السنة 26 العدد 200
2026/08/12

 

إشراقة: حكاية وُلدت مع خيوط فجر الجامعة

 

 

 

بقلم: سالمة الناصرية

 

ذات يومٍ من العمر الأول لجامعة نزوى، وُلدت "إشراقة" مع خيوط الفجر، لتحمل اسمها المميز. ولم يكن اسمها مجرد عنوانٍ عابر على غلاف مجلة، بل كان شروقًا لا يغيب، ونورًا لا يبهت في سماء العلم والمعرفة والبحث. ومن هذا المعنى البسيط، تبدو "إشراقة" أكثر من مجرد إصدارٍ جامعي؛ فهي حكاية ممتدة لجامعة نزوى، وذاكرةٌ توثق محطات مسيرتها الحافلة بالإنجازات والفعاليات، ومرآة تعكس المهارات المعرفية والقدرات العلمية لمنتسبيها من الطلبة والأساتذة.

لم تكن "إشراقة" مشروعًا إعلاميًا عابرًا، بل كانت فكرةً آمنت بها الجامعة، ورؤيةً انطلقت من إيمانٍ راسخ بأن الطالب ليس متلقيًا للمعرفة فحسب، وإنما شريكٌ في إنتاجها وصناعتها. فمنذ اللحظة الأولى لتأسيسها، حملت المجلة رسالةً واضحة تتمثل في ترسيخ ثقافة المشاركة المعرفية، وتشجيع العمل الجماعي، واستثمار الطاقات الفكرية والإبداعية لطلبة الجامعة، بوصفها أحد مرتكزات رسالتها السامية.

جاءت ولادة المجلة ثمرةً لجهدٍ متكامل شارك فيه نخبةٌ من طلبة جماعة الصحافة والإعلام، تحت إشراف إدارة الجامعة، في تجربةٍ كانت فريدةً بكل تفاصيلها. ولم يكن الطلبة مجرد مسهمين في إصدار مجلة جامعية، بل كانوا فريق العمل الحقيقي الذي صنع المحتوى، ووثق الأخبار، وأعد التقارير، وأجرى الحوارات، وحرر النصوص، وراجع المادة قبل خروجها إلى المجتمع. وكانت "إشراقة" مساحةً حقيقية للتعلم بالممارسة؛ يتدرّب فيها الطالب على أصول العمل الإعلامي، ويتعلّم كيف تتحول الفكرة إلى مادة صحفية، وكيف تصبح الكلمة مسؤوليةً قبل أن تكون تعبيرًا، والأهم من ذلك كيف يكون شريكًا في تعزيز الفكر الإيجابي.

وبين أروقة الجامعة ومرافقها، كان حضور "إشراقة" ملازمًا لكل حدث. فما من فعاليةٍ علمية أو ثقافية أو مجتمعية إلا وكان أحد طلبة الجماعة حاضرًا يحمل دفتر ملاحظاته أو كاميرته، يوثق اللحظة، ويرصد تفاصيلها، ويحوّلها إلى قصةٍ صحفية تحفظ ذاكرة الجامعة للأجيال القادمة. وكانت الأفكار الصغيرة، والمبادرات الطلابية، والنجاحات على المستويين الفردي والجامعي، تجد طريقها إلى صفحات المجلة، لتصبح مصدر إلهام لغيرها، وتؤكد أن لكل إنجازٍ قصةً تستحق أن تُوثق وتُروى بشغف.

أما علاقتي الشخصية بـ"إشراقة"، فقد بدأت قبل أن يولد عددها الأول بأشهر. كنت آنذاك أحد أعضاء جماعة الصحافة والإعلام في عامي التأسيسي، ضمن مجموعةٍ صغيرة من الطلبة من خلفيات أكاديمية مختلفة، لكنهم اجتمعوا على شغفٍ واحد، هو صناعة منبرٍ إعلامي يمثل صوت الجامعة. كنا نجتمع لساعاتٍ طويلة، نناقش الاسم، والهوية البصرية، وأبواب المجلة، ونرسم ملامحها الأولى، ونراجع كل التفاصيل بعناية، مدفوعين بحماس البدايات وإيماننا بأننا شركاء في وضع لبنةٍ من لبنات هذا الصرح العلمي.

وبعد أيامٍ طويلة من العمل المتواصل، والسهر، والمراجعة، خرج أول إصدار إلى النور في صورة ملحقٍ خاص مع جريدة «الوطن». وكان ذلك اليوم لحظةً لا تُنسى؛ إذ رأينا ثمرة جهودنا مطبوعةً بين أيدي القراء، تحمل عنوانًا بارزًا جذب الأنظار، وأعلن ميلاد تجربةٍ إعلامية جديدة داخل جامعة نزوى. ولم يكن ذلك الإصدار مجرد صفحاتٍ مطبوعة، بل كان إعلانًا عن ولادة مساحةٍ جديدة يعبّر فيها جميع منتسبي الجامعة عن أفكارهم، ويكتبون بلغتهم، ويروون إنجازاتهم بكل فخر.

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد علاقتي بـ"إشراقة" علاقة طالبٍ يقلب صفحاتها أو عضوٍ في جماعةٍ طلابية، بل أصبحت شراكةً حقيقية في صناعة المحتوى. بدأت بكتابة أول مقال، ثم أول تغطية صحفية، ثم أول خاطرة أدبية، ومع كل تجربة كنت أكتشف جانبًا جديدًا من ذاتي. وكانت «إشراقة» بالنسبة إليّ تجربةً فريدة، تعلّمت فيها أن الكتابة ليست موهبةً فحسب، بل مسؤولية أخلاقية ومهنية، ورأيت أثر الكلمة حين تُنشر في القارئ، بل في المجتمع بأسره. وتعلمت الدقة، والانضباط، وصياغة مشاعر النجاح والإنجاز في قالبٍ صحفي يلامس عقول الطلبة قبل قلوبهم، ويهمس لهم بأنهم جزءٌ من رسالة الجامعة، وأن الإنجاز مسؤولية كل طالب على أرضها، يحققه منه تفوقه الأكاديمي، والبحث والاستكشاف، وأن يصبح مؤثرًا ورياديًا قادرًا على الانخراط في سوق العمل بكل ثقة وشغف، بفضل ما اكتسبه من قدرات ومهارات في حياته الجامعية.

ومع كل عددٍ جديد، كنت أشعر بأنني أخطو درجةً أخرى في سلّم النضج الفكري والمهني. وكانت ملاحظات المشرفين، ونقاشات الزملاء، وحتى المراجعات الدقيقة التي تسبق النشر، دروسًا عملية لا تقل قيمةً عن أي مقررٍ دراسي. تعلمت كيف أبحث عن المعلومة، وكيف أتحقق من مصادرها، وكيف أوازن بين جمال الأسلوب ودقة المحتوى، وكيف أكتب للناس لا لنفسي فقط. وهكذا، لم تكن "إشراقة" تصنع مجلةً جامعية فحسب، بل كانت تصنع جيلًا من الكتّاب والإعلاميين، وتمنحهم أول فرصة حقيقية لاكتشاف أصواتهم، والإيمان بأن للكلمة أثرًا قد يمتد إلى أجيالٍ قادمة.

فالمؤسسة الأكاديمية، مهما بلغت قوة رسالتها العلمية، تحتاج إلى مساحةٍ توثق حركتها، وتقرّب إنجازاتها من جمهورها، وتمنح أفراد مجتمعها فرصة المشاركة في صناعة الصورة التي تمثلهم. ومن هنا، جاءت "إشراقة" لتكون جزءًا من هذا الدور؛ صوتًا إعلاميًا وثقافيًا يواكب ما يحدث في الجامعة، ويمنح التفاصيل اليومية قيمتها.

ومثل كثيرٍ من المنشورات الجامعية والمؤسسية في العالم، واكبت "إشراقة" متغيرات العصر الرقمي، فتحوّلت من ملحقٍ يصدر مع جريدةٍ رسمية، ثم مجلةٍ ورقية توزَّع بين أقسام الجامعة ووحداتها، إلى مجلة إلكترونية شهرية تصدر عبر موقعها الرسمي، لتصل أعدادها اليوم إلى ما مئتي إصدار. ولم يكن هذا التحول مجرد تغييرٍ في الوسيلة، بل كان توسيعًا حقيقيًا لدائرة القراء؛ فلم تعد "إشراقة" حبيسة مكتبةٍ أو ركنٍ في مبنى، بل أصبحت في متناول الجميع، يتصفحها الخريج في مقر عمله، والطالب في سكنه، والمهتم بشؤون الجامعة أينما كان. وأتاحت الأتمتة سرعةً أكبر في النشر، وتنوعًا في المحتوى بين النص والصورة والفيديو، وقربًا أكبر من نبض اللحظة. وأصبح لـ"إشراقة" فريقٌ متكامل من الاختصاصيين الإعلاميين يحرص على تحقيق أهدافها وضمان استدامتها.

وأخيرًا، أهمس بلطف لكل طالبٍ في الجامعة: لا تنتظر أن تكون كاتبًا محترفًا لتكتب في "إشراقة"، فالمجلة لم تُبنَ يومًا على أقلامٍ جاهزة. شارك بخبرٍ رأيته يستحق التوثيق، أو بخاطرةٍ راودتك بعد محاضرة، أو بقصيدةٍ كتبتها في لحظة صفاء، أو حتى بصورةٍ التقطتها في فعالية. فكل إسهامٍ، مهما بدا صغيرًا، هو لبنةٌ في صرح هذه المجلة، وفرصةٌ لتترك أثرًا يبقى بعد تخرجك، ولتكتشف في نفسك موهبةً ربما لم تكن تعلم أنك تملكها. كن فضوليًا وقياديًا، وأسهم، ولو بكلمة، في تحقيق رسالة هذا الصرح العلمي المتميز.

تبقى "إشراقة"، مهما تبدّلت وسيلتها من الورق إلى الشاشة، وفيّةً لفكرتها الأولى؛ أن تكون صوت جامعة نزوى الذي لا ينقطع، وساحة منتسبيها التي لا تُغلق أبوابها أمام فكرة أو حرف. فكل شروقٍ جديد لها هو، في الحقيقة، شروقٌ للعلم والتعليم على ربوع سلطنة عُمان، بل للعالم أجمع.

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة