من الدهجان إلى التقنيات المتقدمة ... ورد الجبل الأخضر في طريقه إلى العالمية
دراسة لجامعة نزوى تكشف آفاق تطوير صناعة ماء وزيت الورد العُماني بتقنيات حديثة تعزز الجودة والاستدامة والقيمة الاقتصادية
غانم آل ثاني خبير أجهزة تحليلية بمختبر علوم وتقنيات الغذاء:
ـ ورد الجبل الأخضر لم يعد منتجًا تراثيًا فقط ... بل مورد اقتصادي واعد للأسواق العالمية
ـ التقنيات الحديثة تفتح آفاقًا جديدة لرفع جودة زيت وماء الورد العُماني
ـ نطمح إلى تحويل ورد الجبل الأخضر من صناعة تقليدية إلى علامة عطرية عالمية
كتبت: سندس المعمرية
كشف مختبر علوم وتقنيات الغذاء (مركز أبحاث العلوم الطبيعية والطبية) في جامعة نزوى عن دراسة شاملة في تقنيات استخلاص ورد الجبل الأخضر(Rosa damascena)؛ بهدف تطوير صناعة الماء والزيت العطري ورفع كفاءتها وجودتها بما يتوافق مع متطلبات الأسواق العالمية المتنامية، ويعزز من حضور المنتج العُماني في سلاسل القيمة العالمية للصناعات العطرية.
وتأتي هذه الدراسة في ظل الاهتمام العالمي المتزايد بالمنتجات الطبيعية عالية الجودة، وتنامي الطلب على المياه والزيوت العطرية النقية المستخدمة في الصناعات الغذائية ومستحضرات التجميل والعلاج الطبيعي، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة أمام ورد الجبل الأخضر ليكون أحد أبرز المنتجات العُمانية القادرة على المنافسة في الأسواق العالمية، خصوصًا مع التحول العالمي نحو المنتجات المستدامة ذات الأصل الطبيعي والهوية الجغرافية المميزة.

وأكد غانم بن سالم آل ثاني خبير أجهزة تحليلية بمختبر علوم وتقنيات الغذاء على أهمية الدراسات العلمية الدقيقة التي تسهم في تطوير المنتج والارتقاء به في الجوانب الإنتاجية والوصول به للعالمية.
وقال في تصريح لوكالة الأنباء العمانية: "في ظل الاهتمام العالمي المتزايد بالمنتجات الطبيعية عالية الجودة، وتنامي الطلب على المياه والزيوت العطرية النقية المستخدمة في الصناعات الغذائية ومستحضرات التجميل والعلاج الطبيعي، فإن صناعة الورد في الجبل الأخضر، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة أمام ورد الجبل الأخضر ليكون أحد أبرز المنتجات العُمانية القادرة على المنافسة في الأسواق العالمية، خصوصًا مع التحول العالمي نحو المنتجات المستدامة ذات الأصل الطبيعي والهوية الجغرافية المميزة.
وأوضح آل ثاني بقوله إنّ الدراسة تبرز أهمية هذه الدراسة في سياق التحول المتسارع الذي يشهده ورد الجبل الأخضر في السنوات الأخيرة، إذ لم يعد مجرد محصول زراعي موسمي، بل أصبح عنصرًا متداخلًا مع النشاط السياحي والاقتصادي والثقافي في المنطقة مشيرا فقد شهدت ولاية الجبل الأخضر في موسم ربيع الورد لعام 2026 وبداية العام تدفقًا ملحوظًا للزوار لمتابعة قطف الورد وعمليات التقطير التقليدية، مع استمرار النمو في أعداد الزوار بنسبة 9% في عام 2025، وارتفاعها في 2026؛ مما يعكس تنامي الاهتمام بهذا المنتج التراثي كونها وجهة سياحية وتجربة حية تربط الزائر بالمنتج من مصدره الأول.

وتقارن الدراسة بين أربع تقنيات رئيسة لاستخلاص المركبات العطرية من الورد، وهي: الدهجان التقليدي، التقطير المائي، التقطير بالبخار، والاستخلاص بثاني أكسيد الكربون فوق الحرج، مع تحليل علمي دقيق للفروقات بينها من حيث درجة الحرارة التشغيلية، زمن الاستخلاص، نسبة استخراج ماء وزيت الورد، جودة الرائحة النهائية، ومدى الحفاظ على المركبات العطرية الحساسة التي تمنح الورد هويته الفريدة. وتوضح النتائج أن الطرق التقليدية، وعلى رأسها الدهجان، رغم أهميتها التاريخية والتراثية، إلا أنها تعمل في ظروف حرارية مرتفعة تؤدي إلى فقدان جزء من المركبات العطرية الحساسة، وإنتاج مياه وزيوت عطرية أقل حجماً ونقاءً مقارنة بالطرق الحديثة، وهو ما يسلط الضوء على التحديات التقنية التي تواجه الأساليب التقليدية في ظل متطلبات الجودة الحديثة.
وفي النتائج التي خرجت بها المعامل المخبرية فيما يتعلق باستخدام التقنيات الحديثة قال غانم بن سالم آل ثاني: أظهرت تقنيات التقطير الحديثة، وخاصة التقطير بالبخار، قدرة أعلى على تحقيق توازن بين الجودة والإنتاجية، إذ تحافظ على الرائحة الطبيعية بدرجة أفضل، وتقلل من التحلل الحراري، وتوفر منتجًا أكثر استقرارًا وملاءمة للاستخدام الصناعي والتجاري، خصوصًا في المشاريع التي تستهدف أسواقًا إقليمية ودولية. أما تقنية الاستخلاص بثاني أكسيد الكربون فوق الحرج، فتُعد من أكثر التقنيات تقدمًا في مجال الصناعات العطرية، إذ تعتمد على ظروف تشغيل دقيقة تسمح باستخلاص المركبات العطرية دون تعرضها لدرجات حرارة مرتفعة؛ مما يؤدي إلى إنتاج زيت عطري عالي النقاء، خالٍ من بقايا المذيبات، وبجودة رائحة أقرب ما تكون إلى الورد الطازج في بيئته الطبيعية، رغم ارتفاع تكاليف الاستثمار والتشغيل المرتبطة بها.
وتؤكد الدراسة أن تبني هذه التقنيات الحديثة، إلى جانب تطبيق أنظمة الجودة وسلامة التصنيع مثل نظام تحليل المخاطر ونقاط التحكم الحرجة (HACCP)، يمثل خطوة محورية في رفع القيمة المضافة لورد الجبل الأخضر، وتحويله من منتج محلي تقليدي يعتمد على الأساليب الحرفية إلى صناعة عطرية متقدمة قادرة على المنافسة في أسواق عالمية تتطلب معايير صارمة من حيث الجودة والاستدامة.
وتشير الدراسة إلى أن هذا التحول لا يقتصر على الجانب الصناعي فقط، بل يمتد ليشمل أبعادًا اقتصادية وسياحية وريادية واسعة؛ بدعم الصناعات التحويلية، وتطوير منتجات تجميل وعطور طبيعية ذات قيمة مضافة عالية، وفتح المجال أمام مشاريع ريادية صغيرة ومتوسطة في مجالات التقطير والتسويق والتعبئة، إضافة إلى الاستفادة من المخلفات الزراعية في تطبيقات مستدامة تعزز مفهوم الاقتصاد الدائري في القطاع الزراعي.

وتبرز الدراسة كذلك أن التكامل بين الزراعة والسياحة والصناعة في تجربة ورد الجبل الأخضر يمثل أنموذجًا واعدًا يمكن البناء عليه، خصوصًا مع تزايد اهتمام الزوار بتجارب الإنتاج المباشر ومشاهدة عمليات التقطير التقليدية والحديثة؛ مما يعزز من القيمة الاقتصادية للمنتج على أكثر من مستوى.
وفي ظل هذا التداخل بين الإرث العُماني العريق والتطور العلمي والتقني المتسارع، يقف ورد الجبل الأخضر اليوم أمام مرحلة مفصلية، لم يعد فيها مجرد رمز زراعي تقليدي، بل أصبح موردًا استراتيجيًا قابلًا لإعادة التشكيل ضمن صناعة غذائية وعطرية عالمية متنامية. ومع استمرار تطور التقنيات وارتفاع الطلب العالمي على المنتجات الطبيعية الفاخرة، تتعزز فرص انتقال هذا المورد العُماني من نطاق الإنتاج المحلي إلى فضاء الأسواق العالمية، إذ تتحول الرائحة من تراثٍ محلي … إلى قيمة اقتصادية تتداول في أسواق بملايين الدولارات.
وكان الدكتور محمد بن علي الفارسي، رئيس قسم مختبر العلوم وتقنيات الغذاء، قد شارك في ندوة واقع ومستقبل الورد في الجبل الأخضر تناول فيها مقارنة شاملة في تقنيات استخلاص ورد الجبل الأخضر (Rosa damascena)؛ بهدف تطوير صناعة الماء والزيت العطري ورفع كفاءتها وجودتها بما يتوافق مع متطلبات الأسواق العالمية المتنامية، ويعزز من حضور المنتج العُماني في سلاسل القيمة العالمية للصناعات العطرية.