مرض (الوباء الصامت)
د. محمد بن سعيد الرواحي
أنا أكتب من واقع تخصصي في علم النفس التربوي وأناقش الموضوع على وفق الناحية النفسية وليس من الناحية العاطفية، وأرجو أن نتفهم أبعاد كل سلوك مجتمعي، والهدف من المقال خلق الوعي ونشره فقط.
إن الظاهرة التي نصفها هي واحدة من أكثر الظواهر الاجتماعية إضعافا للنسيج المجتمعي، ويمكن تسميتها بأسماء عدة، مثل: "التشاؤم الجماعي" أو "ثقافة التذمر" أو "وباء السلبية".
إنها الحلقة المفرغة حيث يركز المجتمع، أو أجزاء كبيرة منه، على الجوانب السلبية وينشرها على نطاق واسع تحت شعار "التوعية" أو "محاولة العلاج"؛ لكن النتيجة غالبا ما تكون كارثية.
دعنا نتعمق في هذه الظاهرة من جميع جوانبها:
ما هذه الظاهرة؟ هي سلوك جماعي يتمحور حول:
أولا: التركيز الانتقائي: اختيار الجوانب السلبية فقط من أي حدث أو شخص أو مؤسسة وتضخيمها، مع تجاهل تام لأي جوانب إيجابية أو محاولات للتطوير.
ثانيا: النشر العشوائي: مشاركة هذه السلبيات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات التراسل دون تحقق أو مسؤولية، بل وأحيانا مع إضافة لمسة درامية لزيادة التأثير.
ثالثا: قناعة خاطئة بالعلاج: الاعتقاد بأن "كشف العورة" و"الصراخ" على العلن هو شكل من أشكال العلاج أو التصحيح، بينما هو في الحقيقة مجرد تفريغ للغضب وخلق للمزيد من المشاكل.
لماذا يحدث هذا؟
الأسباب الجذرية:
1. انحياز الدماغ البشري للسلبية (Negativity Bias): الإنسان مجبول بيولوجيا على الانتباه للتهديدات والمعلومات السلبية أكثر من الإيجابية كونها آلية للبقاء، ووسائل التواصل الاجتماعي تضخم هذا الانحياز.
2. البحث عن التعاطف والانتماء: يشعر الفرد بالانتماء عندما يجد آخرين يتشاركون معه نفس الشكوى والتذمر. يصبح "التذمر" لغة مشتركة ووسيلة للتواصل الاجتماعي.
3. الإحباط المتراكم والعجز: عندما يشعر الناس بالعجز عن إحداث تغيير حقيقي على أرض الواقع، يتحولون إلى "الصراخ" الرقمي بصفته بديلا وحيدا يعطيهم شعورا زائفا بالفعل والتأثير.
4. التنافس على "الأكثر معاناة": في بعض الأحيان، تتحول السلبية إلى وسيلة للتنافس على من يعاني أكثر أو من يكتشف الخطأ الأكبر؛ مما يمنح شعورا زائفا بالأهمية الأخلاقية.
5. دور الإعلام والمنصات الإلكترونية: الخوارزميات تفضل المحتوى الذي يثير المشاعر القوية، مثل الغضب والسخط؛ لأنه يحقق تفاعلاً أعلى.
لماذا هذا "علاج غلط"؟
الآثار المدمرة هنا يتجلى جوهر المشكلة: الاعتقاد بأن نشر السلبية هو علاج، بينما هو في الحقيقة سمّ بطيء.
1. إضعاف الثقة المجتمعية: يؤدي التركيز المستمر على السلبيات إلى تآكل الثقة بين أفراد المجتمع، وبين المجتمع ومؤسساته؛ مما يخلق بيئة من الشك والريبة الدائمة.
2. شلّ حركة الإبداع والمبادرة: مَن سيبادر أو يبدع إذا كان مصيره النقد اللاذع والتركيز على هفوة واحدة طفيفة بدلا من الاحتفاء بالإنجاز الكبير؟ هذه الظاهرة تقتل روح المخاطرة والإبداع.
3. تغذية اليأس والاكتئاب الجماعي: التعرض المستمر لفيض من السلبيات يؤدي إلى مشاكل نفسية جماعية، مثل: القلق والاكتئاب والشعور باليأس، ويقتل الدافع للحياة والإنتاج.
4. إضاعة الجهد والطاقة: يتم استنزاف طاقات هائلة في التذمر والنقد العقيم، بدلا من توجيهها نحو حلول عملية وإيجابية على أرض الواقع.
5. خلق واقع بديل مظلم: يبدأ الناس في تصديق أن كل شيء فاسد وكل الناس سيئون، وهو أمر غير صحيح؛ ولكن التركيز الدائم على السلبيات يخلق هذه الصورة المشوهة.
6. تمييع الخطأ الحقيقي: عندما يصبح كل شيء "كارثة" وكل خطأ "جريمة"، نفقد القدرة على التمييز بين المشاكل الجسيمة الحقيقية والأخطاء العابرة التي يمكن علاجها.
كيف نكسر هذه الحلقة المفرغة؟ نحو علاج حقيقي
العلاج لا يكون بمزيد من السلبية، بل بخطوات عملية واعية:
1. الوعي الفردي أولاً: ابدأ بنفسك. اسأل نفسك قبل مشاركة أي خبر سلبي: ما هدفي من هذه المشاركة؟ هل سأضيف حلا أو مجرد شكوى؟ هل تحققت من صحة المعلومة؟
2. موازنة الطرح (النقد البناء): عند مناقشة مشكلة، قدمها بطريقة موضوعية واقترح حلولاً ممكنة. بدلا من "الخدمات الصحية كارثية"، قل "هناك نقص في الأطقم الطبية في المستشفى X".
3. تسليط الضوء على الإيجابيات: ابحث عن النماذج الإيجابية وانشرها. الطبيب المتفاني، المعلم المبدع، الشاب المتطوع. هذا ليس "تجميلاً للصورة"؛ بل إنصاف للحقيقة وإعادة توازن.
4. منصات للحلول بدلا من الشكاوى: بدلا من مجموعات "شكاوى من..."، أنشئ مجموعات "حلول لمشكلة..." شجع النقاش الذي يركز على "كيف" وليس على "لماذا نحن سيئون".
5. تطوير الذات بدلاً من لوم الآخرين: وجه طاقتك نحو تطوير مهاراتك ومعرفتك. المجتمع القوي مبني على أفراد أقوياء ومستقرين نفسياً وفكرياً.
6. التحقق من المعلومات: لا تنقل أي خبر حتى تتأكد من مصدره الموثوق. فكسر دائرة الشائعات يبدأ منك.
7. مقاطعة المحتوى السام: توقف عن متابعة الحسابات والصفحات التي لا تقدم سوى السموم والسلبية. اختر ما يغذي عقلك وروحك.
المجتمع الذي يغرق في السلبية تحت شعار "العلاج" يشبه مريضًا يكسر ساقه السليمة لأنه يشعر بألم في ساقه الأخرى! النقد ضروري للنمو؛ لكنه يجب أن يكون نقدًا بناءً وهادفا وموضوعا، يملك روح المسؤولية وليس روح التخريب. فالعلاج الحقيقي يبدأ عندما نتحول من "ناقدين سلبيين" إلى "أطراف فاعلة" في صنع الحلول، وعندما نكون عادلين في طرحنا، فلا نطمس الإيجابي ولا نتجاهل السلبي، بل نتعامل مع الواقع بكل تعقيداته بهدف واحد: التقدم إلى الأمام.