مقاربة نقدية
كتاب الشيخ عبد الله بن عمرو التندميرتي سيرة فقيه وداعية مصلح
بقلم: الدكتور عمرو أحمد عيسى التندميرتي
تمهيد
مهما تطورت وسائل التواصل المعرفي وأدواته الثقافية فإنه يبقى الكتاب أعزها وجودا وأكثرها فائدة وأعظمها رفدا وأمتعها صحبة؛ وصدق أبو الطيب المتنبي حيث قال:
أعز مكان في الدنا سرج سابح
وخير جليس في الأنام كتاب
ما فتىء الباحث الأكاديمي المثابر الدكتور خالد علي ابراهيم يمتعنا بين الحين والآخر بعطياته الفكرية ويتحفنا بأبحاثه التوثيقية الاجتماعية الموسومة بوسم "سلسلة الكتابات التاريخية"؛ فقد شرع منذ فترة في تقديم مجموعة من الأبحاث عن شخصيات دينية ورموز إصلاحية كان لها دورها الفاعل في بيئاتها ومحيطها العلمي في بعض مدن وقرى جبل نفوسة.
تقديم الكتاب
ومن آخر إصداراته البحثية في هذا المساق التوثيقي كتابه عن الشيخ عبد الله بن عمرو بن عمرو بن عيسى بن عبدالله التندميرتي؛ فقد أرّخ له فيه عن حياته ومسيرته العلمية؛ وعن مساره الإصلاحي الدعوي؛ وقد جاء سفره الثمين عن الشيخ عبد الله في مائة وأربع وأربعين (144) صفحة؛ افتتحه بالإهداء إلى كل من "رسم في أعيننا صورة بهية للشيخ عبدالله"؛ (ثمّن فيه كل من) وإلى الشيخ الذي "غرس في الأرواح نورا لا يخبو وذكرى لا تنسى"؛ وثمّن فيه كل يد امتدت له بالعون والمساعدة؛ يتلو ذلك تقديم الكتاب بقلم الشيخ سليمان سعيد الشيباني الذي أثنى فيه على صاحب السيرة وعلى المؤلف وبارك له في جهوده المتتابعة؛ ومقدمة تحدث فيها عن ضمور التأليف وأسبابه في بعض الحقب التاريخية في جبل نفوسة؛ ثم شكر كل من أفاد منهم في حواريات عقدها معهم مباشرة وعبر الأثير. 
ولقد اختار المؤلف تقسيم كتابه إلى محاور بدلا من تقسيمه إلى فصول وأبواب كما هو متعارف عليه؛ فجاءت حصيلة الدراسة في سبعة محاور وخاتمة حوصلت حياة الشيخ وجهوده التعليمية والدعوية وأعماله الخيرية؛ وذيله بمجموعة من الملاحق التوثيقية والفهرسية.
هذا؛ ويتميز أسلوب الكتاب كما عودنا الدكتور خالد بسهولة تعابيره ويسر كلماته والمباشرة في تقديم معلوماته التاريخية؛ وهو ما يتطلبه المعطى العلمي والمستقصد العملي من تقديم هكذا مؤلفات توثيقية ببليوجرافية تاريخية يتسق أسلوبها الميسر هذا مع ثقافة القارئ العام الذي يتوجه به إليه في هذه الدراسات بالخطاب. وقد تزين الكتاب بمجموعة طيبة من الصور الشخصية للشيخ عبد الله ولوالده وبعض مشايخه ما عزز من مصداقية الباحث وسرديته التوثيقية.
وقد تمنيت على الأستاذ الباحث لو أنه توقف عند مسألتين اثنتين في مسيرة الشيخ عبد الله بن عمرو بمزيد من التركيز والتبئير والتفصيل:
المسألة الأولى هي مسألة المأساة التي مر بها، التي سجن الشيخ -رحمه الله- من أجلها وبسببها؛ فقد ذكر نقلا عن شقيقه الكريم الأخ فتحي أن سبب سجن الشيخ كان نتيجة منشورات أمنية كانت تحرر في شأنه؛ وهذا وإن كان صحيحا في حد ذاته لا غبار عليه وواحدا من الأسباب المصاحبة والمؤدية لاعتقاله وسجنه، إلا أن التقارير الأمنية في ذلك العهد لم يكن يتوقف تحريرها على فئة محددة من الناس؛ وإنما كانت تطال كثيرا من الأساتذة والمعلمين؛ الناشطين منهم على وجه الخصوص؛ وفي الحقيقة الأمنية لم تكن التقارير تختص بمن كان لهم نشاط علمي أو ديني فقط؛ وإنما كانت تطال كل حراك بشري في المدن والقرى والمداشر فضلا عن المؤسسات التعليمية والاجتماعية؛ حتى أن زيارة عابرة إلى بيت من البيوت بتندميرة في الثمانينيات تسببت في اعتقال كل من حضر للسلام على ضيف غريب حل على القرية؛ ويعود الضيف الغريب إلى وطنه (تونس) ويقاد بعض مستقبليه ومضيفيه إلى المعتقل لا لسبب إلا أن الضيف كان ينتسب إلى الإسلاميين!
وقد قيل من باب التندر والتفكه إن الليبيين أصبحوا واحدا من اثنين لا ثالث لهما؛ إما أمني استخباراتي يتتبع الناس ويكتب عنهم التقارير أو حركي نشط مشبوه متبوع تكتب فيه وعنه التقارير!!
وعودة إلى ظروف الاعتقال فإن السبب الحقيقي والمباشر هو تشبيه الشيخ لأهل الكهف بالشهيد المرحوم محمد سعيد الشيباني الطمزيني -رحمه الله- الذي أعدمه القذافي في 2 يونية 1984م.
فقد كان الشيخ عبد الله يقوم بشرح وتوضيح كلمة "الكهف" للعامة في درس من دروس تفسيره لسورة الكهف التي كان يلقيها بمسجد القرية أبي قشقاش؛ فقال في ثنايا شرحه لبعض كلمات الآية: "إن الكهف الذي التجأ إليه الفتية المؤمنة شبيه بالمغارة التي اختبأ فيها محمد الشيباني"؛ فظن المخبر الذي لا يخلو منه مجلس من المجالس أنه إنما كان يعقد وجه الشبه بينهما في روح العمل والحركة والانحياز إلى الحق والإيمان (وهو كذلك في الواقع والحقيقة ولكن المقارنة غير واردة في ذلك الوقت ولا يمكن ان يعنيه الشيخ في تلك الظروف)؛ فكتب المخبر تقريره على هذا الأساس من فهم المقارنة بين عمل الفتية والشيخ؛ وهذا بطبيعة الأحوال أمر خطير في ذلك الزمن الرديء؛ فلم يكن الشيخ ليقصد هذا المعنى البعيد ولا ليخطر له على بال أبدا؛ إذ كان مجرد ذكر الشهيد محمد الطمزيني يثير الرعب في قلوب الناس؛ وهو ما أدى في النهاية إلى اعتقاله وحبسه!
وأما المسألة الثانية فهي مسألة مشاكسة بعض المصلين للشيخ في أمر صلاة الجمعة التي يعود له الفضل الكبير والأعظم في إقامتها بعد انقطاع دام لقرون! فقد حاربته جماعة من مرتادي المسجد الكبار في السن الذين رأوا أن شعيرة الجمعة في مثل هذه القرى والمداشر تجوز ولا تجب وفقا لشروط إقامتها كما هو مدون في بعض كتب الفقه؛ وأذكر أن جماعة من هؤلاء الرواد كانوا يتعمدون التغيب عن القرية يوم الجمعة في الغابة أو في سفر مفتعل؛ وأن جماعة أخرى كانوا إذا ما حضروا لضرورة اجتماعية أو أمنية اعتبروا صلاتهم وراءه نافلة وأعادوا في بيوتهم صلاة الظهر!!
وهذا المحور من محاور الكتاب في رأيي المتواضع يعاني في عمومه من بعض الضمور؛ فقد قاربه الدكتور بشيء من الاختصار وكثير من التحفظ والتعميم مارا ببعض حوادثه مرور الكرام! بينما كانت هذه المرحلة من التاريخ في الحقيقة مفصلية في حياة كل من الشيخ والوطن جميعا؛ ومن حق التاريخ والأجيال الحاضرة واللاحقة على المؤلف أن تعرف تفاصيل ما جرى في حياته السياسية من حوادث بعيدا عن تلكم الاستقطابات اللحظية
وقد نسب إليّ المؤلف -سهوا دون شك- استعمال مصطلح "الانزياح" في تعريف كلمة "تندميرة"(1)؛ فبعد أن نقل كلامي في تفكيك الاسم ومقاربة جذره مقاربة لغوية قال: "والمسألة تحتاج إلى مزيد بحث؛ لأن ما ذكره الدكتور عمرو من انزياح لغوي لم أجد ما يربطه بتندميرة وهذا ما يدعو إلى طرح السؤال والبحث فيه من جديد.
فأما كون "المسألة تحتاج إلى طرح السؤال والبحث فيه من جديد" فذلك مما لا شك فيه؛ ولذلك ألمحت بقولي: "وإن كان كل تعليل للاسم يحتاج إلى تعليل وتفسير"!
وأما التفسير بالانزياح فذلك ما لم يخطر لي على بال ولا يمكن أن يخطر لي حتى في المنام؛ ولا جرى قلمي بهذا المصطلح إطلاقا؛ لأنني وإن كنت معرضا للسهو والخطأ كغيري من البشر فإنه لم يكن يخفى على مصطلح الانزياح واستعمالاته؛ وقد عرفت ذلك بلغة القوم الذين اجترحوا المصطلح وتعلمته في عقر دارهم؛ ولعلي أكون من أوائل من عرف في جيلي ذلك وقرأ عن استعمالات الانزياح الإبداعية (displacement) وتطبيقاته المتمردة على اللغة والمهشمة لها من أجل الإبهار والتألق الأسلوبي؛ وهو ما يتعارض تماما مع السرديات التاريخية والتوثيقات اللغوية الباحثة عن الحقيقة المعرفية لا غير!
والانزياح في جملة بسيطة هو إزاحة المعنى الأصلي عن الكلمة وإلباسها معنى جديدا؛ وهو ما يعرف في تراثنا البلاغي القديم بالاستعارة والمجاز؛ غير أن القوم فتنوا بالتغريب في كل شيء؛ ومن أراد أن يعرف افتتان القوم بكل "تغريبة" أدبية وبكل مصطلح غربي حداثي جديد فليقرأ الكتابين الممتعين: المرايا المحدبة؛ والمرايا المقعرة للدكتور عبد العزيز حمودة؛ ففيهما تأصيل معرفي معمق لكل هذه المصطلحات البراقة وإعادتها إلى جذورها ومسمياتها العربية الدقيقة.
وأما ما قمت به فيما يتعلق باسم تندميرة فهو مجرد محاولة لتفكيك الاسم "لغويا" وإعادة تركيبه وبنائه وفقا لما قد يمكن أن يكون أصلا لجذر كلمة "تندميرة" وتجريده من سوابقه ووسطه ولواحقه (prefixes وinfixes وSuffixes)
ومع ذلك فقد احترست -كما أشرت سابقا- في تعليلي للاسم بالقول: "وإن كان كل تعليل للاسم يحتاج إلى تعليل وتفسير"!
ولو أطلق عليه - إن كان أخي الدكتور خالد مهتما بمصطلحات الحداثة - مصطلحي التفكيك والتركيب: (deconstruction and construction) لكان أقرب وأوضح وأصح.
هذه الملاحظ اليسيرة بطبيعة الحال لا تنال أبدا من قيمة المجهود الكبير الذي بذله ويبذله الدكتور خالد ولا يقلل من عطاءاته البحثية؛ وتبقى له ريادته وأمانته ومصداقيته العلمية موفورة شامخة على الرغم من هذا السهو الذي لا يسلم منه أي جهد بشري؛ والاختلاف في بعض تفاصيل المنهجية لا يفسد للود قضية.
ولعل لي ولأخي خالد بعض تعزية في كلام المؤرخ عماد الدين الأصفهاني حيث يقول:
"إني رأيتُ أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده: لو غُيِّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يُستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العِبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جُملة البشر".
وما لا يمكن السهو عنه في آخر هذا المطاف هو التأكيد الواجب لحقيقة أن الدكتور خالد بعيدا عن كل المجاملات قد صار علامة فارقة في حياة جبل نفوسة الثقافية وفي عموم الوطن؛ ندعو الله أن يمده بالصحة والعون والفتح المبين؛ ولقد بات من المؤمل العزيز أن يقوم بوصل من انبتّ من علائق في تاريخ نفوسة ويكمل ما توقف من تدوين سيرة أعلامها المعاصرين؛ وأن ينفض ما تراكم حول آثارها ورموزها من أتربة وغبار؛ ويحيي ما اندرس من تراثها وانطمس من أمجادها؛ فاللهم اجعله خير خليفة لابن خليفة الشهيد عمرو الذي وثّق صلاته بأدبه ليكمل مسيرته ومشواره.
ويبقى الود ما بقي اليراع رحما يؤلف بين الأجيال.
اللهم ألهمنا رشدنا واغفر لنا خطايانا اللهم ما كان في كلامي من رشد فمنك وحدك لا شريك لك فيه وما كان فيه من خطأ وخطل فمن نفسي ومن الشيطان فأغفر لي ولا تؤاخذني يا أرحم الراحمين
=====================
(1) "تفسير أسماء المدن والقرى غالبًا ما يعتمد على عوامل عدة، منها: تاريخ المنطقة، واللغة الأصلية، والأحداث التاريخية، والصفات الجغرافية، وحتى الأساطير المحلية. يمكن أن تكون الأسماء انعكاسًا لأسماء مؤسسيها، أو أسماء نباتات أو حيوانات كانت منتشرة في المنطقة، أو حتى صفات طبيعية مميزة".
ولعل التفسير اللغوي وإعادة الاسم بعد تفكيكه وتركيبه إلى جذوره وأصوله اللغوية المحتملة أو ربطه بأقرب الاسماء اليه جغرافيا يعد من أقرب التفسيرات إلى العقل، فقد اعتادت الجماعات البشرية في هجراتها المتنوعة نتيجة التدافعات الاقتصادية والحروب والمجاعات إلى حمل أسماء مواطنهم الأصلية وإطلاقها على الأماكن الجديدة التي ينزلون فيها؛ ولعل أحدث تجربة في هذا السياق هو ما فعله سكان أمريكا الشمالية عندما حملوا معهم من بين ما حملوا أسماء كثير من مدن الشرق ومناطقه وأطلقوها على منازلهم الجديدة؛ وهذه أمثلة يسيرة من ذلك:
نيويورك: اسم مستوحى من مدينة يورك الإنجليزية.
بوسطن: اسم مستوحى من بلدة بوسطن في إنجلترا.
فيلادلفيا: اسم يعود إلى مدينة في اليونان القديمة، لكنه تم تبنيه من قبل المستوطنين البريطانيين.
لندن: اسم مستوحى من مدينة لندن الإنجليزية.
برمنغهام: اسم مستوحى من مدينة برمنغهام الإنجليزية.
ليفربول: اسم مستوحى من مدينة ليفربول الإنجليزية.
مانشستر: اسم مستوحى من مدينة مانشستر الإنجليزية.
أكسفورد: اسم مستوحى من مدينة أكسفورد الإنجليزية.
كامبريدج: اسم مستوحى من مدينة كامبريدج الإنجليزية.
ولعل مدينة Montreal مهد الرياضات الثلجية من أشهر المدن التي تنسب إلى جبل؛ فليس من المستبعد أن يكون الاسم تندميرة مأخوذا من جبل دمر على سبيل المثال، فمن المعروف أن السابقة اللغوية (prefixes) "تن أو تين" التي تسبق كثيرا من القرى في جبل نفوسة إنما تفيد الإضافة إلى ما يأتي بعدها مثلها في ذلك مثل تينزغت وتيندوف وغيرها من القرى والمدن الأمازيغية.