السنة 26 العدد 199
2026/05/19

الشباب العُماني يعيد رسم مستقبل الوقف الرقمي في سلطنة عُمان …

هاكاثون الوقف الأول بمحافظة الداخلية يفتح آفاق الابتكار أمام طلبة الجامعات لصناعة مشاريع وقفية مستدامة

 

 

 

حين تتحول الأفكار الشبابية إلى حلول رقمية تصنع مستقبل الوقف:

الهاكاثون منحنا فرصة حقيقية لتحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتطبيق

مشاريعنا تؤكد قدرة الشباب العُماني على تطوير القطاع الوقفي بلغة التقنية والابتكار

التجربة فتحت أمامنا آفاقًا جديدة لصناعة حلول وقفية مستدامة تخدم المجتمع

التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أصبحا ركيزتين أساسيتين في مستقبل العمل الوقفي

 

 

كتبت: سُندس بنت سعيد المعمرية

 

 

شهد "هاكاثون الوقف الأول – ابتكار واستدامة" حضورًا شبابيًا لافتًا وتفاعلًا واسعًا من طلبة الجامعات والكليات بمحافظة الداخلية، في تجربة نوعية كشفت عن وعي متقدم لدى الشباب العُماني بأهمية تطوير القطاع الوقفي وربطه بالتقنيات الحديثة والتحول الرقمي، بوصفه أحد المسارات الواعدة لتعزيز التنمية المستدامة وصناعة الأثر المجتمعي.

 

وجاء تنظيم الهاكاثون من قبل إدارة الأوقاف والشؤون الدينية بمحافظة الداخلية، بالشراكة مع جامعة نزوى ومؤسسة معين الوقفية الخاصة، وبالتعاون مع مكتب محافظة الداخلية ومتحف عُمان عبر الزمان؛ ليشكّل أول هاكاثون على مستوى سلطنة عُمان يُعنى بالوقف الرقمي والاستدامة الوقفية، مستهدفًا طلبة الجامعات والكليات لتقديم حلول تقنية ومشاريع ابتكارية تسهم في تطوير العمل الوقفي وتعزيز حضوره المجتمعي.

 

ومنذ انطلاق الفعاليات، بدا واضحًا أن الهاكاثون تجاوز فكرة المنافسة التقليدية، ليتحوّل إلى مساحة حقيقية لتلاقي الأفكار والطموحات والرؤى المستقبلية، إذ قدّم المشاركون مشاريع نوعية اتسمت بجرأة الطرح وحداثة المعالجة، مستندة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والحوكمة الذكية.

وأكد المشاركون أن الهاكاثون مثّل منصة ملهمة لإبراز الطاقات الشبابية، وترجمة المفاهيم الوقفية التقليدية إلى نماذج تقنية أكثر مرونة واستدامة، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الداعمة للابتكار وريادة الأعمال ورؤية عُمان 2040.

 

 

 

بيئة محفزة على الإبداع والعمل الجماعي

وأشاد المشاركون بالمستوى التنظيمي الذي ظهرت به المسابقة، من حيث الإعداد والتنسيق والمتابعة، مؤكدين أن التنظيم أسهم في خلق بيئة محفزة على الإبداع والعمل الجماعي، إلى جانب الدور الذي قامت به لجان التقييم والتحكيم بمتابعة المشاريع وتقديم الملاحظات الفنية والتوجيهات التطويرية التي ساعدت الفرق المشاركة على صقل أفكارها وتحويلها إلى مشاريع أكثر نضجًا وقابلية للتطبيق.

 

وأثنى المشاركون على المحاور التي تناولها الهاكاثون، التي ركزت على توظيف التطبيقات الذكية والتقنيات الحديثة في خدمة الوقف، مؤكدين أن مستوى المشاريع المقدمة تجاوز التوقعات من حيث جودة الأفكار وعمق المعالجة التقنية والبعد الاستدامي.

 

ثلاثة محاور.. ومستقبل واحد

وتوزعت مشاريع الهاكاثون على ثلاثة محاور رئيسة، تمثلت في "الوقف الرقمي – من الوثيقة إلى التطبيق"، الذي ركز على ابتكار منصات ذكية لإدارة الأوقاف وتوثيقها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين، ومحور "الوقف المعرفي – علم يُنتفع به"، المعني بتطوير مشاريع لِنشر المعرفة ودعم البحث العلمي وتمكين الكفاءات، إضافة إلى محور "الوقف الاستثماري – أصول تنمو بالخير"، الذي استهدف ابتكار حلول استثمارية مستدامة تحقق عوائد مالية تخدم التنمية والمجتمع.

 

"راسِخ"... إدارة ذكية للمساجد والأصول الوقفية

ومن بين المشاريع اللافتة، قدّمت الطالبة ريان الحسينية من جامعة التقنية والعلوم التطبيقية مشروع "راسِخ"، وهو منصة رقمية متكاملة تهدف إلى تطوير إدارة المساجد والأصول الوقفية، انطلاقًا من معالجة تحديات واقعية تتعلق بالصيانة وتشتت الوثائق وغياب الأنظمة التشغيلية الموحدة.

 

ويعتمد المشروع على منصة تربط الإدارة والفنيين ووكلاء المساجد، إلى جانب استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الأعطال وجدولة الصيانة، مدعومًا بخريطة رقمية للأصول الوقفية ونظام اقتصادي قائم على عقود الصيانة لتحقيق الاستدامة.

 

وأكدت الحسينية أن المشروع تطور من مجرد فكرة نظرية إلى أنموذج عملي قابل للتطبيق بعد مراحل التدريب والإرشاد التي صاحبت الهاكاثون، مشيرة إلى وجود اهتمام مبدئي بعقد شراكات مع جهات وقفية متخصصة.

 

 

"روافد"... استثمار وقفي بلغة الذكاء الاصطناعي

قدّم الطالب محمود الجامودي من جامعة التقنية والعلوم التطبيقية مشروع "روافد"، وهو منصة رقمية تهدف إلى تطوير الاستثمار الوقفي من طريق بيئة موحدة تجمع المستثمرين بالجهات المالكة للأصول الوقفية.

 

ويرتكز المشروع على استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الفرص الاستثمارية وإعداد دراسات جدوى فورية وتعزيز الشفافية في المعاملات الوقفية، مع إمكانية دمج تقنيات البلوك تشين مستقبلًا، إلى جانب أنموذج مالي قائم على الاشتراكات والخدمات الاستشارية والعمولات لضمان الاستدامة التشغيلية.

 

منصة وطنية لإدارة الأوقاف

وفي جانب آخر، قدمت الطالبة مُهرة الحضرمية من جامعة نزوى مشروعًا استراتيجيًا لإنشاء منصة وطنية موحدة لإدارة الأوقاف وربطها بالبنك الوقفي الاستثماري، بهدف بناء قاعدة بيانات وطنية للأوقاف، وتوفير خرائط تفاعلية للأصول الوقفية، وتحليل العوائد والمخاطر باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

ويرى المشروع أن الوقف يمكن أن يتحول إلى رافد اقتصادي وتنموي مؤثر إذا أُدير بمنهج احترافي قائم على البيانات والتحليل الرقمي.

 

"فَحوى الرقمي"... الوقف المعرفي بصيغة جديدة

وفي محور الوقف المعرفي، قدمت الطالبة سجى المزروعية من جامعة نزوى مشروع "فَحوى الرقمي"، وهو منصة معرفية وقفية تهدف إلى إحياء ثقافة القراءة عبر أدوات رقمية تفاعلية، تشمل مرشد قراءة ذكيًا مدعومًا بالذكاء الاصطناعي، وملخصات كتب تفاعلية، ومجتمعًا قرائيًا رقميًا، إضافة إلى نظام لتبادل الكتب الوقفية.

ويطمح المشروع إلى تحويل الوقف من مفهوم تقليدي محدود إلى مساحة معرفية رقمية تسهم في نشر الثقافة وبناء الوعي المجتمعي.

 

من الفكرة إلى المشروع

وأكد المشاركون أن أبرز التحديات تمثلت في تحويل الأفكار إلى نماذج تشغيلية قابلة للتطبيق، وربط الجانب التقني بالاستدامة المالية والحوكمة الوقفية، غير أن برامج التدريب والإرشاد المصاحبة للهاكاثون أسهمت في تطوير المشاريع وصقل نماذج العمل بصورة أكثر احترافية.

وأظهرت المشاريع أيضًا أن القطاع الوقفي في سلطنة عُمان يمتلك فرصًا واسعة للتحول الرقمي، خاصة في ظل تنامي الحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، بما يفتح آفاقًا جديدة لتطوير إدارة الأوقاف وتعزيز كفاءتها واستدامتها.

 

 

الوقف... بصيغة المستقبل

وفي ختام الهاكاثون، بدت المشاريع المشاركة وكأنها ترسم ملامح مرحلة جديدة للوقف في سلطنة عُمان؛ مرحلة تتجاوز المفهوم التقليدي إلى فضاءات رقمية أكثر اتساعًا وتأثيرًا، إذ لم يعد الوقف مجرد أصول ثابتة أو مبادرات خيرية محدودة، بل منظومة تنموية متكاملة قادرة على مواكبة التحول الرقمي وصناعة أثر اقتصادي واجتماعي ومعرفي مستدام.

وأكدت هذه المشاريع أن التقنية أصبحت عنصرًا محوريًا في تطوير العمل الوقفي، سواء عبر الذكاء الاصطناعي أم تحليل البيانات أم المنصات الذكية والحلول الاستثمارية الحديثة، بما يسهم في رفع كفاءة الإدارة الوقفية وتعزيز الشفافية وتحقيق الاستدامة المالية.

 

وحملت رسالة واضحة مفادها أن الشباب العُماني يمتلك القدرة على إعادة صياغة مستقبل الوقف بأساليب أكثر ابتكارًا ومرونة، تتماشى مع متطلبات التنمية الحديثة ورؤية عُمان 2040.

 

وقالت فاطمة بنت محمد الحراصية، مؤسسة فكرة هاكاثون الوقف بمحافظة الداخلية، إن النجاح الذي حققته النسخة الأولى من الهاكاثون يعكس حجم الوعي المتنامي لدى الشباب بأهمية القطاع الوقفي ودوره التنموي، مؤكدة أن تنوع المشاريع وجودتها أثبت قدرة الشباب العُماني على الإبداع متى ما توفرت البيئة الداعمة.

 

وأضافت أن الهاكاثون يهدف إلى تمكين طلبة الجامعات من ابتكار حلول رقمية وتقنية تعزز استدامة الأوقاف وتواكب التحول الرقمي، إلى جانب ترسيخ مفهوم الوقف لدى الأجيال الجديدة بأساليب عصرية تلامس احتياجات المجتمع وتطلعاته المستقبلية.

 

ويُتوقع أن تسهم هذه المبادرات في تعزيز كفاءة إدارة الأوقاف، ورفع العوائد الاستثمارية، ودعم التعليم والتنمية المجتمعية، لتؤكد في ختام الهاكاثون أن مستقبل الوقف في سلطنة عُمان يمكن أن يكون أكثر إشراقًا وتأثيرًا عندما يلتقي الفكر الشبابي بالطموح المؤسسي، وحين تتحول الأفكار المبتكرة إلى مشاريع عملية تصنع أثرًا مستدامًا للأجيال القادمة.

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة