بوصلة إلى أحدث الإصدارات
في خضمِّ سعي مكتبة جامعة نزوى إلى ترسيخ ثقافة القراءة الواعية ومتابعة الحراكين الفكري والمعرفي المعاصر، يأتي هذا الركن من مكتب النشر ليكون نافذة متجددة على ما استجدّ من إصداراتٍ علميةٍ وفكريةٍ رصينة وصلت حديثا إلى مكتبة جامعة نزوى. ومن طريق قراءةٍ شهريةٍ في ثلاثة كتب مختارة، نسعى إلى مدّ جسورٍ بين القارئ والمحتوى، وإلى إحياء روح التفاعل مع الكتاب بوصفه منبعًا للفكر ومجالًا للحوار والتأمل. إنها خطوةٌ نحو جعل القراءة ممارسةً حيةً تُسهم في تنمية الوعي وتغذية العقل وتنوير الدرب الأكاديمي والثقافي معًا.
قراءة في كتاب: "الشيخ محمد بن عبد الله السليماني: سيرة صالحة وإدارة ناجحة"
يتناول الكتاب سيرة الشيخ محمد بن عبد الله السليماني، إذ يعرض اسمه ونسبه ونشأته في حارة خراسين، إحدى الحارات العريقة التي عُرفت عبر التاريخ بالعلم والعلماء والأبطال. ويسلط الضوء على المكانتين العلمية والاجتماعية لهذه الحارة، وبيئتها الغنية بواحات النخيل، إذ وُلد الشيخ عام 1362هـ الموافق 1943م في أسرة اشتهرت بالعلم والدين والصلاح.
ويعرض الكتاب جانبًا من البيئة الأسرية التي نشأ فيها الشيخ، مبينًا فضل والديه ومكانتهما، ويشير إلى إخوته، ومنهم: حمد، ومحمد، وأحمد، وسالم.
ويتطرق المؤلف إلى قبيلة السليمانيين التي ينتمي إليها الشيخ، وهي قبيلة عربية عريقة ترجع أصولها إلى القبائل الأزدية القحطانية، ويتصل نسبها بسليمان بن عباد. وقد كان لهذه القبيلة حضور بارز في عُمان، ولا سيما في مدينة نزوى، إذ عُرفت بمكانتها العلمية والاجتماعية، وبرز منها عدد من العلماء والأدباء وأهل الفضل.
ويبرز الكتاب أيضًا اهتمام أبناء القبيلة بالعلم والتأليف وحفظ المخطوطات، إذ امتلكوا عددًا كبيرًا من الكتب والوثائق العلمية، وإن ضاع جزء كبير منها بمرور الزمن. ويشير كذلك إلى جهود عدد من الباحثين والعلماء في توثيق أعلام القبيلة وإنجازاتهم؛ مما أسهم في حفظ تاريخهم وإبراز أثرهم العلمي والثقافي.
ويتناول الكتاب أيضًا أثر المسجد في حياة الشيخ محمد بن عبد الله السليماني، فقد نشأ متعلقًا بالمساجد منذ صغره، فكانت بالنسبة إليه مركزًا للعبادة والعلم والتربية. تعلم فيها الصلاة وقراءة القرآن، وشارك في حلقات الدروس، ثم تولّى الإمامة في عدد من المساجد، وأسهم في بنائها وخدمتها؛ مما يعكس عمق ارتباطه برسالة المسجد ودوره في بناء الإنسان والمجتمع.
ويورد الكتاب كذلك جانبًا من نصائح الشيخ وتوجيهاته التربوية، إذ كان داعية إلى استثمار الوقت وعدم إضاعته في الكسل والخمول، والحث على القراءة والعمل والاجتهاد. وكان يؤكد دائمًا أهمية تقوى الله في شؤون الدين والدنيا، ويبين مكانة الصلاة بوصفها عماد الدين وأساس النجاح والفلاح، مشيرًا إلى أن المحافظة عليها سبب للتوفيق في الدنيا والآخرة.
ويختتم الكتاب بالتنبيه إلى أن الثبات على الطاعة والمحافظة على الصلاة نعمة عظيمة يوفق الله إليها من يشاء، داعيًا إلى الاستعانة بالصبر والصلاة، وسؤال الله العفو والثبات والتوفيق.
قراءة في كتاب: "التحديات الأمنية والاجتماعية لوسائل التواصل الاجتماعي في سلطنة عُمان وأساليب مواجهتها"
المؤلف: ناصر بن محمد العوفي
سنة النشر: 2025م
في ظل التسارع الكبير الذي يشهده العالم في مجال التكنولوجيا والاتصال الرقمي، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية؛ لما لها من تأثير مباشر في الأفكار والسلوكيات والعلاقات الاجتماعية. ومن هذا المنطلق يأتي هذا الكتاب ليسلط الضوء على أبرز التحديات الأمنية والاجتماعية المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في سلطنة عُمان، مع طرح أساليب عملية لمواجهتها وتعزيز الاستخدام الواعي والآمن لها.
يبدأ الكتاب بتعريف وسائل التواصل الاجتماعي، متناولًا نشأتها وتطورها وأهميتها في العصر الحديث، ثم ينتقل إلى بيان مدى انتشارها في المجتمع العُماني وتأثيرها في مختلف فئاته. ويناقش المؤلف أبرز التحديات الاجتماعية الناتجة عن الاستخدام المفرط أو غير الواعي لهذه الوسائل، مثل: ضعف العلاقات الأسرية، والتأثير في القيم والسلوكيات الاجتماعية، إلى جانب التحديات الأمنية كالجريمة الإلكترونية، وانتهاك الخصوصية، والابتزاز الرقمي.
ويبرز الكتاب دور المؤسسات المختلفة، كالحكومة والأسرة والمؤسسات التعليمية، في الحد من هذه التحديات، مؤكدًا أهمية التوعية والتربية الرقمية في بناء مجتمع أكثر وعيًا ومسؤولية. ويختتم بعرض مجموعة من الحلول والأساليب العملية التي تسهم في تعزيز الاستخدام الإيجابي لوسائل التواصل الاجتماعي، والاستفادة منها في مجالات المعرفة والتواصل والتنمية.
ويؤكد المؤلف أن وسائل التواصل الاجتماعي تمثل سلاحًا ذا حدين؛ إذ يمكن أن تكون وسيلة للبناء والتطوير إذا أُحسن استخدامها، في حين، قد تتحول إلى مصدر للمخاطر إذا غاب الوعي والمسؤولية؛ لذلك يشدد على أهمية التعاون بين الأفراد والمؤسسات للحد من آثارها السلبية وتعظيم فوائدها للمجتمع.
ومن وجهة نظري، يُعد هذا الكتاب من الكتب المهمة التي تلامس واقعنا المعاصر بصورة مباشرة، إذ نجح في تناول قضية تمس حياة الأفراد اليومية بأسلوب واضح ومتوازن. وأكثر ما يلفت الانتباه فيه أنه لم يقتصر على عرض المشكلات والتحديات، بل قدم حلولًا عملية وتوجيهات واقعية تعزز ثقافة الوعي الرقمي والمسؤولية المجتمعية.
ويترك الكتاب أثرًا فكريًا لدى القارئ، يدفعه إلى مراجعة سلوكياته الرقمية وإعادة النظر في طريقة تعامله مع وسائل التواصل الاجتماعي؛ مما يجعله كتابًا نافعًا لكل من يسعى إلى فهم هذا العالم المتغير والتعامل معه بوعي ونضج.
قراءة في كتاب: "معاوية الثاني"
الكاتب: هاني إسماعيل أبو رطيبة
دار النشر: دار أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع
حين ينكسر القيد فوق العرش
من النظرة الأولى إلى غلاف الكتاب، يلفت اللون الأحمر القاني الانتباه، إذ يطغى على المشهد بوصفه رمزًا للصراع الأموي الزبيري المحتدم آنذاك، وإشارة إلى نزيف الروح التي لم تكن تتوق إلى الملك والسلطة. ويتوسط الغلاف اسم «معاوية الثاني»، ذلك الخليفة الشاب الذي لم يدم حكمه سوى أربعين يومًا – أو يزيد قليلًا – قبل أن يختار بإرادته الانسحاب من مسرح السياسة، قبل رحيله عن الحياة.
في هذا العمل، لا يقدم الكاتب سردًا تاريخيًا جافًا، بل يبني جسرًا بين التاريخ والفلسفة، إذ تتناول الرواية الصراع الداخلي للإنسان عندما يجد نفسه بين مطرقة الإرث العائلي وسندان القناعات الشخصية.
بطل من طراز مختلف
يظهر معاوية بن يزيد، المعروف بـ«معاوية الثاني»، بوصفه شخصية تراجيدية بامتياز؛ شابًا زاهدًا ورث دولة مترامية الأطراف في ذروة اضطرابها السياسي؛ لكنه لم يختر السيف وسيلة لإثبات ملكه، بل اختار الصمت والتأمل. ويطرح الكتاب تساؤلًا عميقًا: هل الزهد في السلطة ضعف، أم أنه ذروة القوة والتحرر؟
البيئة والمناخ النفسي
ينجح الكاتب في نقل القارئ إلى أروقة دمشق الأموية، حيث الهمسات خلف الستائر، والمؤامرات التي تُحاك في الظلام. ونرى معاوية الثاني غريبًا في قصره، مثقلًا بمشهد الدماء التي سُفكت من أجل العرش، فيقرر أن يكون النقطة التي يتوقف عندها ذلك السطر الدامي.
ومضات من الكتاب
عن الحق والباطل:
يطرح الكتاب رؤية فكرية حول شرعية الحكم، ويدفع القارئ إلى التساؤل: هل يستطيع الضمير الحي أن ينجو في بيئة سياسية مضطربة؟
عن العزلة:
يصوّر الكاتب اعتزال معاوية الثاني لا بوصفه هروبًا، بل موقفًا احتجاجيًا صارمًا ضد واقع لم يقتنع به.
عن اللغة والأسلوب:
اتسمت لغة الرواية بالرصانة والشاعرية في آنٍ واحد، مما جعل الأحداث التاريخية تبدو حيّة وقريبة من وجدان القارئ الباحث عن الحقيقة.
وفي المجمل، تمثل رواية «معاوية الثاني» دعوة لإعادة قراءة التاريخ بعيون إنسانية، لا بعيون سياسية فحسب؛ فهي قصة رجل قال «لا» في زمن كان الجميع يتسابقون فيه إلى قول «نعم» للسلطة.
"قد يكون الملك قيدًا، وقد يكون الاعتزال هو الحرية الوحيدة المتبقية"