السنة 26 العدد 198
2026/04/01

نحو هوية إنسانية متوازنة

 

الدكتور/ محمد بن سعيد الرواحي
أستاذ علم النفس التربوي

 

ابن خلدون – بوصفه فيلسوف التاريخ وعالم الاجتماع الرائد – صاحب المقولة المشهورة التي قالها قبل قرون عدة: "المرء ابن بيئته"، كان يوجز حقيقة إنسانية عميقة؛ فشخصياتنا لا تتشكل من فراغ، بل إن جزءًا كبيرًا منها يتكوّن عبر حواضن بشرية تمنحنا اللغة، والعادات، والوعي، والتصورات، بل وحتى المخاوف.

واليوم، في ظل التغيرات المتسارعة التي عصفت بالعالم، ونحن نعيش زمنًا موازياً بين العالم الواقعي (البيئة الواقعية) والعالم الرقمي (البيئة الافتراضية)، تبرز أسئلة مصيرية: أيُّ البيئتين تُشكّل وعي أبناء هذا الجيل؟ وكيف يتكوّن البناء النفسي للإنسان المعاصر؟ وأيُّ نمط من التربية نحتاجه في هذا العصر مزدوج البيئة؟

في زمن ابن خلدون، كانت البيئة التقليدية – أي المكان الجغرافي الذي يولد فيه الإنسان ويتفاعل ضمنه – محدودة جغرافيًا؛ لكنها غنية اجتماعيًا؛ إذ كان الفرد ابن قبيلته، وقريته، وسوقه، ومسجده. وكانت الهوية نسيجًا حيًا من الوجوه المباشرة، مثل: وجه الجد، وصوت المؤذن، ومن المساحات المشتركة كالبحر والمزرعة والدكان، ومن تراكم بطيء لقيمٍ تتسرّب عبر الأجيال مثلما يتسرّب الماء في التربة.

وقد كانت التربية آنذاك عملية طبيعية متوازنة، يكتسب فيها الطفل مهارات الحياة بمشاركته الفعلية في بيئته.

إلى أن حدث تحوّل كبير… فمع ولادة البيئة الافتراضية، دخلت البشرية مرحلة وجودية جديدة؛ إذ مع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل، لم نعد أبناء المكان فحسب، بل أصبحنا أبناء خوارزميات تُقدّم لنا عوالمنا المصغّرة، ومجتمعات افتراضية تُشكّل قناعاتنا، وشاشات ترسم واقعًا يفتح نوافذ وعينا على العالم.

وأضحى الطفل اليوم يعرف عن ديناصورات العصور المنقرضة أكثر مما يعرف عن نباتات حديقة منزله، وقد تكون علاقته بصديق في قارة أخرى أعمق من علاقته بجاره.

وبحكم انتمائنا إلى هاتين البيئتين، تشكّلت حالة نفسية فريدة تتجلى في:

  1. الهوية المنقسمة:

هوية واقعية: خجولة، محافظة.

هوية افتراضية: جريئة، منطلقة.

  1. الانتماء المتعدد:

انتماء جغرافي ضعيف.

انتماءات افتراضية قوية (مثل مجموعات الألعاب ومجتمعات المعجبين).

  1. اختلاف الإحساس بالزمن:

زمن الواقع: تدريجي، تراكمي.

زمن الافتراضي: لحظي، سريع، مكثّف.

لقد بات الفرد يُنشئ نسخة رقمية من ذاته قبل أن تكتمل ملامحها في واقعها المادي.

وهنا يتجلى التحدي الأكبر أمام المربين (آباء، ومعلمين، وقادة مجتمع)، إذ أصبحت التربية على مفترق ثلاثة مسارات:
فإما مقاومة التغيير والتمسّك ببيئة الماضي فقط؛ مما يُحدث فجوة بين المربي والمتربي؛ وإما الاستسلام الكامل للبيئة الافتراضية؛ مما يُنتج إنسانًا منفعلاً مشتتًا؛ أو – وهو الخيار الذي ندعو إليه – تبنّي تربية تكاملية تتعامل مع البيئتين بوصفهما واقعًا واحدًا متداخلًا.

إن كل جيل يواجه بيئته الخاصة، ومهمتنا ليست حماية الأبناء من بيئتهم، بل تمكينهم من أن يكونوا أبناءً ناقدين لها؛ قادرين على التمييز بين ما يغذي عقولهم وما يفسدها، وبناء مساحتهم الخاصة في هذا العالم المزدوج بحكمة وتوازن.

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة