الحاجة إلى المحافظة على الصوت: منظورٌ عُماني في اليوم العالمي للصوت 2026
.jpg)
بقلم: آصف مايثين وغالية بنت هود العلوية
مدرسان سريريان، قسم أمراض النطق واللغة- كلية العلوم الصحية
يُصادف اليوم العالمي للصوت في السادس عشر من أبريل من كل عام، ويُمثّل منصةً عالميةً مهمة لتسليط الضوء على قيمة الصوت الإنساني في التواصل، والثقافة، والتعليم، والحياة المهنية. وفي سلطنة عُمان، بوصفها وطنًا متجذرًا في التقاليد الشفوية، ومتسمًا بتنوّعٍ لغويٍّ ثريٍّ وهويةٍ ثقافيةٍ راسخة، تكتسب مسألة المحافظة على الصوت أهميةً خاصة. ومن منظورٍ أكاديميٍّ ومهنيٍّ في مجال علاج اضطرابات النطق واللغة، تبرز ضرورة تأكيد أن حماية الصوت وصونه ليست مسألةً سريريةً فحسب، بل أولوية ثقافية وتعليمية وصحية عامة.
يمثّل الصوت أداةً رئيسة للتفاعل الاجتماعي ونقل المعرفة في المجتمع العُماني. فالسرد الشفهي، والشعر، وتلاوة القرآن الكريم، والخطاب العام، والتعليم، والتواصل اليومي بين الأفراد، جميعها تعتمد اعتمادًا جوهريًا على استخدامٍ صوتيٍّ فعّال ومستدام. ويتسم المشهد اللغوي في عُمان بتعدّدٍ لافت، إذ يشمل العربية الفصحى، واللهجات العُمانية المختلفة، إلى جانب لغاتٍ محليةٍ أصيلة مثل الجبالية (الشحرية) والمهرية، فضلًا عن التأثيرات السواحلية في السواحل. ونظرًا إلى أن هذه اللغات واللهجات تُنقَل في الأساس شفهيًا، فإن سلامة الصوت تُعد ركيزةً أساسية لاستمرارية الإرث الثقافي واللغوي.
ومن الناحية المهنية، يشكّل مستخدمو الصوت المحترفون نسبةً معتبرة من القوى العاملة في عُمان. فالمعلمون وأعضاء هيئة التدريس الجامعي، والوعّاظ وأئمة المساجد، والمذيعون، وموظفو مراكز الاتصال، والعاملون في القطاع الصحي، والفنانون الشعبيون، جميعهم يعتمدون على إنتاجٍ صوتيٍّ سليم لأداء مهامهم بكفاءة. وفي المؤسسات الأكاديمية، يعرّض إلقاء المحاضرات لفتراتٍ طويلة داخل قاعاتٍ كبيرة، وغالبًا في ظروفٍ صوتية وبيئية غير مثالية، المعلمين لخطرٍ مرتفع للإصابة باضطرابات الصوت. كما أن التلاوة الدينية، بما تحمله من مكانةٍ رفيعة في الثقافة العُمانية، تتطلب تحكمًا دقيقًا في الأداء الصوتي وقدرةً عالية على التحمّل.
.jpg)
كيفية العناية بالصوت
تشير المحافظة على الصوت إلى تبنّي استراتيجياتٍ تهدف إلى تقليل الإجهاد الصوتي والوقاية من الاضطرابات، مع الحفاظ في الوقت ذاته على فاعلية التواصل. ومن أبرز هذه الاستراتيجيات: الحرص على الترطيب الكافي، والاستخدام الأمثل للصوت، وتجنّب السلوكيات المؤذية، مثل: الصراخ أو التحدث بصوتٍ مرتفع لفتراتٍ مطوّلة، وضبط العوامل البيئية كالغبار وأجهزة التكييف، إضافةً إلى الكشف المبكر عن المشكلات الصوتية. وفي ظل المناخ الحار والجاف في عُمان، يُعدّ الجفاف من العوامل الشائعة - وإن كانت مُغفَلة أحيانًا - التي تُسهم في إرهاق الصوت وبُحّته؛ مما يجعل الوعي بهذه المخاطر السياقية أمرًا بالغ الأهمية.
ولا يقل أهميةً عن ذلك معالجة المواقف الثقافية المرتبطة بمشكلات الصوت؛ إذ كثيرًا ما تُعدّ التغيرات الصوتية أمرًا اعتياديًا أو يتم تجاهلها إلى أن تؤثر بوضوح في الأداء الوظيفي أو الأنشطة اليومية. وقد يتردد بعضهم في طلب المساعدة المتخصصة بسبب محدودية الوعي بدور اختصاصيي اضطرابات النطق واللغة في رعاية الصوت. ومن هنا، فإن إدماج التثقيف في المحافظة على الصوت في المدارس والجامعات ومبادرات الصحة المجتمعية من شأنه أن يُحوّل التركيز من العلاج إلى الوقاية.
يوفّر اليوم العالمي للصوت 2026 فرصةً مواتيةً للمؤسسات الأكاديمية، والمهنيين الصحيين، وصنّاع القرار في عُمان للتعاون في تعزيز الوعي بالصحة الصوتية. ويمكن لورش العمل، وبرامج الفحص المبكر، والمحاضرات العامة، والمواد التثقيفية المصاغة بلغةٍ عربيةٍ فصيحة ومراعيةٍ للهجات المحلية، أن تُسهم إسهامًا فاعلًا في توسيع نطاق التوعية. كما أن إدراج محاور العناية بالصوت ضمن برامج إعداد المعلمين ومناهج العلوم الصحية سيعزز الأثر المستدام على المدى البعيد.
ختامًا، فإن المحافظة على الصوت في عُمان ليست ترفًا، بل ضرورة تمليها مكانة الصوت المحورية في التعليم، والدين، والثقافة، والحياة المهنية. وفي هذا اليوم العالمي للصوت، يجدر بنا أن نستحضر قيمة الصوت بوصفه موردًا وطنيًا ثمينًا، وأن نلتزم بحمايته من طريق الوعي، والتثقيف، والممارسة القائمة على الأدلة العلمية. إن صون الصوت اليوم هو ضمانٌ لاستمرار الإرث الثقافي واللغوي العُماني نقيًّا ومُجلجلًا في آذان الأجيال القادمة.