البارثينيوم في ظفار.. معركة خضراء يقودها العلم قبل أن تتحول البؤر إلى غابات غازية
د. علي اللواتي: بعض تجمعات النبات الغازي أكثر قدرة على التكيف... والثيميدا والأبلودا تفتحان بابًا واعدًا للمكافحة الطبيعية
حديث صحفي
في الوقت الذي تتسع فيه رقعة انتشار النباتات الغازية، تتقدم ظاهرة البارثينيوم في محافظة ظفار بوصفها واحدة من أكثر التحديات البيئية إلحاحًا، لما يتركه هذا النبات الدخيل من آثار مباشرة على التنوع الحيوي والمراعي والأنظمة الزراعية، وما يمتلكه من قدرة لافتة على الانتشار والتكيف مع الظروف البيئية المختلفة.
ومن هنا يأتي مشروع "الكيمياء المتبادلة الصديقة للبيئة والوظائف الفسيولوجية للنباتات العشبية للحد من انتشار وتثبيط نمو البارثينيوم"، الذي نفذته جامعة نزوى لصالح بلدية ظفار، واضعًا العلم في مواجهة أحد أكثر الأنواع النباتية الغازية إثارة للقلق.
المشروع لم يكتفِ برصد انتشار البارثينيوم، بل ذهب إلى أعماق الظاهرة؛ فدرس التباين الفسيولوجي والجيني بين تجمعاته، وحلل قدرتها على الإنبات والنمو والتكيف، قبل أن ينتقل إلى سؤال أكثر أهمية: هل يمكن الاستفادة من النباتات المحلية نفسها في الحد من خطر هذا الغازي؟
وتشير نتائج الدراسة إلى أن بعض الأعشاب المحلية، وفي مقدمتها الثيميدا (Themeda quadrivalvis) والأبلودا (Apluda mutica)، تمتلك تأثيرًا أليلوباثيًا واعدًا يمكن أن يسهم في تثبيط إنبات البارثينيوم ونموه، بما يفتح المجال أمام حلول بيئية أكثر استدامة، لا تقوم على الإزالة وحدها، وإنما على الإدارة المتكاملة والكشف المبكر وإعادة تأهيل المواقع.
في هذا الحوار، يسلط الدكتور علي اللواتي الضوء على قصة البارثينيوم في ظفار، وأسباب انتشاره، وأثره في البيئة والمراعي، وما كشفته الدراسة من فروق بين تجمعاته، إلى جانب فرص توظيف الأعشاب المحلية والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في معركة الحد من انتشاره.
من الأمريكتين إلى سهول ظفار ... كيف بدأ الغزو؟
ما نبات البارثينيوم بالضبط؟ وكيف وصل إلى محافظة ظفار؟
البارثينيوم، واسمه العلمي Parthenium hysterophorus L.، نبات عشبي دخيل ينتمي إلى الفصيلة النجمية، وموطنه الأصلي الأمريكتان. ويُعرف في بعض البلدان باسم "عشبة الكونغرس" أو "الرأس الأبيض". وقد أصبح من أخطر النباتات الغازية عالميًا، نظرًا إلى قدرته الكبيرة على إنتاج البذور وسرعة انتشاره وتكيفه مع البيئات المختلفة.
أما طريقة وصوله إلى محافظة ظفار، فلا تتوافر حتى الآن أدلة قاطعة تحدد مسارًا واحدًا لدخوله، إلا أنه رُصد للمرة الأولى عام 1992 م في منطقة العيون بولاية صلالة.
وعادة ما يحدث انتشار هذا النوع عبر انتقال بذوره مع الأعلاف أو البذور الزراعية الملوثة، أو بواسطة المركبات والآليات والتربة والمياه والحيوانات. وبعد استقراره في ظفار، أسهمت الأمطار الموسمية وحركة المواشي والطرق والمناطق المضطربة في توسيع نطاق انتشاره.
وتشير وثائق المشروع إلى وجوده في السهول والمزارع والمراعي، ممتدًا من ضلكوت ورخيوت غربًا إلى طاقة ومرباط شرقًا.
ليس مجرد عشب دخيل ... البارثينيوم يغيّر ملامح النظام البيئي
كيف يؤثر البارثينيوم في التنوع الحيوي والمراعي؟
يشكل البارثينيوم تجمعات نباتية كثيفة تنافس النباتات المحلية على الماء والضوء والعناصر الغذائية والمساحة. ويطلق مركبات كيميائية في التربة وحول الجذور تعيق إنبات النباتات المجاورة ونموها. ومع مرور الوقت، يمكن أن يحل محل الأعشاب المحلية المستساغة، ويؤدي إلى تراجع تنوع الغطاء النباتي.
وفي المراعي، يترجم هذا التراجع إلى انخفاض في كمية الأعلاف الطبيعية وجودتها، ومن ثم الحد من النباتات التي تعتمد عليها الحيوانات. كما أن المواشي غالبًا لا تفضله بسبب طعمه ومركباته الكيميائية، وقد يسبب لها أضرارًا صحية عند تناوله بكميات كبيرة.
لذلك؛ فإن المشكلة لا تتعلق بمجرد ظهور نبات دخيل في البيئة، وإنما تمتد إلى تغيير بنية النظام البيئي وتقليص قدرته على دعم الثروة الحيوانية والتنوع النباتي.
لماذا يصعب كبحه؟ البذور والتكيف يصنعان قوة البقاء
ما الذي يجعل هذا النبات شديد المقاومة والتكيف مقارنة بالنباتات المحلية؟
لا يمكن وصفه علميًا بأنه "خارق"؛ لكنه يمتلك مجموعة من الصفات التي تمنحه أفضلية كبيرة. فهو ينتج أعدادًا ضخمة من البذور، ويمكن لبذوره أن تبقى في التربة لبضع سنوات، كما تنبت في أوقات مختلفة عندما تتوافر المياه بكميات مناسبة للإنبات والنمو، وهو ما يجعل التخلص منه في موسم واحد أمرًا صعبًا.
وبشكل عام في محافظة ظفار، يبدأ البارثينيوم في الإنبات منتصف فصل الخريف ويستمر إلى ما بعد فترة الصرب. وأظهرت دراستنا وجود تباين فسيولوجي وجيني بين تجمعاته في ظفار؛ فقد كانت بعض التجمعات أعلى في نسبة الإنبات وسرعته، وقوة البادرات، وطول الجذور، ومحتوى الأصباغ النباتية.
وأظهر التحليل الجيني أن معظم التباين الوراثي موجود داخل التجمعات، وهو ما يمنحها مخزونًا من التنوع يساعدها على التكيف مع اختلاف التربة والرطوبة والارتفاع والظروف المناخية. وهذا يقودنا إلى نتيجة مهمة: ليست جميع بؤر البارثينيوم متساوية في درجة الخطورة، وبعضها يحتاج إلى أولوية أكبر في الرصد والمكافحة.
حرب كيميائية صامتة بين النباتات
ما المقصود بالتأثير الأليلوباثي بعبارات بسيطة؟
التأثير الأليلوباثي هو نوع من "التنافس الكيميائي" بين النباتات. فبعض النباتات تفرز مواد طبيعية من جذورها أو أوراقها أو بقاياها في التربة، وتؤثر هذه المواد في إنبات النباتات الأخرى أو نمو جذورها وأوراقها. وبعبارة أبسط، لا ينافس البارثينيوم النباتات المجاورة على الماء والغذاء فقط، بل يطلق أيضًا مركبات كيميائية تضعفها وتمنحه فرصة أكبر للسيطرة على الموقع.
الثيميدا والأبلودا... هل تحمل الأعشاب المحلية مفتاح المواجهة؟
كيف اكتشفتم أن الثيميدا والأبلودا تمتلكان تأثيرًا كيميائيًا ضد البارثينيوم؟
بدأت الفكرة من ملاحظات ميدانية حول بعض الأعشاب المحلية التي تنمو في بيئات ظفار، ومن فرضية أن لها قدرة تنافسية أو كيميائية قد تحد من نمو البارثينيوم. جمعنا أجزاء نباتية من عشبي Themeda quadrivalvis وApluda mutica، ثم حضرنا منها مستخلصات مائية بتركيزات مختلفة، واختبرنا تأثيرها في بذور وشتلات البارثينيوم تحت ظروف تجريبية مضبوطة.
وأظهرت النتائج انخفاضًا واضحًا في نسبة الإنبات، وطول الجذور والسيقان، ومحتوى الكلوروفيل. وكان التأثير أقوى عند التركيزات الأعلى، مع تفوق واضح للثيميدا في بعض القياسات. ودعمت تحليلات التعبير الجيني هذه النتائج، إذ أظهرت اضطرابًا في الجينات المرتبطة بالتمثيل الضوئي والإجهاد التأكسدي والإشارات الهرمونية والعمليات الأيضية.
من المختبر إلى الميدان.. هل تستطيع الأعشاب المحلية خوض المعركة؟
هل يمكن زراعة هذه الأعشاب بكثافة للقضاء على البارثينيوم طبيعيًا؟
النتائج واعدة؛ لكنها لا تعني أن زراعة هذه الأعشاب وحدها ستقضي على البارثينيوم بصورة فورية أو كاملة. فالتجارب الحالية أُجريت أساسًا في ظروف مختبرية أو تجريبية، وقد تختلف قوة التأثير في الحقل نتيجة عوامل متعددة، منها التربة والأمطار والكائنات الدقيقة والرعي وكثافة الغطاء النباتي؛ لذلك، فإن الخطوة العلمية الصحيحة تتمثل في إجراء تجارب حقلية منظمة لتحديد أفضل كثافة للزراعة وموعدها، ومدى قدرتها على منافسة البارثينيوم على المدى الطويل، وتأثيرها في الأنواع المحلية الأخرى.
ويمكن أن تصبح هذه الأعشاب جزءًا من برنامج متكامل يشمل الإزالة المبكرة ومنع تكوين البذور وإعادة تأهيل المواقع، لكنها ليست بديلًا منفردًا عن جميع وسائل المكافحة. وقد تكون فعالية نثر كرات البذور، الذي تقوم به محافظة ظفار منذ عامين، عاملًا مساعدًا في الوصول إلى الهدف المنشود، والمتمثل في منافسة البارثينيوم على المدى الطويل.
المعركة تبدأ قبل الإزهار... والمجتمع خط الدفاع الأول
كيف يمكن إشراك المزارعين والرعاة في الكشف المبكر؟
توعية المجتمع المحلي عنصر أساس؛ لأن أفضل وقت للمكافحة هو قبل الإزهار وتكوين البذور. ويمكن تحقيق ذلك بتوفير صور تعريفية واضحة للنبات في مراحله الخضرية المبكرة، وتنظيم حملات في القرى والمزارع والمراعي، وتدريب المرشدين الزراعيين والفرق الميدانية، إلى جانب توفير قنوات سهلة وسريعة للإبلاغ.
وتقترح الجامعة، من خلال كرسي تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الجامعة، وبناءً على مقترح من اللجنة العلمية لمكافحة البارثينيوم في محافظة ظفار، تطوير منصة وطنية تعتمد على نظم المعلومات الجغرافية. ويمكن أن تتضمن المنصة بوابة للإبلاغ المجتمعي، وإرسال الموقع والصورة، وتتبع حالة البلاغ، وإشعار المبلّغ بما تم اتخاذه.
ويمكن للنظام الميداني أن يعمل دون اتصال بالإنترنت ثم يتزامن عند عودة الشبكة، وهو أمر مهم في الأودية والمناطق الجبلية.
من ضلكوت إلى مرباط... خريطة الانتشار لا تعرف الحدود الجغرافية
ما المناطق الأكثر تضررًا حاليًا في ظفار؟
أظهرت المسوحات انتشار النبات في نطاق واسع من محافظة ظفار، يشمل السهل الساحلي والأراضي الزراعية وجوانب الطرق والأودية والمراعي، ويمتد من المناطق الغربية مثل ضلكوت ورخيوت إلى طاقة ومرباط شرقًا.
أما من حيث الأولوية العلمية، فقد أظهرت بعض التجمعات قدرات أعلى في الإنبات والحيوية والنمو، ومنها تجمعات في مواقع مثل أتين وعيون وطوي أعتير، ومناطق قريبة من مدينة الحق وطرقها، وفق المؤشرات الفسيولوجية المستخدمة في الدراسة.
لكن ينبغي التأكيد أن تحديد "الأكثر تضررًا" بصورة تشغيلية يحتاج إلى خريطة ميدانية محدثة تجمع بين كثافة الإصابة، ومساحة البؤرة، وقربها من المراعي والمزارع، وإنتاجها للبذور، وسرعة إعادة الإصابة؛ ولهذا أوصينا بإعداد خريطة أولوية مكانية تُحدّث بصورة دورية، بدل الاعتماد على قائمة ثابتة للمواقع.
الخطوة الآتية.. من نتائج البحث إلى استراتيجية وطنية
ما الخطوة الآتية للجامعة؟ وهل هناك تعاون حكومي لتحويل النتائج إلى استراتيجية وطنية؟
المشروع نُفذ لصالح بلدية ظفار، وهو في جوهره مثال على التعاون بين الجامعة والجهات الحكومية لمعالجة مشكلة بيئية محلية ذات بعد وطني. والخطوة الآتية تتمثل في تحويل النتائج العلمية إلى تجارب حقلية وبرامج رصد وتطبيقات عملية.
وتشمل المقترحات الحالية: تطوير منصة مكانية وطنية لإدارة ورصد ومكافحة البارثينيوم، ودراسة استخدام الطائرات المسيّرة والتصوير الفائق الطيفي والذكاء الاصطناعي الجيومكاني للكشف المبكر، إضافة إلى اختبار الأعشاب المحلية في الحقل.
كما أن وجود لجنة توجيهية لمكافحة البارثينيوم، وتصنيف ظفار منطقة حجر زراعي، يوفران إطارًا مناسبًا للتنسيق بين بلدية ظفار ووزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه وهيئة البيئة والجهات البحثية الأخرى.
وتشير وثائق المقترح إلى أن الجهود تتجه نحو خطة وطنية تقوم على الرصد العلمي، والإدارة المتكاملة، والمكافحة الحيوية، والتوعية المجتمعية. ومع ذلك، فإن تحويل هذه التوصيات إلى استراتيجية وطنية ملزمة يتطلب قرارات تنظيمية، وتمويلًا مستمرًا، وتحديدًا واضحًا للمسؤوليات بين الجهات المختصة.
خمس سنوات أو أكثر... لماذا لا يمكن كسب المعركة في موسم واحد؟
كم تحتاج ظفار للسيطرة على النبات وإعادة تأهيل المواقع؟
لا توجد مدة واحدة تنطبق على جميع المواقع؛ فالأمر يعتمد على حجم الإصابة، وكثافة بنك البذور في التربة، واستمرارية التمويل، وسرعة التدخل، ومدى منع انتقال البذور من مواقع أخرى. علميًا، لا ينبغي توقع القضاء الكامل على البارثينيوم في موسم واحد.
في المواقع الصغيرة والحديثة، يمكن تحقيق احتواء واضح في موسم أو موسمين إذا أزيل النبات قبل الإزهار ومنع تكوين البذور. أما المواقع الواسعة ذات المخزون البذري الكبير، فقد تحتاج إلى برنامج منتظم يمتد لعدة سنوات، غالبًا في حدود خمس سنوات أو أكثر، مع استمرار المراقبة بعد ذلك.
والهدف الواقعي هو الانتقال على مراحل: منع ظهور بؤر جديدة، خفض إنتاج البذور، استنزاف بنك البذور في التربة تدريجيًا، وإعادة تأهيل المواقع بالتزامن باستخدام النباتات المحلية. ويبقى نجاح البرنامج مرهونًا بالاستمرارية؛ لأن التوقف لموسم واحد قد يسمح للنبات بإعادة تكوين بؤر كثيفة.
البارثينيوم... معركة لا تُحسم بالاقتلاع وحده
يمثل البارثينيوم تحديًا بيئيًا وزراعيًا وصحيًا، لكن خطورته لا تعني استحالة إدارته. فالمواجهة الأكثر فاعلية تبدأ بالانتقال من حملات موسمية متفرقة إلى برنامج متكامل يقوم على العلم والخرائط والكشف المبكر والتدخل قبل الإزهار والمشاركة المجتمعية وإعادة تأهيل المواقع.
وتكشف نتائج مشروع جامعة نزوى أن المعركة لا تحتاج إلى أدوات مكافحة تقليدية فقط، بل إلى فهم أعمق لطبيعة هذا النبات وتنوعه وقدرته على التكيف، بالتوازي مع البحث عن حلفاء من البيئة المحلية نفسها. ولعل أكثر ما يلفت في هذه النتائج أن الثيميدا والأبلودا، وهما من نباتات البيئة المحلية، قد تحملان بعض مفاتيح المواجهة، فيما يمكن للتقنيات الحديثة، من نظم المعلومات الجغرافية إلى الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي، أن تنقل جهود المكافحة من رد الفعل إلى الاستباق.
وهكذا، فإن حماية مراعي ظفار وتنوعها الحيوي لا تبدأ فقط من اقتلاع نبات غازٍ، بل من معرفة أين ينتشر، ولماذا ينجح، وكيف يمكن إيقافه قبل أن ينتشر، وكيف نستعيد المكان بالنباتات المحلية القادرة على استعادة توازنه. ففي معركة البارثينيوم، قد يكون الاكتشاف المبكر أهم من الاقتلاع المتأخر، وقد يكون استعادة الغطاء النباتي المحلي هو السلاح الأطول عمرًا.