السنة 26 العدد 199
2026/05/19

السيمياء الثقافية في رواية جوع العسل لزهران القاسمي

 

 

رسالة ماجستير مقدمة من: أحمد بن خليفة بن مصبح المقبالي

تخصص: النقد الأدبي الحديث

 

قراءة: شذى السعدية

 

في البدء، لم تكن الكلمة مجرد صوتٍ عابر، بل كانت شفرة تختزل هوية الأرض، وملامح الإنسان، وأسرار البقاء. ومن أعماق المنحدرات الصخرية الممتدة في جبال عُمان، إلى الآفاق الرحبة لصحاريها الشاسعة، ظل التاريخ يتحرك بصمت، تاركًا وراءه علاماتٍ مشفّرة تكاد تتوارى تحت غبار الحداثة المتسارعة.

 

ومن هنا تنطلق هذه الأطروحة النقدية، لتخلع عن النص الروائي طابعه العابر، وتغوص مع الباحث أحمد بن خليفة المقبالي في استكشاف رواية جوع العسل للروائي العُماني زهران القاسمي، مستندةً إلى منهج السيمياء الثقافية بوصفه أداة نقدية تكشف شفرات الماديات واللاماديات في النص. إنها رحلة نقدية تتجاوز تتبع حكايات جني العسل أو وصف حياة السائرين في الفيافي، لتبحث في "معنى المعنى"، وتقرأ كيف تصادمت الأعراف القديمة بالقوانين الحديثة، وكيف تحولت الملابس، والأطعمة، والطقوس اليومية إلى علاماتٍ سيميائية نابضة بالهوية والذاكرة الوطنية.

 

ومن هذا المنظور، تكشف الدراسة كيف تتحول التفاصيل الصغيرة إلى حراس لذاكرة الوطن، وتعرض أبعاد الرواية الثقافية والاجتماعية في إطار نقدي عميق.

 

أولاً: فلسفة التحول وقراءة الهوية

 

تتجاوز هذه الرسالة حدود الوصف الأدبي التقليدي لتغدو وثيقة نقدية تفكيكية، إذ ترصد التحولات التاريخية الكبرى في المجتمع العُماني، ولا سيما الانتقال من مرحلة الاحتكام إلى الأعراف وقسوة البيئة قبل عام 1970م، إلى مرحلة القانون والدولة الحديثة. وقد نجحت الدراسة في إبراز الكيفية التي يعيد بها الإنسان تشكيل علاماته الثقافية كلما تبدلت شروط الواقع الاجتماعي والحضاري.

 

واستطاعت الرسالة أيضًا إحياء العلامات الثقافية المنسية؛ إذ استنطقت الموجودات المادية، مثل الأزياء التقليدية والأطعمة الشعبية مثل "قرص الصد"، إلى جانب العناصر اللامادية، مثل أهازيج التعويبة وعادات جني العسل، وحوّلتها من تفاصيل سردية عابرة إلى رموز ثقافية تؤرخ للهوية العُمانية وتحفظها من التلاشي.

 

ثانياً: القيمة المعرفية للأطراف المستفيدة

تنسج هذه الدراسة شبكة واسعة من الفوائد المعرفية التي تمتد إلى حقول ومؤسسات عدة:

  • الحقل النقدي والأدبي العربي:

تقدم الرسالة أنموذجًا تطبيقيًا معاصرًا لتوظيف السيمياء الثقافية في قراءة الرواية العُمانية؛ مما يمنح النقاد أداة تحليلية مرنة وقادرة على مقاربة النصوص الإبداعية من منظور جديد.

  • المؤسسة الأكاديمية والبحث العلمي:

تسهم الدراسة في إثراء المكتبة الأكاديمية ببحث رصين يسد جانبًا من ندرة الدراسات السيميائية المحلية، وتعزز حضور المنهج النقدي الحديث في الجامعات العُمانية، وفي مقدمتها جامعة نزوى.

 

  • المجتمع والذاكرة الوطنية:

تؤدي الرسالة دور الحارس الثقافي الذي يعيد تقديم الموروث الشعبي العُماني في إطار أكاديمي رصين، يحفظ خصوصية الثقافة العُمانية وتنوعها البيئي بين الجبل والصحراء.

 

ثالثاً: طبيعة الرسالة ومنهجها

تندرج هذه الدراسة ضمن بحوث الماجستير في اللغة العربية وآدابها، تخصص النقد الأدبي الحديث، وتعتمد المنهج السيميائي الثقافي إطارًا نقديًا لتحليل النصوص والكشف عن العلامات الكامنة فيها.

وقد قامت الرسالة على هندسة تحليلية ثنائية الأبعاد، قسمت الإشارات الثقافية إلى:

  • سيمياء ثقافية مادية:

وتشمل دراسة الملابس والألوان، ودلالات الطعام والشراب، وجغرافية المكان.

  • سيمياء ثقافية غير مادية:

وتتصل بالخطاب الديني، وتجليات الحياة اليومية، وتحولات الأعراف في ظل القوانين الحديثة وعصر النهضة.

 

رابعاً: الأثر العلمي للدراسة

أسهمت الرسالة في تأصيل مصطلح السيمياء داخل السياق العربي، فلم تكتفِ باستيراده من النقد الغربي، بل عادت إلى جذوره وإرهاصاته في التراث البلاغي العربي، متتبعةً إشاراته في المعاجم، ومفهوم "معنى المعنى" عند عبد القاهر الجرجاني؛ مما منح الدراسة عمقًا معرفيًا وتأصيليًا.

ورسخت الدراسة مفهومًا نقديًا مهمًا يتمثل في أن قيمة العلامة الثقافية لا تقاس بتكرارها داخل النص، بل بقدرتها الدلالية على كشف التحولات الاجتماعية والإنسانية الكبرى.

 

خامساً: أثر الرسالة في المنظومة التربوية

تفتح هذه الدراسة آفاقًا واسعة أمام المؤسسات التعليمية بمختلف مكوناتها؛ بما تقدمه من رؤى ثقافية وتربوية متكاملة:

  • الإداريون:
    تمنحهم الدراسة فهمًا أعمق للبيئات المحلية المتنوعة، بما يساعدهم على بناء تواصل تربوي أكثر وعيًا مع المجتمع المحلي، واستيعاب تأثير التحولات الاجتماعية والتقنية في سلوك الطلبة.

  • المعلمون:
    توفر لهم أدوات نقدية حديثة يمكن توظيفها في تنمية مهارات التفكير والتحليل لدى الطلبة، وربط المناهج التعليمية بالموروث الثقافي العُماني، بما يعزز قيم الهوية والانتماء.

  • الطلبة:
    تساعدهم الدراسة على بناء عقلية نقدية واعية، قادرة على قراءة دلالات الأشياء والسلوكيات من حولهم، وفهم التحولات الاجتماعية بوعي ثقافي يحفظ الأصالة ويستوعب الحداثة.

وفي ختام هذه الرحلة النقدية، يتبين أن هذه الرسالة لم تكن مجرد قراءة لرواية أدبية، بل مشروعًا معرفيًا يعيد الاعتبار للعلامات الثقافية التي شكّلت الوجدان العُماني. لقد أثبتت الدراسة أن الموروث لا يندثر بتغير الأزمنة، بل يعيد إنتاج نفسه في صور ودلالات جديدة، وأن الجبل والصحراء ظلا مصدرين أصيلين للقيم والمعاني المتجذرة في الشخصية العُمانية.

 

وتؤكد الرسالة أن النقد الأدبي ليس مجرد تفكيك للنصوص، بل وسيلة لفهم الإنسان والمجتمع والتحولات الثقافية العميقة. ومن هنا، يظل جوع العسل رمزًا للحنين إلى الجذور، وتبقى السيمياء الثقافية بوصلةً معرفية ترشد الأجيال القادمة إلى فهم ذواتها والاعتزاز بهويتها في عالم متغير ومتسارع.

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة