفاته قبل التحاقي بها، كنت أشعر في كل خطوة أنني أحقق حلمًا كان يتمناه لي، وكأن دعمه المعنوي لا يزال حاضرًا معي. واليوم أشعر بفخر كبير لأنني استطعت تحقيق ذلك الحلم.

أما الدكتوراة فلم تكن بالنسبة لي مجرد درجة علمية، بل كانت مرحلة صقلت مهاراتي في البحث والتحليل والتفكير النقدي والاستقلالية العلمية، وأعادت تشكيل نظرتي للمعرفة والممارسة المهنية.

وأصف مسيرتي التعليمية أحيانًا بـ "رحلة الألماس"؛ فالألماس في أصله ثمين، لكنه يزداد بريقًا مع الصقل وتعدد الأوجه. وهكذا أرى مراحل التعليم: البكالوريوس أسس القاعدة، والماجستير عمّق المعرفة وربطها بالممارسة، والدكتوراة صقلت المهارات وأضافت أبعادًا فكرية ومنهجية أوسع.

ومن هنا أؤمن بأن قيمة العلم لا تتجلى في عدد الشهادات التي نحصل عليها، بل في بناء الإنسان، وتوسيع مداركه، وصقل مهاراته. وأرى أن طلب العلم واختيار التخصص يجب أن يكونا مرتبطين باحتياجات الفرد ومساره المهني، بحيث تسهم المعرفة المكتسبة في تطوير أدائه، وتعزيز فاعليته في عمله، وتمكينه من مواكبة التطورات وإحداث أثر مهني ومجتمعي حقيقي.

 

س3/ أطلعينا على تكوينكم البحثي والأكاديمي واهتماماتكم ونشاطاتكم في هذين المجالين؟

تكويني البحثي تأثر بصورة مباشرة بممارستي المهنية وملاحظتي لسلوك المرضى تجاه الأدوية، ولا سيما ما يتعلق بالالتزام العلاجي لدى مرضى الأمراض المزمنة، وهو موضوع أثار اهتمامي منذ وقت مبكر.

وقد قادني هذا الاهتمام إلى التخصص في الدكتوراة في الصيدلة الاجتماعية والإدارية، إذ ركز بحثي على العلاقة بين السمات الشخصية لمرضى الأمراض المزمنة والالتزام بالعلاج، مع المقارنة بين المجتمعين العُماني والأمريكي، ودراسة تأثير العوامل الثقافية والاجتماعية والدينية في هذا السلوك.

أما على المستوى الأكاديمي، فإن خلفيتي تجمع بين الصيدلة السريرية، والصيدلة الاجتماعية والإدارية، والخبرة المهنية والقيادية. وقد انعكس هذا التنوع على اهتماماتي في التدريس والبحث، خصوصًا في مجالات الممارسة الصيدلانية، وسلوك المريض، والاستخدام الأمثل للدواء، وتطوير التعليم الصيدلاني.

ومن القناعات التي ترسخت لدي خلال مسيرتي أن كل صيدلي هو قائد في موقع عمله، بغض النظر عن مسماه الوظيفي؛ لأنه يمارس يوميًا أدوارًا تتطلب اتخاذ القرار، والتواصل، وحل المشكلات، وتحمل المسؤولية؛ لذلك أحرص على ترسيخ مفهوم القيادة لدى الطلبة منذ المراحل المبكرة، وتشجيعهم على المبادرة والثقة بالنفس والتفكير المستقل.

وأحرص في عملي الأكاديمي على ربط التعليم بالبحث والممارسة، بحيث لا يقتصر دور الطالب على تلقي المعرفة، بل يمتد إلى طرح الأسئلة، وتحليل الأدلة العلمية، وتبرير القرارات المهنية. فالهدف بالنسبة لي هو إعداد خريج يمتلك المعرفة والمهارة والشخصية المهنية القادرة على التعلم والتطور المستمر.

 

س4/ استرجعي أبرز بصماتك وذكرياتك في الجامعات التي انتسبتِ إليها؟

لكل مرحلة جامعية أثر مختلف في تكوين شخصيتي الأكاديمية والمهنية. وأرى أن الدراسة في الخارج، والانتقال بين أنظمة تعليمية ومجتمعات وثقافات مختلفة، لم تمنحني فقط التقدم العلمي والأكاديمي، بل كانت تجربة حياتية متكاملة أسهمت في توسيع مداركي وبناء شخصيتي.

ففي جامعة ستراثكلايد في اسكتلندا، تعلمت الاستقلالية والاعتماد على النفس، وكانت تجربة الاغتراب الأكاديمي والثقافي عاملًا مهمًا في بناء شخصيتي. كما تعلمت أن الإنسان قد يواجه في البداية صعوبة في التأقلم، لكنه بالمثابرة يستطيع أن يحول التحديات إلى فرص للنمو والتعلم.

وعندما عدت إلى الجامعة نفسها لدراسة الماجستير، كانت تجربتي مختلفة؛ فقد عدت إليها وأنا أحمل خبرة مهنية، فأصبحت أكثر قدرة على ربط المعرفة النظرية بالممارسة، مما جعل التجربة أكثر نضجًا وعمقًا.

أما في مرحلة الدكتوراة في الولايات المتحدة، فقد تعزز لدي مفهوم البحث العلمي القائم على التحليل النقدي والاستقلالية الفكرية، إلى جانب فهم أعمق للإنسان بوصفه محورًا أساسًا في الرعاية الصحية؛ فالدواء لا يُستخدم بمعزل عن ثقافة المريض وبيئته ومعتقداته وظروفه الاجتماعية.

وبشكل عام، أرى أن الدراسة في بلدين مختلفين، وفي مراحل مختلفة من حياتي، أتاحت لي فرصة التعرف على أنظمة تعليمية وأساليب تفكير ووجهات نظر وثقافات متعددة. وهذا التنوع يثري شخصية الإنسان، ويمنحه مرونة أكبر في التفكير والتعامل مع الآخرين، ويوسع نظرته إلى الحياة والعالم من حوله.

وأستحضر دائمًا في هذا السياق توجيه المغفور له بإذن الله السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، في حديثه إلى إحدى أوائل البعثات الطلابية المتجهة للدراسة في الخارج، حين وجّه أبناءه الطلبة إلى الاستفادة مما يرونه في تلك المجتمعات من طباع وقيم حسنة، وترك ما لا يتوافق مع قيمنا ومبادئنا. وقد بقي هذا التوجيه حاضرًا في ذهني طوال سنوات دراستي في الخارج.

ومن تجربتي، تعلمت أن لكل مجتمع قيمًا وممارسات إيجابية يمكن أن نستفيد منها ونضيفها إلى ما نحمله من قيمنا وهويتنا، دون أن نفقد خصوصيتنا الثقافية. فالدراسة خارج الوطن، في نظري، لا تعني اكتساب العلم والشهادة فقط، وإنما هي فرصة للتعلم من الناس والثقافات والتجارب المختلفة، والأخذ بما فيها من إيجابيات، مع المحافظة على هويتنا وقيمنا العُمانية الأصيلة. وقد منحتني هذه التجارب بعدًا أوسع في النظر إلى الأمور، وعلمتني تقبل الاختلاف والاستفادة منه، وأكدت لي أن التعلم الحقيقي لا يحدث فقط داخل القاعات الدراسية.

وفي جامعة نزوى أعيش اليوم تجربة مختلفة تمامًا، ولكنها لا تقل أهمية؛ فأنا الآن في موقع نقل ما اكتسبته من علم وخبرة وتجارب إلى الطلبة. ومن أكثر الأمور التي تسعدني أن أرى الطالب ينتقل من مجرد تلقي المعلومة إلى مناقشتها وتحليلها وتبرير قراره بنفسه.

وأرى أن الأثر الحقيقي للأستاذ لا يُقاس فقط بما يقدمه داخل القاعة الدراسية، بل بما يتركه في طريقة تفكير الطالب، وفي ثقته بنفسه، وفي ممارسته المهنية مستقبلًا.

 

س5/ ما أبرز إنجازاتك العلمية والعملية؟

أبرز ما أعتز به في مسيرتي هو قدرتي على الجمع بين الخبرة المهنية والتطور الأكاديمي، ثم توظيفهما اليوم في المجال التعليمي، إذ بدأت عملي في وزارة الصحة ضمن المديرية العامة للصيدلة والرقابة الدوائية، في قسم مواصفات ومشتريات الأدوية، فاكتسبت خبرة في منظومة الدواء والتعاملات الإقليمية المتعلقة بتوريد الأدوية.

ثم انتقلت إلى الخدمات الطبية بديوان البلاط السلطاني، إذ امتدت خبرتي لما يقارب أربعة وعشرين عامًا، وتدرجت فيها حتى توليت رئاسة قسم الصيدلة. وقد شكلت هذه المرحلة تجربة مهنية ثرية في الممارسة الصيدلانية والإدارة والقيادة والعمل ضمن فريق صحي متعدد التخصصات.

وفي الوقت نفسه، حرصت على الاستمرار في تطوير نفسي علميًا؛ فانتقلت في مسيرتي الأكاديمية من البكالوريوس إلى الماجستير ثم الدكتوراة، بالتوازي مع مسؤولياتي المهنية والأسرية.

أما انتقالي إلى جامعة نزوى، فأدّه بداية مرحلة مهنية جديدة في حياتي؛ إذ أتاح لي فرصة نقل ما تراكم لدي من معرفة وخبرة عملية إلى الأجيال القادمة، وتحويل التجارب المهنية الواقعية إلى محتوى تعليمي وتطبيقي يستفيد منه الطلبة؛ لذلك، عندما أتحدث عن الإنجاز، لا أراه في منصب أو شهادة بحد ذاتها، وإنما في الأثر التراكمي للمعرفة والخبرة، وفي قدرتنا على نقل هذا الأثر إلى الآخرين وتمكينهم من الاستفادة منه.

 

س6/ ما رسالتك في سبيل العلم والعمل؟

أؤمن بأن العزيمة والإصرار هما الأساس الحقيقي للتقدم العلمي والمهني. فقد علمتني تجربتي أن النجاح لا يتحقق بالقدرات وحدها، وإنما بالمثابرة والاستمرارية والقدرة على تجاوز التحديات.

وأؤمن بأن العلم قوة حقيقية للتغيير في حياة الإنسان، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية. فالتعلم لا ينتهي بالحصول على شهادة، بل يستمر طوال الحياة من طريق البحث والقراءة والتطوير المستمر للذات، ثم توظيف المعرفة لخدمة الآخرين والمجتمع.

وأرى أن التكامل بين العلم والخبرة ضروري؛ فالمعرفة العلمية تمنحنا الأساس، بينما تمنحنا الخبرة القدرة على فهم الواقع والتعامل معه، ولا يمكن لأحدهما أن يغني عن الآخر.

ومن المبادئ التي أؤمن بها أيضًا أن يحب الإنسان عمله ويتفانى فيه، وألا ينظر إليه على أنه مجرد وظيفة يؤديها أو مصدر للرزق، بل رسالة ومسؤولية وأمانة. وأن يجعل تقوى الله ومراقبته أساسًا في أداء عمله؛ فعندما يستشعر الإنسان أن العمل عبادة، فإنه يحرص على أن يؤديه بإخلاص وإتقان، ابتغاء مرضاة الله، سواء كان هناك من يراقبه من الناس أم لا؛ لأنه يدرك أن الله مطلع على عمله وأمانته.

وتزداد أهمية هذا المبدأ في المجال الصحي؛ لأننا نتعامل مع صحة الإنسان وحياته، وما نتخذه من قرارات أو نقدمه من رعاية قد يكون له أثر مباشر في المريض وأسرته؛ لذلك فإن الأمانة والإخلاص والرحمة والإتقان ليست مجرد صفات مهنية، بل قيم أخلاقية وإنسانية يجب أن تكون حاضرة في كل ما نقوم به.

ورسـالتي للطلبة هي: أحبوا ما تعملون، وأخلصوا فيه، واجعلوا تقوى الله والأمانة والإتقان أساسًا لمسيرتكم. ولا تجعلوا التحديات عائقًا أمام طموحاتكم؛ فقد لا يكون الطريق دائمًا سهلًا أو مباشرًا، ولكن بالعزيمة والإصرار والتعلم المستمر يستطيع الإنسان تجاوز الصعوبات والوصول إلى أهداف ربما بدت له في البداية بعيدة.

 

س7/ ما توجيهك للطلبة في ظل الانفجار المعرفي والتطور التقني؟

يشهد التعليم اليوم تحولًا كبيرًا. ففي الماضي كان التحدي يتمثل في الوصول إلى المعلومة، أما اليوم فالمعلومة متاحة في ثوانٍ، وأصبح التحدي الحقيقي هو: كيف نعرف أن هذه المعلومة صحيحة؟ وكيف نحللها ونستخدمها بطريقة سليمة؟

ومع التطور السريع في الذكاء الاصطناعي، أصبحت الأدوات التقنية داعمًا مهمًا جدًا للتعلم والبحث، ولكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن التفكير البشري النقدي؛ لذلك أرى أن دور الجامعات اليوم لا ينبغي أن يقتصر على تقديم المعلومات، بل يجب أن يركز بصورة أكبر على تعليم الطلبة كيف يتعلمون بأنفسهم، وكيف يطرحون الأسئلة، ويقيّمون المصادر العلمية، ويحللون الأدلة، ويربطون المعرفة بالتطبيق العملي.

وأشجع الطلبة على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، ولكن كونهما أدوات مساعدة للتعلم وليس بديلًا عن التعلم. فمن المهم أولًا أن يمتلك الطالب أساسًا علميًا قويًا حتى يستطيع تقييم ما تقدمه له هذه الأدوات، والتمييز بين المعلومة الصحيحة وغير الدقيقة، فالمستقبل لن يكون لمن يحفظ أكبر كمية من المعلومات، وإنما لمن يعرف كيف يصل إلى المعرفة الصحيحة، وكيف يحللها، وكيف يوظفها بمسؤولية وأخلاق لخدمة الإنسان والمجتمع.

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة