السنة 26 العدد 199
2026/05/21

في ضيافةِ العربية: مساءٌ في مكتبةِ الدكتور سعيد الزبيدي

 

 

زارها: محمد الإسماعيلي

 

في عصرِ يومِ جمعةٍ هادئٍ من أيامِ مسقط، حيثُ ينسابُ ضوءُ البحرِ على بيوتِ الموجِ انسيابًا رفيقًا، كنّا نمضي إلى بيتٍ لا يشبه البيوتَ في ظاهره، وإن بدا كسائرها؛ لأنّ داخله كان يُخفي عالمًا آخر، عالمًا تُقيم فيه اللغةُ العربيةُ على عرشها، وتتنفّس فيه الكتبُ مثلما يتنفّس الأحياء. هناك زرنا الأستاذَ الدكتور سعيد جاسم الزبيدي، فكان اللقاءُ أقربَ إلى رحلةٍ في تاريخ العربية، منه إلى زيارةٍ عابرة لمكتبة منزلية.

 

لم تكن المكتبةُ مجرّد رفوفٍ اصطفت عليها الكتب، بل كانت سيرةَ عمرٍ كاملٍ أفناه صاحبُها في خدمةِ العربية، وحراسةِ نحوِها، والتنقيبِ في أسرارِ بيانها. فمنذ عقودٍ طويلةٍ والدكتور الزبيدي يُعدُّ واحدًا من أبرزِ أعلامِ الدراساتِ النحويةِ واللغويةِ في العالم العربي، وقد تنقّل في ميادين التعليم والبحث بين العراق واليمن والأردن وقطر وسلطنة عُمان، مستقرًّا في سنواته الأخيرة أستاذًا للنحو العربي في جامعة نزوى، حيث واصل مشروعه العلمي في خدمة اللغة وعلومها.

 

وما إن دخلنا مكتبته حتى بدا المشهدُ وكأنّه صورةٌ حيّةٌ من مجالس العلماء القدماء؛ فأُمَّهاتُ كتبِ اللغة العربية تحتلُّ المكانةَ الأسمى فيها، كأنّها الأعمدةُ التي يقومُ عليها هذا الصرحُ العلمي. هنا كتبُ النحو الكبرى، وهناك المعاجمُ التي حفظت ذاكرةَ العرب، وفي زوايا أخرى كتبُ البلاغة والأدب والتفسير وعلوم القرآن. وكلُّ كتابٍ فيها لا يبدو غريبًا عن الآخر، بل كأنّ بينها نسبًا خفيًّا يجمعها في خدمة اللسان العربي وبيانِه.

 

كانت الطاولةُ التي يجلس إليها الدكتور الزبيدي تزخرُ بتنوّعٍ أخّاذ؛ عليها إشاراتٌ إلى منابعِ البيان، والفصاحةِ الحقّة، وجزالةِ اللفظ، وسموِّ الأدب، في مشهدٍ يبلغُ ذروتَه حين يستندُ الحديثُ إلى القرآن الكريم وإعجازه؛ ذلك الكتابُ الذي ظلّ ــ كما بدا في حديثه وفي اختياراته العلمية ــ المعلّمَ الأول، والموردَ الأعذب، والمشكاةَ التي يُستضاءُ بها في فهم العربية وأسرارها. ولم يكن تعلّقه بالقرآن تعلّقَ قارئٍ فحسب، بل تعلّقَ نحويٍّ يرى في النصّ القرآني أوسعَ ميادينِ العربية وأعمقَها دلالةً وبيانًا؛ وقد عُرف عنه اهتمامه بدراسة كتب معاني القرآن وأثرها في فهم النصّ الكريم.

 

وفي تلك اللحظات، كان المرءُ يدرك أنّ الورقَ عند هذا العالم الجليل ليس مادّةً جامدة، بل وعاءُ العلم والمعرفة، وذاكرةُ الحضارة، والجسرُ الذي تعبرُ عليه الأجيالُ من زمنٍ إلى زمن؛ لذلك لم تكن مكتبته وليدةَ جمعٍ عابرٍ أو اقتناءٍ شكلي، بل ثمرةَ إنفاقٍ كريمٍ وسخاءٍ علميٍّ كبير؛ فقد أنفق عليها من عمره وماله ووقته، يُنمّيها ويُضيف إليها؛ لتبقى له ولطلبته معينًا لا ينضب، ومرجعًا تتجدّد فيه المعرفةُ كلّما امتدّ البحثُ واتّسعت الأسئلة.

 

ومن يتأمّل رفوفَ تلك المكتبة، يُدرك أنّ صاحبها لم يكن باحثًا تقليديًّا يقف عند حدود النقل والتلقين، بل عالمًا يرى اللغةَ كائنًا حيًّا نابضًا بالفكر والوجدان. وقد عُرف الدكتور الزبيدي في أوساط الدرس اللغوي بقراءاته المتعمّقة للنحو العربي، وبمحاولته وصلَ النحو بالمعنى والفكر، حتى وُصف بأنّه “نحويٌّ يقرأ النحو بوصفه فكرًا لا قواعد فحسب. "كما ترك للمكتبة العربية مؤلفاتٍ ودراساتٍ متخصّصة في النحو والمعاجم واللغة والأدب، من بينها كتابه (النحو عند غير النحويين)، و(من معجم الجواهري)، فضلًا عن دواوينه الشعرية التي كشفت وجهًا أدبيًّا آخر لشخصيته العلمية.

 

ولعلّ أجمل ما في تلك الزيارة أنّها لم تكن زيارةً لمكتبةٍ فحسب، بل كانت وقوفًا أمام تجربةٍ إنسانيةٍ كاملة؛ تجربةِ رجلٍ عاش للعربية، وجعل من الكتابِ رفيقًا يوميًّا، ومن البحثِ رسالةً لا تنتهي. فثمّة مكتباتٌ تُدهشك بضخامتها، وثمّة مكتباتٌ تُبهرك بندرة مقتنياتها، غير أنّ مكتبةَ الدكتور سعيد جاسم الزبيدي تمتلكُ قيمةً أبقى وأعمق: إنّها مكتبةُ عالمٍ يعرفُ لماذا اقتنى كلَّ كتاب، وأين يضعه، ومتى يعود إليه، وكيف يحوّله من ورقٍ صامتٍ إلى معرفةٍ حيّةٍ متدفّقة.

 

خرجنا من بيته في الموج، وقد بدا المساءُ أكثرَ هدوءًا، لكنّ شيئًا من ذلك الضوء ظلّ عالقًا في النفس؛ ضوءُ العلم حين يسكنُ الإنسان، وضوءُ اللغة حين تجدُ من يُخلصُ لها عمرَه كلَّه. ولعلّ هذه المكتبة، بما تضمّه من ذخائر العربية، ليست مجرّد مكتبةٍ خاصة، بل شهادةٌ حيّةٌ على أنّ الأمةَ التي تحفظُ كتبَها، وتحترم علماءَها، تظلُّ قادرةً على حفظِ روحها مهما تبدّلت الأزمنة.

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة