السنة 26 العدد 197
2026/02/25

من رسالة العلم إلى أثر الريادة

رحلة أكاديمية مع الدكتورة نعيمة البيمانية بين الاستراتيجية والابتكار وصناعة الأثر



في زمن تتسارع فيه التحولات، وتتنافس فيه المعارف، يبقى التعليم هو البوصلة التي تهدي المجتمعات نحو مستقبل أكثر وعيًا ونضجًا. وفي قلب هذه المسيرة تقف نماذج أكاديمية تؤمن بأن العلم ليس مهنة فحسب، بل رسالة ومسؤولية وأثر ممتد في الأجيال.

في هذا الحوار، نقترب من تجربة أكاديمية ملهمة تمزج بين الأصالة العُمانية والطموح العالمي، بين قاعات التدريس ومنصات البحث، وبين الفكر الاستراتيجي وروح الريادة. إنها رحلة الدكتورة نعيمة البيمانية، التي آمنت بأن التعليم صناعة إنسان قبل أن يكون صناعة معرفة، وأن النجاح الحقيقي يُقاس بما نتركه من أثر في العقول والقلوب.

 

س1/ عرّفنا بنفسك ... نشأتك والأسرة ومجتمعك؟

نعيمة البيمانية، أستاذ مساعد في قسم الإدارة بكلية الاقتصاد والإدارة ونظم المعلومات بجامعة نزوى. أنتمي إلى أسرة عُمانية تؤمن بأن العلم رسالة قبل أن يكون وظيفة، ومسؤولية قبل أن يكون إنجازًا شخصيًا. نشأت في بيئة تُقدّر التعليم وتَعدُّه ركيزة أساسية لبناء الإنسان والمجتمع. 

كبرت وأنا أسمع قصص البدايات الأولى للتعليم، والتحديات التي واجهها الرواد في سبيل نشر المعرفة، فترسخ في داخلي أن التعليم ليس مجرد قاعة دراسية، بل رسالة تغيير وبناء أجيال. أشعر أنني أواصل مسيرة بدأت قبل عقود، ولكن بأدوات معاصرة، ورؤية تتواءم مع تحديات العصر ومتغيراته.

لقد شكل المجتمع العُماني، بقيمه القائمة على الأصالة والطموح والاعتزاز بالهوية، الإطار الذي صقل شخصيتي؛ فتعلمت أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالمناصب أو الألقاب، بل بمدى الأثر الذي نتركه في عقول الآخرين وقلوبهم.

 

س2/ ماذا عن مساركم التعليمي؟ كيف كان طريقه من المدرسة إلى الجامعة وصولا إلى الدراسات العليا؟

بدأ شغفي بالتعلم منذ المرحلة المدرسية، إذ كنت أرى في التعليم وسيلة للتمكين وبناء المستقبل. واصلت دراستي الجامعية في تخصص الإدارة، الذي وجدت فيه مساحة رحبة لفهم الإنسان والمؤسسات والاستراتيجيات.

لاحقًا، وبدافع البحث عن التميز العلمي والتعمق المعرفي، أكملت دراساتي العليا، إذ انصب اهتمامي على الاستراتيجيات الريادية، والابتكار، وتطوير المؤسسات في البيئات المتغيرة. كانت مرحلة الدراسات العليا محطة تحول فكري ومنهجي؛ تعلمت فيها كيف أنتقل من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن تلقي الأفكار إلى نقدها وبنائها.

 

س3/ أطلعنا على تكوينكم البحثي والأكاديمي واهتماماتكم بهذين المجالين ونشاطاتكم فيهما؟

يرتكز تكويني البحثي على مجالات الاستراتيجية، وريادة الأعمال، والابتكار، والتحول الرقمي، وقيادة المنظمات في البيئات الديناميكية. أهتم بربط النظرية بالتطبيق، خصوصًا في سياق المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ودورها في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040.

أعمل على تطوير أبحاث علمية تسهم في فهم ديناميكيات الابتكار وريادة الأعمال في البيئة المحلية والإقليمية، وأحرص على إشراك الطلبة في مشاريع بحثية تطبيقية تعزز مهارات التفكير النقدي والتحليل الاستراتيجي لديهم.

أكاديميًا، أؤمن بأن التدريس رسالة تتجاوز نقل المحتوى إلى بناء عقلية ناقدة ومبدعة؛ لذا أحرص على تصميم مقررات تفاعلية، وتوظيف استراتيجيات تعلم حديثة، وربط القاعات الدراسية بقضايا المجتمع وسوق العمل.

 

س4/ استرجع معنا أبرز بصماتكم وذكرياتكم التي حققتموها في الجامعات التي انتسبتم إليها؟

كانت سنوات الدراسة الجامعية، وخاصة مرحلة الدراسات العليا، من أكثر المراحل ثراءً في مسيرتي العلمية. لم تكن مجرد سنوات تحصيل معرفي، بل مرحلة تشكُّل فكري ومهني.

في فترة انتسابي للجامعات التي درست فيها، حرصت على المشاركة الفاعلة في الأنشطة الطلابية والأكاديمية، سواء في الندوات العلمية، أم حلقات النقاش البحثي، أم المبادرات التي تعزز بيئة التعلم التفاعلي. كانت تلك المشاركات فرصة لصقل مهاراتي في العرض، والتحليل، والعمل الجماعي، وبناء شبكة علاقات أكاديمية متميزة.

ومن أبرز محطات تجربتي الأكاديمية عملي باحثة مساعدة في جامعة جنوب ألاباما بالولايات المتحدة الأمريكية، وهي تجربة شكلت نقلة نوعية في مساري البحثي. أتاحت لي هذه التجربة الانخراط في مشاريع بحثية منهجية، والتعامل مع أدوات تحليل متقدمة، والمشاركة في بيئة بحثية متعددة الثقافات؛ مما عزز قدرتي على التفكير النقدي، والدقة المنهجية، والعمل ضمن فرق بحثية دولية.

تلك المرحلة عمّقت إيماني بأن البحث العلمي ليس مجرد نشر أوراق علمية، بل هو عملية مستمرة من التساؤل والاكتشاف والسعي لفهم أعمق للواقع.

أعتز بكل محطة تعليمية مررت بها؛ لأنها أسهمت في بناء شخصيتي كوني باحثة وأكاديمية، ومهّدت الطريق لما أقوم به اليوم من تعليم وبحث وخدمة مجتمعية.

 

س5/ أين يجد القارئ أبرز الإنجازات التي حققتها في حياتك العلمية والعملية؟ 

يمكن للقارئ أن يلمس أبرز إنجازاتي في حضوري الفاعل في المؤتمرات والملتقيات العلمية الإقليمية والدولية، ومشاركتي بأوراق بحثية في مجالات ريادة الأعمال، والابتكار، والذكاء الاصطناعي في الأعمال، وتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. فقد شاركت في مؤتمرات علمية داخل سلطنة عُمان وخارجها، من بينها مؤتمرات في الولايات المتحدة الأمريكية، وتركيا، وقطر، إضافة إلى مؤتمرات إقليمية متخصصة مثل مؤتمر ريادة الأعمال لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENAREC)، ومؤتمر ScholaCon 2025، ومؤتمر Entrepreneurship for Sustainability & Impact (ESI)، إذ أتيحت لي فرصة عرض أبحاثي وتبادل الخبرات مع باحثين من خلفيات متعددة.

وأعتز أيضًا بتمثيل جامعة نزوى في محافل علمية عربية، ومشاركتي متحدثة وعضوة في لجان علمية، إضافة إلى عملي ممتحنة خارجية لمشاريع الدراسات العليا والبكالوريوس، وهو دور يعكس الثقة الأكاديمية التي أعتز بها.

وعلى الصعيد المهني الدولي، أتشرف بعضويتي في عدد من الجمعيات العلمية المتخصصة في الولايات المتحدة الأمريكية، من بينها الجمعية الأمريكية لريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة (USASBE)، والجمعية الأمريكية للإدارة (AMA)، والجمعية الدولية للقيادة (ILA)، والجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA)، وهي عضويات تعزز تواصلي المستمر مع المجتمع الأكاديمي العالمي، وتتيح لي متابعة أحدث الاتجاهات البحثية والممارسات المهنية في مجالي.

 

س6/ ما رسالتك التي تستعين بها في سبيل العلم والعمل؟

رسالتي التي أؤمن بها هي: "العلم مسؤولية، والعمل أثر، والنجاح الحقيقي هو أن تترك بصمة تنفع غيرك."

أؤمن بأن المعرفة إذا لم تتحول إلى قيمة مضافة للمجتمع، تبقى ناقصة؛ لذلك أسعى دائمًا إلى أن يكون عملي الأكاديمي متصلاً بالتنمية، وأن يكون التعليم أداة لبناء الإنسان قبل بناء الوظيفة.

 

س7/ ما توجيهكم لنقل طلبة العلم نقلة نوعية كبيرة في مختلف التخصصات؛ وذلك في ظل الانفجار المعرفي والتدفق المعلوماتي الهائل، إذ يعد ذلك سلاحا ذا حدين؟

نحن نعيش في عصر وفرة المعلومات لا ندرتها، ولذلك فإن التميز لم يعد في جمع المعرفة بل في حسن توظيفها. أنصح طلبة العلم بأن يركزوا على تنمية التفكير النقدي، والقدرة على التحليل والتمييز بين المصادر الموثوقة وغير الموثوقة، وأن يستخدموا التقنيات الحديثة – بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي – بصفتها وسائل داعمة للتعلم لا بدائل عن الجهد الشخصي. فالمعرفة اليوم سلاح ذو حدين، ولا يتحول إلى أداة بناء إلا إذا صاحبه وعي أخلاقي، وانضباط ذاتي، ورغبة حقيقية في الإبداع وخدمة المجتمع.

 

س8/ كيف ترين دور الجامعة في تحقيق رؤية عُمان 2040؟

الجامعة اليوم ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل شريك تنموي استراتيجي. من طريق البحث العلمي، وتطوير البرامج الأكاديمية، ودعم ريادة الأعمال، تسهم الجامعة في إعداد كوادر قادرة على قيادة التحول الاقتصادي والمعرفي.

 

س9/ ما التحديات التي تواجه الأكاديمي اليوم؟

من أبرز التحديات هي مواكبة التطورات التقنية المتسارعة، وتحقيق التوازن بين التدريس والبحث وخدمة المجتمع، إضافة إلى الحفاظ على جودة التعليم في ظل التحول الرقمي.

إرسال تعليق عن هذه المقالة