ديوان البُرعي في ذاكرة والدي: حكاية شغفٍ وتأمل لغوي
خليل بن محمد بن راشد الحوقاني
يبدو أننا منذ الصغر لم نكن نعرف شاعرا أو ديوان شعر كمعرفتنا بالبرعي وديوانه، إذ كنت دائم السماع من والدي العزيز عن هذا الشاعر وديوانه، فطالما ذكره وذكر شيئا من شعره الذي يحب الترنم به، خاصة قصيدته الشهيرة:
يا راحلين إلى منى بقيادِ .. هيجتموا يوم الرحيل فؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتي .. الشوق أقلقني وصوت الحادي
وحرمتموا جفني المنام ببعدكم .. يا ساكنين المنحنى والوادي
إذ كان هذا الديوان أنيس والدي العزيز وسميره في مملكة البحرين، عندما عمل مع بقية العُمانيين في فترة الأربعينيات والخمسينيات وما بعدهما من القرن الماضي، إلا أنه فقد الديوان منذ سنين طويلة ولم تبق في ذاكرته إلا أبيات متفرقة تجود بها ذاكرته وقت الحاجة كما حدث معي قبل كتابة هذه المقالة.
وكلما جاء معرض الكتاب الدولي بمسقط يوصيني والدي العزيز بالبحث عن هذا الديوان، إلا أنني في كل مرة أرجع بخُفي حُنين دون جدوى، فلا أجد أحدًا من أصحاب دور النشر يوجد عنده أو أعاد طباعته؛ لأن الديوان قديم ولا ذكر له.
ومررت مرةً بمكتبة أبي الفضل السيفي بسوق نزوى، وهي من أقدم المكتبات العُمانية، لعل وعسى أن يوجد هنا، لكن الحال مثل سابقه، وتحادثت مع الأخ العزيز الفضل بن عبد الله بن عباس السيفي، القائم على المكتبة حينها عن هذا الديوان، ورغبة والدي العزيز في الحصول عليه، فقال لي: أبشر سنطلبه من الهند، وفرصة أن هناك الآن أخي عباس.
فأحضر عباس بن عبد الله بن عباس السيفي الديوان من الهند مشكورا مأجورا، فاستلمته في يوم الجمعة الغراء بتاريخ 4 ربيع الأول من عام 1441 هج، الموافق 1 نوفمبر 2019م، وسارعتُ لتقديمه هديَّةً مباركةً لوالدي العزيز فسُرَّ به وفرِح فرحًا شديدًا. وأصبح هذا الديوان ضمن مجموعة الكتب الدائمة المرافقة لمجلس والدي العزيز، لا يمل منه ولا يكل، ومضى على هذا الحال قرابة سبع سنوات منذ أن اشتريته إلى الآن، يقرأه ويعود إليه عشرات المرات. يجد فيه أُنسه وراحته؛ لأنَّه ديوان يشتمل على الابتهالات والتضرعات الإلهية والاستعطافات والمدائح النبويَّة.
ورغم روعة الديوان الذي بين يدي؛ لكنَّه يخلو من مقدمة تجلو ما بداخله من نفائس، فضلاً عن ذلك لا يوجد تعريف ولو موجز بالشاعر؛ يكشف اللثام عن هذه الشاعريَّة الفذَّة في تعلُّقها بالله وبالنبي صلى الله عليه وسلم. وحاولت جاهدًا تتبع سيرته وعصره الذي عاش فيه، فوجدت شذرات متفرقة كتبها بعضُ المؤلفين كصاحب الأعلام للزركلي إذ قال في ترجمته: "عبد الرحيم بن أحمد بن علي البُرعي اليماني: شاعر متصوف، من سكان (النيابتين) في اليمن. أفتى ودرّس. له (ديوان شعر - ط) أكثره في المدائح النبويّة. وذكر أن تاريخ وفاته (803هـ/1400م)".
أما عنوانات قصائد ديوانه ومطالعها فمقدِّماتٌ ممهِدة للولوج إلى قراءة الديوان والاستمتاع بروائعه، ومن ذلك ما جاء في مطلع قصيدته في الحمد:
لك الحمدُ حمدًا نستلذُّ به ذكرا .. وإن كنتُ لا أحصي له ثناءً ولا شُكرا
لك الحمدُ حمدًا طيِّبًا يملأ السما .. وأقطارها والأرض والبَرَّ والبحرا
لك الحمدُ حمدًا سرمديًّا مباركًا .. يقل مداد البحر عن كتبه حَصرا
وقوله في مطلع قصيدته في اللطف:
عسى من خَفي اللطف سبحانه لطفْ .. بعطفة برٍّ فالكريم له عطف
عسى من لطيف الصنع نظرةَ رحمةٍ .. إليَّ من جفاه الأهل والصحف والإلف
وقال في مناجاة الله تعالى:
قفْ بالخضوعِ ونادِ ربكَ يا هوْ .. إنَّ الكريم يجيب من ناداهُ
واطلبْ بطاعتِهِ رضاه فلم يزلْ .. بالجود يرضى طالبيْن رضاهُ
ولم يقفْ به الحال عند شاطئ الابتهالات الإلهية فحسب، بل ولج إلى المعارضات الشعريَّة، ومن ذلك قصيدته التي عارض فيها قصيدة البُوصيري الشهيرة، وإن خالفه في القافية، إلا أنه وافقه في المضمون، فقال فيها:
أمن تذكر أهل البان والبان .. أم من تبدل جيران بجيران
جعلتَ دمعك وقفًا في محاجره .. يفيض في الخدِّ هتَّانًا بهتَّانِ
حالٌ كحالك اشتاق النسيم فلو .. هبَّ النسيم لحيَّاني وأحياني
إني إذا غرّد القُمريُّ في سَحَرٍ .. بذي الأراكة أسهاني وألهاني
وإنْ توقفتَ عند بقية الديوان ستجد أن البُرعي صَّبٌّ هَامَ في حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد أحصيتُ ما يزيد على 35 قصيدة قالها في النبي صلى الله عليه وسلم، إما مادحًا له أو متوَّلِهًا به أو ذاكرًا لخصائصه وفضائله أو متحدِّثًا عن معراجه إلى السماوات العُلا أو منوِّهًا بمعجزاته صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك. ومن روائع تلك القصائد قوله:
ضحكتْ بروقُ الأبرقين تبسُّما .. وسمتْ نجومُ الحق في كبد السَّما
وسقى الغمامُ رُبَا الحجاز مسحِّرًا .. ومصبِّحًا ومفجِّرًا ومعتِّما
وبكى الحَمامُ على الرُبا مترنِّمًا .. فأجبتُ ذاك الساجعَ المترنِّما
يا ساجعات الوَرْقِ في عذب الحِمى .. ما كل ذي شَجَنٍ يحن إلى الحِمى
أعليَّ لومٌ إنْ جرى دمعي دما .. أو ذبتُ من ولهي إلى البِيض الدما
صدَّ الحبيبُ عن الزيارة بعدما .. قد كنت أرجو أن يرقَّ ويرحما
وجاء فيها أيضا قوله لما وصل ذكر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكأنه تلقاه بالأحضان والتقبيل:
قمرٌ تعلَّقت النفوسُ بحبِّه .. فكأنَّه في كل قلب خيَّما
فمتى أجوز إلى البقيع وطيبةٍ .. وأحوز ملء العين من نوريهما
وأقوم في حرم النبوة منشدًا .. مدحًا كأزهار الربيع منظما
للعاقب الماحي الذي ملأ الورى .. كرمًا ومرحمةً وعمَّ وأنعما
وابن العواتك خير من وطئ الثرى .. وأجلَّ من ركب المطي وأكرما
فالوجد أوجدني إليك صبابةً .. وحشا الحشا شوقًا يشق الأعظما
يسري حجازيُّ النسيم بنشره .. فأبيت ملتهب الحشاشة مُغرما
أصل الصلاة إلى الصلاة على الذي .. صلى عليه ذو الجلال وسلَّما
من لي بأن أصل المدينة زائرًا .. وأقبّلُ التُّرب الكريم وألثما
وإن تتبعتُ تلك الاستعطافات والمدائح النبوية في ديوانه وما اشتملت عليه من روائع فلن أقف عند حدٍّ، لكن حسبنا من القلادة من أحاط بالعنق، ومن السوار ما أحاط بالمعصم.
وأختم هذه المقالة بما دعاني لكتابتها؛ إذ زرتُ والدي العزيز يوم الجمعة بتاريخ 22 شوال 1447هـ، الموافق 10 إبريل 2026م قبل صلاة الجمعة، فسألني كعادته عن العلوم والأخبار ثم نشدني عن أخبار جيراني وأهل المسجد، وخصَّ من بينهم صاحبه الشيخ سعود بن سالم بن شيخان العزري، فقال لي: وكيف حال الأعمى؟
قلتُ له: بخير ولله الحمد ويخصُّك بالسلام.
قال لي والدي: أعمى أم أعور – وهو يضحك –
فقلت على الفور: أعمى.
قال كيف ذلك والبُرعي يقول:
"فَوَلَّوُا وهم عُمْيَّ العُيونِ وَعُوْرُ"
فشدَّني هذا الشطر كثيرًا، خاصَّة كلمة "عُوْرُ" فتناولت ديوان البُرعي بالقُرب من والدي العزيز، وطفقتُ أبحث عن هذا الشطر وهو يتابعني، هل وجدته؟ فوقعتُ عليه بعد عناء، وهو من قصيدة (في الشوق إليه صلى الله عليه وسلم) جاء في مطلعها:
فؤادي بربع الظاعنين أسير .. يقيم على آثارهم ويسير
ودمعي غزير السكب في عرصاتهم .. فكيف أكفُّ الدمع وهو غزير
وإنَّ تباريحي بهم وصبابتي .. لهن رواحٌ في الحشا وبكورُ
إلى أن وصلت بيت القصيد، وهو الشاهد الذي ساقه والدي العزيز، فقال:
ويوم حُنينٍ إذ رمى القوم بالحصى .. "فَوَلَّوُا وهم عُمْيَّ العُيونِ وَعُوْرُ"
ولم يهدأ لي بالٌ حتى رجعت إلى بيتي، ففتحتُ القاموس المحيط للفيروز آبادي؛ لأبحث عن جمع أعور، هل هي عُوْرُ كما في شطر البُرعي شاهد والدي السابق؟ إذ لم أقف عليها من قبل، وهي غير منتشرة أو مستعملة كثيرًا، كمثل: أصم تجمع على صُمٌّ، وأبكم تجمع على بُكْمٌ، وأعمى تجمع على عُمْيٌ، وهي مستعملة، خاصَّة أن القرآن أوردها في مواضع عدة: "صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ".
وإتماما للفائدة فقد ذكر صاحب القاموس ما نصه: "}عور {العَوَرُ: ذهاب حسِّ إحدى العينين، عَوِرَ كَفَرِحَ، وعارَ يُعار، واعْوَّر واعْوارَّ، فهو أَعْوَرُ، ج: عُــــــــوْرٌ وعِيران وعُوران ..." (القاموس المحيط/ مادة عور/ صـ887).
كلمة واحدة جرتني لكتابة هذه المقالة، بل فتحت أمام ناظري آفاق هذه اللغة العربية العظيمة التي لا تزال تجود علينا كل يوم بجديد. وفي ديوان البُرعي كمثال أو دواوين الشعر الأخرى تختبئ مكنونات اللغة؛ لكنها بحاجة إلى من ينتشلها من مكامنها عبر سؤال أو استشكال أو شاهد عابر مثل ما حدث مع والدي – حفظه الله -.
وأهم فائدة أخرج بها وأبثها إلى القراء العزاز مما سبق أن العلم ليس محصورًا في بطون الكتب ورفوف المكتبات فحسب، إنما يوجد في صدور الرجال كذلك ما لا نجده في الكتب والمكتبات؛ وذلك بمجالستهم الدائمة التي تختلط فيها المعرفة بالمحبة، والتجربة بالحنين، والأخلاق بالحكمة. فكان والدي – حفظه الله – دليلي إلى هذا الديوان، كما كان البُرعي نفسه دليلي إلى جمال اللغة وروعتها.
يوم الإثنين 25 شوال 1447ه
الموافق 13 إبريل 2026م.
جامعة نزوى – بركة الموز