السنة 26 العدد 199
2026/05/21

حين تتحول المعرفة إلى مشروع حضاري … حوار في الفكر والقراءة وصناعة الوعي

 

بين التأليف والفكر: محطات لسيرة قلمٍ جمع بين الأدب والتاريخ والفكر

 

 

 

من وهج الكتابة إلى عمق البحث، ومن مجالس الحارة إلى صناعة الوعي

القراءةُ تصنعُ الأمم ... والكتابُ مشروعُ حضارة لا سلعة

لا يكفي أن نقرأ، المهم أن نفكر ونحلل ونبني الوعي

الكتاب الحقيقي هو الذي يغيّر طريقة تفكير القارئ

 

 

في زمنٍ تتكاثر فيه العناوين وتقلّ فيه الأسئلة العميقة، يبرز بعض المثقفين بوصفهم مشاريع معرفة حيّة، لا يكتفون بإنتاج الكتب، بل يسعون إلى بناء وعيٍ ثقافي يمتد أثره إلى القارئ والباحث والمجتمع معًا. ومن بين هذه النماذج يطلّ الدكتور سالم بن سعيد البوسعيدي، الأكاديمي والباحث والناشر، حاملًا تجربةً ثرية تشكّلت بين مجالس العلم القديمة، وأروقة الجامعة، وعوالم التأليف والنشر، حتى غدت الكتابة لديه فعلًا حضاريًا يتجاوز حدود الورق إلى صناعة الإنسان ذاته.

 

ويُعدّ الدكتور سالم من أبرز الشخصيات الثقافية والأدبية في سلطنة عُمان، إذ جمع بين التأليف والبحث والإبداع الأدبي في مسيرة علمية وفكرية حافلة بالعطاء. عُرف بإسهاماته المتنوعة في مجالات التفسير والعلوم الإسلامية، والتاريخ العُماني، والأدب شعرًا وقصةً، إلى جانب اهتمامه بالفكر والثقافة؛ مما جعله حاضرًا بقوة في الساحة الثقافية العُمانية. وقد تجاوزت مؤلفاته السبعين كتابًا، تميّزت جميعها بأسلوب واضح يجمع بين العمق العلمي والطرح الأدبي الرصين.

 

وإلى جانب نتاجه التأليفي الغزير، أسهم الدكتور البوسعيدي في نشر المعرفة وتبسيطها عبر مشاركاته المتعددة في البرامج الإعلامية والندوات والمحاضرات الدينية والأدبية داخل سلطنة عُمان. وقد كان لحضوره الثقافي والفكري أثرٌ بارز في إثراء الحركة الأدبية والعلمية، من طريق ما يقدّمه من رؤى ومعالجات تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتخاطب مختلف فئات القرّاء والمهتمين بالثقافة والمعرفة.

 

في هذا الحوار، الذي يعد ضمن الجلسات الحوارية الدورية التي تنظمها مكتبة جامعة نزوى، استضفنا الدكتور سالم بن سعيد البوسعيدي، صاحب التجربة الثرية في التأليف والبحث والنشر؛ لنقترب من عالمه المعرفي، ونتعرّف إلى المنهج الذي شكّل هذه الرحلة الطويلة بين الكتابة والجامعة والتاريخ والأدب. نعم نقترب من ملامح مشروعه الفكري، ونحاول أن نقرأ معه علاقة الكاتب بالمعرفة، والجامعة بالوعي، والأدب بالتاريخ، في رحلةٍ تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع الهمّ الثقافي العام، وتتكشف منها رؤيته للكتاب بوصفه أداة بناءٍ لا سلعة عابرة.

 

أدار الحوار: محمد بن علي الإسماعيلي - مكتب النشر

 

من الفكرة إلى الكتاب... كيف تولد المشاريع الفكرية؟

السؤال:
الكتابة ليست مجرد تراكم معلومات، بل رحلة طويلة تبدأ من ومضة فكرة وتنتهي بكتاب يحمل رؤيةً متكاملة. وبين البداية والنهاية تتشكل المنهجيات وتتفاوت التجارب. من هنا نسألكم: ما المنهجية التي تعتمدونها في الانتقال من الفكرة إلى كتاب مكتمل؟

 

الإجابة:

في الحقيقة، تعود البدايات الأولى إلى سنوات الطفولة، حين كنت أحضر مجالس كبار السن في الحارة، وهم يقرؤون متون التراث العماني والعربي، ويتدارسونها بالنقاش والتحليل. كنت آنذاك أقدّم القهوة لهم، غير أنني – في الوقت ذاته – كنت أتلقى درسًا عميقًا في كيفية قراءة النصوص وفهمها.

تلك المجالس غرست في داخلي عادة التأمل في الكتب، وعدم الاكتفاء بالقراءة السطحية. ومع مرور الوقت، بدأت أدوّن خلاصات كل كتاب على هوامشه وصفحاته البيضاء، فصارت هذه الطريقة جزءًا من منهجي في التفكير والتأليف. وقد ساعدني ذلك على بناء رؤية منظمة في الكتابة، تحافظ على أصالة الطرح، حتى مع كثرة المؤلفات وتنوّع الموضوعات.

 

بين العمق العلمي وسلاسة الطرح

السؤال:
غالبًا ما يقع الكاتب أمام معادلة صعبة: كيف يحافظ على العمق العلمي دون أن يفقد القارئ العادي؟ وأنتم أصحاب تجربة غزيرة في التأليف، كيف حققتم هذا التوازن؟

 

الإجابة:

أحرص دائمًا على تبسيط الأفكار المعقدة، مستفيدًا من خبرتي الطويلة في التدريس الجامعي؛ لأن التعليم يعلّم الإنسان كيف يقدّم المعرفة بصورةٍ قريبة وواضحة. كما أنني أستخدم الهوامش والتعليقات لشرح المفاهيم وربطها بالقيم الدينية والاجتماعية، حتى يشعر القارئ بأن النص حيّ ومتصل بواقعه. وهكذا يمكن الجمع بين العمق العلمي وسهولة التلقي في آنٍ واحد.

 

التحديات الخفية في مشروع التأليف

السؤال:
وراء كل مشروع معرفي تحديات لا يراها القارئ عادة؛ لكنها تُشكّل الكاتب وتعيد صياغة أدواته. ما التحدي الأكبر الذي واجهكم في رحلتكم مع التأليف؟ وهل غيّر ذلك نظرتكم إلى البحث والكتابة؟

 

الإجابة:

أبرز التحديات كانت إدارة الكمّ الكبير من النصوص والمراجع، مع الحرص على توثيق كل فكرة دون أن يضيع جوهر العمل أو تتشتت رؤيته. لذلك تعلمت مع الوقت أن أركّز على مشروع كتاب واحد في كل مرحلة، مع تدوين مخططات مستقبلية لبقية العناوين والأفكار. هذا التنظيم ساعدني على المحافظة على جودة العمل، وتحقيق قدر أكبر من التركيز وسرعة الإنجاز.

 

الجامعة وأسئلة الواقع الثقافي

الفجوة بين التعليم والوعي

 

السؤال:
كثيرون يرون أن ثمة فجوة بين ما يُدرَّس في الجامعات وما يحتاجه الواقع الثقافي والمعرفي. ومن موقعكم الأكاديمي، كيف تنظرون إلى هذه الإشكالية؟

 

الإجابة:

أعتقد أن جوهر الفجوة يتمثل في ضعف مهارات القراءة النقدية وبناء الحجج لدى كثير من الطلبة؛ فالمعرفة ليست حفظًا للمعلومات فقط، بل قدرة على التحليل والمناقشة والاستنباط. والتجربة العملية مع نصوص التراث العماني والأدبي تسهم بشكل كبير في تنمية التفكير النقدي، وتجعل الطالب أكثر وعيًا بالمعرفة وأدواتها.

 

الباحث الحقيقي... أي مهارة يصنعه؟

السؤال:
وسط هذا التحول المتسارع في المعرفة، ما المهارة الأساسية التي ينبغي أن يمتلكها الطالب ليصبح باحثًا حقيقيًا لا مجرد ناقلٍ للمعلومات؟

 

الإجابة:

القدرة على القراءة النقدية وتحليل الحجج واستخراج الأدلة. فالباحث الحقيقي لا يكرر ما يقرأ، بل يناقشه ويفككه ويعيد بناءه ضمن رؤية واعية.

 

كيف تصنع الجامعة مفكرًا؟

السؤال:
الجامعات لا تُقاس بعدد الخريجين فحسب، بل بقدرتها على صناعة العقول المؤثرة. من واقع تجربتكم، كيف يمكن للجامعة أن تخرّج مفكرين ومبدعين؟

 

الإجابة:

يبدأ ذلك من التدريس الفعّال الذي يحفّز على البحث والتأليف، لا مجرد التلقين. إلى جانب أن ربط المحاضرات بالتطبيقات العملية، وتشجيع الطلبة على الانخراط في المبادرات الثقافية والمعرفية، يفتح أمامهم أفق الإبداع، ويجعلهم جزءًا من المشهد المعرفي الحقيقي.

 

الكتاب والنشر... من التجارة إلى الرسالة

حين يصبح الكتاب مشروعًا حضاريًا

السؤال:

إلى جانب دوركم الأكاديمي، خضتم تجربة النشر وإدارة المكتبات، وهي تجربة تمنح صاحبها زاوية مختلفة في النظر إلى الكتاب. كيف أثرت هذه التجربة في رؤيتكم؟

 

الإجابة:

جعلتني أرى الكتاب بوصفه وسيلة لبناء المجتمع ونشر المعرفة، لا مجرد منتج تجاري. فالعلاقة الحقيقية مع الكتاب تبدأ حين يتحول إلى مساحة للتفكير والحوار وإعادة اكتشاف الذات؛ ولذلك أؤمن بأهمية القراءة النقدية وربط القارئ بالنصوص العميقة والمؤثرة.

 

أزمة النشر العربي

السؤال:
رغم الحراك الثقافي المتنامي، لا تزال صناعة النشر العربية تواجه تحديات متراكمة. من وجهة نظركم، ما أبرز هذه التحديات اليوم؟

 

الإجابة:

ثمة حاجة حقيقية إلى دعمٍ هيكلي لمشروعات النشر، إلى جانب معالجة ضعف عادة القراءة في المجتمعات العربية. بالإضافة إلى أن بعض القيود المؤسسية والسياسية تؤثر في حركة الكتاب والثقافة، فضلًا عن التركيز أحيانًا على الشهادات الأكاديمية أكثر من الكفاءة الفكرية والإبداعية.

 

القارئ في زمن المنصات الرقمية

السؤال:
في عصر السرعة والمنصات الرقمية، يبدو الكتاب الورقي وكأنه يخوض معركة بقاء. كيف يمكن إعادة بناء علاقة القارئ بالكتاب؟

 

الإجابة:

من طريق إطلاق مبادرات للمكتبات المفتوحة، وتنظيم حلقات القراءة والنقاش، وتعليم مهارات القراءة النقدية والحوار. أضف إلى ذلك أن توجيه الشباب نحو النصوص الأساسية والثقافية العميقة يسهم في بناء علاقة مستدامة مع الكتاب، بعيدًا عن الاستهلاك السريع للمحتوى.

 

بين الأدب والتاريخ... أين يلتقي الخيال بالحقيقة؟

المؤرخ الذي يكتب بروح الأديب

السؤال:
أنتم تتحركون بين فضاءين متداخلين: الأدب والتاريخ. فكيف توفقون بين خيال الأديب ودقة المؤرخ؟

 

الإجابة:

أتعامل مع الأدب والتاريخ بصفتهما وسيلتين لإيصال الفكرة والعبرة. لذلك أمزج بين الأسلوب الإنشائي والأسلوب الخبري، بحيث يحافظ النص على صدقه التاريخي وروحه الأدبية في الوقت نفسه. والقرآن الكريم يمثل الأنموذج الأعلى لهذا التوازن بين السرد التاريخي والبيان الأدبي.

 

الأدب بوصفه قراءة جديدة للتاريخ

السؤال:
وهل يمكن للأدب أن يعيد تقديم التاريخ بصورة أعمق من مجرد السرد الوقائعي؟

 

الإجابة:

بالتأكيد. فالأدب لا يكتفي بعرض الحدث التاريخي، بل يمنحه بُعدًا وجدانيًا وإنسانيًا، ويعيد صياغته بطريقة تستخرج العبرة والدروس، فتصل الفكرة إلى القارئ بصورة أكثر تأثيرًا وعمقًا.

 

الرسالة الأخيرة

المحاور:
لو طُلب منكم أن تختصروا رسالتكم الفكرية والأدبية في فكرة واحدة، فماذا تقولون؟

 

الإجابة:

أؤمن بأن العلم والمعرفة والقراءة المستمرة هي السبيل الحقيقي لحفظ الأمة وبناء وعيها. ونشر القيم الأخلاقية والثقافية عبر التاريخ والأدب، مع توثيق الأفكار وتحويلها إلى خلاصات عملية قابلة للاستمرار، هو جزء أساس من هذه الرسالة.

 

في ختام هذا الحوار، تتبدّى تجربة الدكتور سالم بوصفها رحلةً في صناعة المعرفة قبل صناعة الكتب؛ رحلة تبدأ من مجالس القراءة القديمة، وتمتد إلى قاعات الجامعة ومنصات النشر، لتؤكد أن الثقافة الحقيقية ليست تكديسًا للمعلومات، بل بناءٌ متواصل للوعي والإنسان. وبين الأدب والتاريخ، وبين البحث والتعليم، يظل الرهان الأكبر – كما يرى – معقودًا على القراءة؛ لأنها وحدها القادرة على أن تحفظ للأمم ذاكرتها، وتمنحها القدرة على صناعة مستقبلها.

إرسال تعليق عن هذه المقالة