السنة 26 العدد 198
2026/04/01

حين تتجدد المكتبة... وتتغير علاقة الشباب بالمعرفة

كيف تستعيد المكتبات العربية شبابها وتكسب رهانا الجيل الجديد؟

 

 

تقرير استطلاعي: بيان الصبحية وماجدة الخاطرية

 

من الورق إلى الشاشة: تحولات تصنع مكتبة المستقبل

حين تصنع المكتبة فارقا: تجارب شخصية تلهم الشغف بالمعرفة

بيئة جاذبة لا مجرد مكان: كيف تكسب المكتبات رهانا الشباب

من القراءة إلى الابتكار: المكتبة فضاء يولد الأفكار

 

في العاشر من مارس من كل عام، تتجدد الحكاية مع يوم المكتبة العربي؛ مناسبة ثقافية أطلقتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)؛ لتعيد تسليط الضوء على المكتبات بوصفها قلب المعرفة النابض، وجسرا يعبر به القارئ نحو آفاق أوسع من الوعي والفكر.

هذا اليوم لا يمر بوصفه ذكرى عابرة، بل يحمل رسالة واضحة: أن المكتبات كانت ولا تزال ركنا أصيلا في بناء الإنسان العربي، وحاضنة للكتاب، وحافظة لذاكرة الأمة وتراثها. ويأتي أيضًا ليؤكد ضرورة تطويرها ومواكبتها للتحولات الرقمية؛ لتظل قادرة على أداء دورها في عصر سريع التغير.

ويشكل يوم المكتبة العربي فرصة لتعزيز حضور القراءة في المجتمع، وتشجيع البحث العلمي، وإعادة الاعتبار لقيمة الكتاب، خاصة في زمن تتعدد فيه مصادر المعرفة. وتتنوع فيه الفعاليات بين ندوات فكرية، وورش تدريبية، وأنشطة ثقافية، وزيارات ميدانية للمكتبات، مع اهتمام خاص بالمكتبات المدرسية والعامة.

 

تحولات المكتبة

إنه يوم للتذكير بأن المكتبات ليست مجرد أماكن للكتب، بل فضاءات لصناعة المستقبل، ومنصات للتعلم المستدام، وركائز لبناء أجيال واعية ومبدعة.

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد السؤال عن دور المكتبات العربية سؤالا تقليديا، بل أصبح مرتبطا بقدرتها على التطور ومواكبة تطلعات الجيل الجديد. وفي هذا السياق، ترى بيان الصبارية أن جذب الشباب يبدأ من إعادة تشكيل خدمات المكتبة لتتلاءم مع العصر الرقمي؛ بإتاحة الكتب وقواعد البيانات الإلكترونية بسهولة، بحيث تصبح المعرفة في متناول الجميع دون قيود زمانية أو مكانية. وتؤكد أن تصميم بيئات تعليمية حديثة داخل المكتبات، إلى جانب تنظيم ورش العمل والفعاليات الثقافية، يسهم في تحويلها إلى فضاءات تفاعلية نابضة بالحياة. ومع الحضور المتزايد للتقنية، يبرز دور وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية كونها أدوات فعالة للتواصل مع الشباب وتعريفهم بخدمات المكتبة بأسلوب معاصر.

 

ذاكرة القراءة

ولا تقف أهمية المكتبة عند حدود خدماتها، بل تمتد إلى ما تتركه من أثر عميق في تجارب روادها. ففي استحضارها لإحدى أجمل ذكرياتها، تروي الهنوف الفارسية كيف تحول بحثها عن مراجع دراسية إلى تجربة ثرية قادتها لاكتشاف مصادر جديدة وسعت مداركها، وأسهمت في تحسين أدائها الأكاديمي، لتدرك بعدها القيمة الحقيقية للمكتبة مصدرا أساسا للمعرفة. وعلى نحو مشابه، تستذكر آية السيابية تجربة جعلتها تنغمس في القراءة لساعات أطول، إذ لم تقتصر الفائدة على إنجاز مهمة دراسية، بل امتدت لتنمية مهاراتها البحثية وتعزيز شغفها بالتعلم الذاتي؛ لتغدو المكتبة بالنسبة لها فضاء مفتوحا لاكتشاف المعرفة.

 

جذب الشباب

وعند البحث في سبل زيادة إقبال الشباب على المكتبات، تتقاطع الآراء عن أهمية تقديم تجربة متكاملة تتجاوز القراءة التقليدية. عل سبيل المثال، تشير رقية الفارسية إلى أن تنظيم ورش العمل والأنشطة التفاعلية، خاصة تلك التي تتضمن جوانب تطبيقية، يسهم في خلق بيئة تعليمية جاذبة تشجع الطلبة على المشاركة والانخراط. وتؤكد كذلك أن العناية بالبيئة الداخلية للمكتبة، من حيث الراحة والتصميم العصري، تلعب دورا محوريا في جذب الشباب وإطالة مدة بقائهم داخلها. وأضافت أنَّ من بين المقترحات التي تعزز هذا التوجه، تنظيم مسابقات قراءة وتحديات ثقافية، وإنشاء نواد للكتاب، وتوفير مساحات للكتب الرقمية، إلى جانب إقامة فعاليات ثقافية وفنية تستضيف كتابا ومبدعين.

 

 

فضاء الإبداع

وفي سياق أوسع، يبرز تساؤل آخر عن إمكانية أن تتحول المكتبات إلى فضاءات للإبداع والابتكار، وليس مجرد أماكن للقراءة. وهنا تؤكد رقية الفارسية أن هذا التحول ممكن، بل ضروري، من طريق توفير مساحات مخصصة بتصاميم محفزة تشجع الشباب على التفكير والعمل على أفكارهم. وتضيف أن احتضان ورش إبداعية ومسابقات ثقافية، وتنظيم لقاءات مع المبدعين، يفتح المجال أمام تبادل الخبرات وتنمية المهارات، إلى جانب توفير بيئات للعمل الجماعي مدعومة بالتقنيات الحديثة؛ مما يجعل المكتبة حاضنة حقيقية للإبداع.

 

مكتبة المستقبل

أما على مستوى المكتبات الجامعية، فتتجه الرؤى نحو تحقيق توازن بين التطوير الرقمي والتفاعل الإنساني؛ إذ ترى أزهار العامرية أن تطوير الخدمات الإلكترونية يمثل أولوية، لما يوفره من سهولة وسرعة في الوصول إلى المصادر العلمية الموثوقة، خاصة في ظل اعتماد الطلبة المتزايد على البحث الرقمي. وفي المقابل، تؤكد بيان الصبحية أن تنشيط الحياة الثقافية داخل المكتبة لا يقل أهمية، من طريق تنظيم ورش العمل، وحلقات النقاش، واستضافة المختصين، بما يحول المكتبة إلى مركز حيوي لتبادل المعرفة والخبرات.

 

 

وهكذا، تتكامل هذه الرؤى لتقدم صورة حديثة للمكتبة، لا بوصفها مكانا لحفظ الكتب فحسب، بل فضاء معرفيا متكاملا يجمع بين التقنية والتفاعل الإنساني، ويواكب طموحات الجيل الجديد، ليبقى الكتاب حاضرا، والمكتبة نابضة بالحياة، ومواكبة لمستقبل المعرفة.

 

إرسال تعليق عن هذه المقالة